لم يكن النظام المصرفي الليبي متطورا بالشكل الكافي قُبيل التوترات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد. علاوة على تدهور البنية التحتية التكنولوجية بالبنوك، فقد انقسم المركزي الليبي بين الشرق والغرب منذ عام 2014، ونتج عن ذلك توقف عمليات المقاصة بين البنوك، وتعد المقاصة أمرا حيويا لتسوية المعاملات المالية وتسهيل التعاملات التجارية والمالية داخل البلد الواحد وأيضا بين الدول المختلفة كما تساهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
ويثار الجدل حول عودة دور عمليات المقاصة من عدمه في ليبيا، فرغم التصريحات الرسمية باستمرار عمل منظومة المقاصة، إلا أن ما تشهده تعثر عمليات تسوية المدفوعات بين البنوك وخاصة بين الشرق والغرب تعد شاهدا على توقف أو عدم كفاءة هذه المنظومة، ونحاول في هذا التقرير التعرف على دور منظومة المقاصة وأسباب توقفها وآليات تطويرها وهل تم عودة العمل بها أم لا؟
أولاً: – مفهوم عمليات المقاصة وأهميتها
تساهم عمليات المقاصة في تسوية الحقوق والالتزامات بين الأطراف المتعاملة مع النظام المصرفي، ففي نظام المقاصة، تقوم البنوك والمؤسسات المالية بإرسال تفاصيل المعاملات المالية إلى مؤسسة مركزية (مثل البنك المركزي أو جهة مقاصة مستقلة)، التي تقوم بإجراء المقاصة وتحديد المبالغ النهائية المستحقة لكل مؤسسة مالية، عند حساب الديون والمستحقات المتبادلة بين البنوك والمؤسسات المالية، يتم تحديد مبلغ صافي يتعين على كل مؤسسة دفعه أو تلقيه. ثم بعد ذلك، يتم إجراء عمليات التسوية بواسطة تحويل الأموال من حسابات المؤسسات المدينة إلى حسابات المؤسسات الدائنة.
يساعد نظام المقاصة على تحسين كفاءة السوق المالي وتقليل المخاطر المترتبة على العمليات المالية، مثل مخاطر الائتمان والسيولة، وقد تطور نظام المقاصة من شكله التقليدي إلى المقاصة الإلكترونية، فالمقاصة الإلكترونية تمثل نظاما لتسوية مدفوعات الشيكات والأوراق المالية إلكترونياً بين المصارف بدلاً من المدفوعات الورقية في غرفة المقاصة.
ويعمل نظام المقاصة وفقا لطريقة آلية من خلال تبادل صور وبيانات الصكوك، ويقوم النظام بعمل مسح ضوئي للصك الورقي المقدم وإرسال صورة الصك وبياناته الكترونياً للمصرف الدافع لتحصيله لحساب المستفيد وذلك باستخدام شبكة اتصالات آمنة بين المصارف، ويقوم النظام بحساب صافي المركز المالي المتعدد الأطراف للمشاركين على أساس كل الصكوك، وتتم تسوية المراكز المالية في نهاية اليوم عن طريق منظومة التسوية الإجمالية الفورية، شريطة أن يكون لدى المشارك ما يكفي من السيولة في حساب التسوية الخاص به.
وتتمثل أهمية نظام المقاصة البنكية في؛ خفض التكاليف والوقت باستعمال الخدمات الالكترونية المتطورة، خفض نسبة المخاطرة في الانشطة التجارية والمدفوعات، وتسهيل وسائل منح وإدارة القروض ومخصصات المشاريع، وتسريع صرف المعاشات والمنح والمخصصات والقروض، وتمكين المصرف المركزي من مراقبة الخدمات والحسابات، وتمكين الافراد والشركات والجهات العامة من تحصيل رسوم الخدمات آلياً.
ثانياً : – أسباب توقف عمليات المقاصة
على مدار ما يقرب من عقد من الزمان توقف نشاط المقاصة، فقد توقفت ألية المقاصة المصرفية بشكل رسمي منذ عام 2014، ومن أبرز أسباب توقف عمل المقاصة ما يلي:
- تصاعد التوترات السياسية
شهدت ليبيا توترات سياسية وصراعات مسلحة نتج عنها حكومتين أحدها في الشرق والأخرى في الغرب. على أثر ذلك، في أكتوبر من عام 2014 أقدم البنك المركزي في غرب ليبيا بفصل فرعه الشرقي عن نظام المقاصة الآلي، وذلك لمنع السلطات في الشرق من الوصول إلى الحسابات الحكومية (الاحتياطيات وعائدات النفط)، فعطل هذا التوقف عمليات التسوية المالية بين مصارف الشرف والغرب، وتسبب هذا الإجراء في تراكم المديونية على فروع المصارف وخاصة في المنطقة الشرقية.
