Skip to main content

رغم أن واقع التشريع في بلادنا يعاني بشكل كبير للغاية؛ بل يكاد يكون السبب الرئيس في كثير من معضلات الساحة  الليبية بسبب غياب المرجعية الدستورية التي تحكم خطوط التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الدولة، وبسبب استحكام الصراع على السلطة، وما يعنيه ذلك من استفحال ظاهرة العنف بين مختلف القوى المؤثرة في مراكز صنع القرار في الدولة، إلا أن هذا الواقع لا يلغي حقيقة لطالما رسختها دول أخرى في سياساتها التشريعية والبرلمانية، وهي أن للتشريع مرفقات يجب توثيقها؛ لرصد ومتابعة ما يستجد فيها من أعمال لها علاقة مباشرة بالمسائل المستهدفة بالتنظيم في هذا التشريع أو ذاك؛ وهي:-

  1. المذكرة الإيضاحية: وتعني باختصار تدوين مناقشات السلطة التشريعية والقراءات الأولية لمشروعات القوانين؛ لتحديد الهدف من إصدارها، والاستفاضة في شرح المسببات التي دعت لسن القوانين ، ورصد وتوثيق مراحل الإصدار بتسلسل زمني يعكس كل وجهات النظر، مشمولة بالحجج المنطقية والأسانيد المتصلة بضمانات تحقيق المصلحة العامة؛ للوقوف على حقيقة المزاج العام في الوسط البرلماني إزاء مختلف التشريعات النافذة؛ لتشكل هذه المعطيات فيما بعد مصدرا رئيسيا للإصلاح التشريعي من جهة، وتنمية الوعي الفكري والقانوني بالنسبة لجميع المهتمين بقضايا التشريع من كل فئات المجتمع من جهة أخرى.
  2. المذكرة التفسيرية: وتعني الشرح المفصل للنص من جميع زواياه التطبيقية والتنفيذية، وتحديد الآثار المستهدفة بالتحقيق على أرض الواقع، يوازيها في واقعنا اليوم “اللائحة التنفيذية للقانون”، لكن الفرق بينهما يكمن في جهة الإصدار، فبينما تصدر المذكرة التفسيرية من نفس الجهة صاحبة الحق في التشريع، تصدر اللائحة التنفيذية بقرار من مجلس الوزراء بتفويض مباشر من السلطة التشريعية في آخر مادة في أي قانون جديد بعد اعتماده والمصادقة عليه بشكل نهائي.

وبإسقاط هذه الأحكام الإجرائية على واقع العمل التشريعي في ليبيا تتجلى الفوارق الجوهرية بين الحالتين؛ لنجد أنفسنا رهينة أفكار ونزوات لا تمت للحكم الصالح والرشيد بصلة.

وحتى لا تتشعب الأفكار والتحليلات في هذا الصدد، فقد رأينا الاقتصار على الجوانب التالية في هذا التقرير؛ وهي:

أولا/ التطورات التاريخية لصناعة التشريع في ليبيا

عاشت بلادنا منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا جملة من التحديات الكبرى، أفرزت لنا عدة برلمانات وبمسميات مختلفة، وكان لذلك أثر كبير في تدهور السياسة التشريعية، وعدم تماسك المنظومة القانونية بالقدر الذي يحقق التوازن المطلوب بين مختلف الجهات المعنية بالإسهام في بناء الدولة، وحماية إرثها الحضاري والثقافي من الانهيار أو الضياع.

بعبارة أخرى فإن سلطة التشريع لم تكن مجردة ومستقلة تماما عن توجيهات منظومة الحكم في مختلف الفترات السابقة، بل كانت أحد ركائز تلك المنظومة؛ لتشكل في مضمونها حالة من التعصب لأفكار لطالما كانت ولا تزال محل جدل كبير ليس فقط في أوساط السلطة التشريعية نفسها، بل وفي باقي المؤسسات والمنظمات بشقيها الرسمي والأهلي المؤثرة والمتأثرة بتلك الأفكار والتوجهات بشكل أو بآخر.

في عام 1950م تم تأسيس الجمعية الوطنية الليبية، والمعروفة بـ“لجنة الستين”؛ لصياغة مشروع الدستور، والذي تم اعتماده ليدخل حيز التنفيذ في 1951م، حيث تمت الإشارة فيه إلى جملة من الأحكام المتعلقة بقضايا الحكم والسلطة، بالإضافة إلى الضمانات والمسؤوليات المتعلقة بالحقوق والتكاليف العامة، ولعل أهم ما يجب تسليط الضوء عليه في هذا الصدد هو أن ليبيا دولة ملكية وراثية ونظامها نيابي، وأن السلطة التشريعية يتولاها الملك بالاشتراك مع مجلس الأمة الذي يتكون من مجلسي الشيوخ والنواب، حيث تصدر القوانين باسم الملك بعد أن يقرها مجلس الأمة على النحو المبين في الدستور؛ طبقا لأحكام المواد ( 2 و 40 و 93) من الدستور الاتحادي، وبذلك نصل إلى حقيقة مفادها أن الملك هو صاحب النفوذ الأقوى في إقرار التشريعات وإصدارها، بحكم اختصاصاته الواسعة وصلاحياته الكبيرة في منظومة الحكم في البلاد آنذاك.