2. ضعف البنية التحتية للمقاصة
نتيجة لسنوات من الصراع والفوضى، تعاني ليبيا من ضعف في البنية التحتية المالية والمصرفية، مما يعيق إجراء عمليات المقاصة بين الشرق والغرب بكفاءة. جدير بالذكر أن النظام المصرفي الليبي لم يكن متطورا بالقدر الكافي قبل العام 2011م، فقد أدى التخطيط المركزي وهيمنة عائدات النفط على مدى عقود إلى وجود اقتصاد شديد المركزية تهيمن فيه الدولة على ملكية المصارف لا سيما المساهمة الكبرى للمصرف المركزي في ملكيتها، والتي تمثل بالأساس آليات لتمويل المشروعات الحكومية بأموال المودعين، ولم يسمح هذا الهيكل المالي القائم للبنوك الليبية في تطوير أدوات وأساليب مصرفية حديثة، ولا يزال استخدام الأدوات الحديثة للمساعدة في توسيع نطاق التوزيع وتبادل المعلومات، مثل الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول والتكنولوجيا المالية، في بدايته.
إجمالي الاحتياطيات (بما فيه الذهب، بالأسعار الجارية للدولار الأمريكي)

مصدر البيانات: قاعدة بيانات البنك الدولي، مؤشرات التنمية الاقتصادية، متاح على: https://shorturl.at/bkvwx
ثالثاً: – تداعيات انقسام المصرف المركزي الليبي.
في الوقت الحالي، ومع استمرار حالة الانقسام بين الشرق والغرب، يعجز مصرف ليبيا المركزي عن متابعة التطورات داخل المصارف في الشرق. وتخضع المصارف التي يقع مقرها في الشرق وهي المصرف التجاري الوطني ومصرف الوحدة ومصرف التجارة والتنمية للمصرف المركزي في البيضاء قبل أن ينتقل إلى بنغازي – تمثل نحو ثلث القروض بالنظام المصرفي الليبي وتلبي ما يصل إلى 30% من الاحتياجات المصرفية، فيما يقع مقر المصارف المتبقية، التي تمثل الأغلبية، في طرابلس وبالتالي تتبع المصرف المركزي في طرابلس.
لازال المصرف المركزي في غرب ليبيا يسيطر على منظومة الدفع، ولكن تلجأ المنطقة الشرقية إلى استخدام آليات خاصة غير رسمية لتحويل الأموال مثل ويسترن يونيون وتبادل النقد الأجنبي خارج الجهاز المصرفي، وتُجرى عمليات المقاصة بين المصارف، التي تتبع المصرف المركزي في بنغازي يدوياً لأنه تم فصلها عن نظام التسويات الإجمالية الفورية. ولا تُجرى أي عمليات مقاصة بين المصرفين المركزيين، ولا يملك مصرف ليبيا المركزي أي وسيلة لتتبع المعاملات التي تجرى داخل هذه المصارف، وقد تأثر القطاع المصرفي بتراجع سيادة القانون مما أدى لوجود ودائع وهمية من خلال التلاعب بنظام المقاصة. وقد تؤثر أزمة المقاصة في ليبيا على الاقتصادات المجاورة وتعقد التبادل التجاري بينها وبين جيرانها، وهو ما يزيد من تشابك المشكلات التي تواجه الاقتصاد الليبي.
رابعاً: شواهد استمرار تعطل المقاصة بين مصارف الشرق والغرب.
صرح رئيس المصرف المركزي الليبي في طرابلس مؤخرا باستمرار عمل نظام المقاصة في النظام المصرفي الليبي، وعدم إغلاق نظام المقاصة في المنطقة الشرقية ولو ليوما واحدا، وأن الترويج لإغلاق نظام المقاصة كان بدافع سياسي من أجل تأجيج الخلاف بين الشرق والغرب الليبي، وأنه في عم 2021، قام مصرف ليبيا المركزي بحل مشكلة تراكم ودائع البنوك التجارية في مركزي طرابلس والبيضاء، وزود البنوك بمبلغ 21 مليار دينار، وأن سبب المشكلة الكبرى في نظام المقاصة هو تراكم دين عام كبير في المنطقة الشرقية دون مقابل. غير أن هناك شواهد تدلل على نعثر نظام المقاصة أو عدم تشغيله بكفاءة يمكن تناولها كما يلي:
- استمرار انقسام مصرف ليبيا المركزي
إذ يمثل استمرار انقسام المصرف المركزي بين الشرق والغرب خير دليل على استمرار تعطل أو عدم كفاءة آلية المقاصة بين البنوك في ليبيا، وقد حث الاجتماع الثالث للجنة التيسيرية لمشروع إعادة توحيد مصرف ليبيا في أبريل من عام 2022، تنفيذا لتوصيات المسار الاقتصادي التي أقرها المؤتمر الدولي حول ليبيا الذي أًقيم في برلين في يناير 2020 على ضرورة الإسراع من الخطى من أجل توحيد المصرف الليبي. وفي مارس من عام 2023 عُقد مؤتمر برعاية أممية في تونس بين إدارات مصرف ليبيا المركزي طرابلس وبنغازي، من أجل الاستمرار في جهود توحيد مصرف ليبيا المركزي.
- تعثر توفير السيولة
استمرار تعثر توفير السيولة، وقيام بعض المصارف برفض الصكوك فيما بينها، وتم الاتفاق على سرعة إنهاء هذه المشكلة ورفع كافة القيود الموضوعة من قبل المصارف خصوصاً بعد ارتفاع أرصدتها لدى مصرف ليبيا المركزي بشكل كبير، وقدرتها على الوفاء بطلبات عملائها من النقد الأجنبي. وتحاول مصارف المنطقة الشرقية لتسوية أوضاعها من أجل اعادة الدمج في المنظومة المصرفية، من خلال حصولها على قرض بقيمة 5 مليارات دينار والبدء في عمليات بيع النقد الأجنبي وفقا لسعر الصرف الرسمي (4.75 دينار للدولار) لتسوية حساباتها عبر المركزي بالمنطقة الشرقية.
- تراجع حساب المقاصة بين البنوك التجارية
رغم توقف عمليات المقاصة منذ أكتوبر 2014، إلا أن بيانات الميزانية الموحدة للبنوك التجارية الصادرة عن البنك المركزي توضح استمرار عمليات المقاصة بين البنوك التجارية والتي ارتفعت إلى أعلى قيمة لها بنحو 12.9 مليار دينار في عام 2016، إلا أنها تراجعت لنحو 6.4 مليار دينار في عام 2017 بسبب تداعيات التوترات السياسة، وتشديد القيود على عمليات المقاصة، ووصلت عمليات المقاصة لنحو 7.6 مليار دينار حتى الربع الثاني من عام 2022، وهي مستويات أقل مما كانت عليه في عام 2016.
شكل رقم (2)
حسابات المقاصة بالميزانية الموحدة للبنوك التجارية

Source: CENTRAL BANK OF LIBYA, Main Financial Indicators of Libyan Commercial Banks (Q2 – 2022), P14, at
الخلاصة
تسبب الحروب المتكررة والتورات السياسية والأمنية وانقسام السلطة السلطتين التشريعية والتنفيذية في انقسام مصرف ليبيا المركزي، وهو ما كان له تداعياته السلبية على عمليات المقاصة، كما أن اخراج بنوك المنطقة الشرقية من آلية المقاصة الآلية أدى إلى تراكم الديون على البنوك التجارية وهو ما أحدث تعثرا ماليا واضطرت معها هذه البنوك لوضع حدود للسحب وتقييد عمليات المقاصة والعودة للمقاصة اليدوية وكذلك رفض بعض البنوك لعمل مقاصة للكثير من الصكوك المالية، كل هذا أثر سلبا على المستويين الكلي والجزئي للاقتصاد الوطني، علاوة على الاثار السلبية على الأوضاع المالية للمصارف التجارية وسلامة الجهاز المصرفي.
من ثم، لا زال الانقسام السياسي وآثاره معرقل لكثير من الجهود الرامية لتطوير الاقتصاد الليبي كما أنه أدى إلى إضعاف إنتاجية الاقتصاد الليبي الذي يعتمد بشكل رئيسي على الصادرات النفطية، كما أن القطاع المصرفي لم يكن ببعيد عن تأثيرات تلك الأزمة التي تسبب في ضعف قدرة البنك المركزي الليبي على السيطرة وفقدان المواطنين للثقة في المصارف الليبية، لذلك ينبغي العمل على:
- وضع حل للانقسام السياسي فإنه أصل كل الشرور التي يعاني منها الاقتصاد الليبي، فلن تكون خطط إعادة توحيد مصرف ليبيا المركزي سوى طموحات بعيدة المنال ما لم يتم تحقيق الاستقرار السياسي والأمني، ومن ثم أصيح العمل على إيجاد حلول للانقسام السياسي ضرورة بما يؤدي إلى وجود تفاهمات بالنسبة للشق الاقتصادي.
- تطوير البنية التحتية الرقمية والاستعانة بالخبرات الدولية وتفعيل التسوية المالية الالكترونية والتخلص من المقاصة اليدوية.
- العمل على تطوير رأس المال البشري من العاملين بالقطاع المصرفي مما يزيد من مهاراتهم للتعامل مع التحديات التي من المحتمل أن تواجههم.
- وضع استراتيجيات لتطوير القطاع المصرفي مع إيجاد آليات فعالة لتحقيق المستهدفات.