بعد انقلاب سبتمبرعام 1969م تم تعطيل العمل بهذا الدستور، ودخلت البلاد في أتون مرحلة مظلمة ليس لها مثيل، حيث لم يدخر رأس النظام السابق جهدا في سبيل تسيير مؤسسات الدولة على نحو من العشوائية والفوضى، واختزال الدولة بسلطاتها العامة في شخص واحد ، ولعل أبرز ما اتسمت به تلك الحقبة هو تعطيل الحياة الدستورية في البلاد، وعدم السماح لأي جهة عامة أو خاصة بالاقتراب من قضايا الإصلاح  والتنمية بأي وجه كان، ولقد كان هذا التسلط والاستعباد السبب الرئيسي في تصاعد وتيرة الاحتقان ضده، حتى تولد الانفجار الكبير في ثورة عارمة أطاحت به في منتصف شهر فبراير من العام 2011م.

في عام 2012م تم انتخاب المؤتمر الوطني العام؛ ليتولى السلطة التشريعية في البلاد، ريثما تنضج الظروف؛ للنظر في كل الاستحقاقات الوطنية ذات الصلة بقضايا الحكم الصالح والرشيد، وفي مقدمتها قضية الدستور،لكن تطورات الحالة السياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي أفرزت لنا واقعا مشوها طغت فيه لغة المناكفة بتطبيقاتها المختلفة على لغة العقل والمنطق، فكان الاغتيال المعنوي للقضية الوطنية مؤشرا كبيرا على حجم المأساة التي مازالت تخيم على بلادنا حتى وقتنا هذا؛ بسبب النجاح الجزئي للمشروع الانقلابي الذي بسط سيطرته على الشرق الليبي  بدعم سخي ومتواصل من منظومات الحكم في بعض الدول العربية المتدخلة في الشأن الليبي لأسباب لها علاقة برفض أسلوب التغيير والانتخاب في إعادة إنتاج السلطة. 

فشل المؤتمر الوطني العام في التركيز على المهمة التي انتخب من أجلها -ألا وهي إعداد دستور للبلاد، تتحدد فيه أدبيات الحكم الجديد بأفكار معاصرة تخدم تطلعات الشعب في الحرية والكرامة والتداول السلمي على السلطة-؛ لأسباب لها علاقة بالفقر المعرفي والسلوكي بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى بعض الأسباب الأخرى والتي من بينها تفكك الدولة واستسهال صناعة الفوضى فيها من قبل جهات داخلية تقاطعت مصالحها الفئوية مع مصالح بعض الجهات الخارجية، فكان الاستغراق السياسي بتعقيداته المتراكمة والمتزايدة هو الفخ الذي وقعت فيه البلاد .

وعلى الرغم من وجود بعض المحاولات التي كانت تهدف إلى تدارك الوضع، والدفع في اتجاه انتخاب هيئتين جديدتين هما مجلس النواب والهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور؛ لتجنيب البلاد ويلات الاحتراب الداخلي، إلا أن الإشكاليات السياسية والقانونية التي أفرزتها لنا تداعيات الاستقطاب النيابي والمجتمعي آنذاك -بالإضافة إلى المد العسكري الذي بدأ يظهر وينشط من جديد في المعادلة الداخلية-  قد أفضت إلى انقسام عمودي في بنية السلطتين التشريعية والتنفيذية، فكان الانهيار في منظومة الحكم في البلاد حقيقة ماثلة، وتحولت معه سلطة القانون إلى مجرد أمنية بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من التحقق.

الجدير بالذكر هنا أن المؤتمر الوطني العام قد نجح بشكل نسبي في إعادة الاعتبار إلى المنظومة التشريعية، فكانت مشروعات القوانين تحال إليه من مجلس الوزراء؛ ليتولى دراستها ومناقشتها في جلسات رسمية غلب عليها الطابع المؤسسي، رغم عدم تدوين تلك الدراسات والمناقشات في المذكرة الإيضاحية للقانون موضوع التشريع.

في عام 2015م ظهراتفاق الصخيرات الشهير بتعديلاته اللاحقة وعلى الرغم من ضعف الأطر القانونية فيه إلا إنه كان يمثل شيئا ولو بسيطا من محاولة تنظيم البلاد والخروج بها لمرحلة انتخابات واستقرار إلا آن القوة المسيطرة على الشرق الليبي متمثلة في مجلس النواب وقيادة الرجمة قد رفضت تطبيقه على أرض الواقع، فبدأ الافتيات على السلطة العامة بطريقة عدوانية امتدت آثارها لتطال عمل كل المؤسسات تقريبا؛ لتكون النتيجة ذات آثار سلبية على مستوى السياسات العامة في اتخاذ القرار وعلى مستوى الإنفاق الحكومي الذي أغرق البلد في الدين العام ، ولا يكاد يوجد تشريع أساسي أو فرعي إلا وكان محطة جديدة للاختلاف والتنازع بين الفرقاء حتى يومنا هذا للأسف الشديد.

 ورغم وضع محددات عامة في أغلبها تنفيذية من قبل مؤتمر جنيف فيما يخص اختصاصات مجلسي الدولة والنواب وعمل الحكومة ووضع خطة طريق للوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية في 24 ديسمبر 2021إلا أنها أيضا باءت بالفشل ايضا.

ثانيا/ التنظيم القانوني لآليات سن وإصدار التشريعات في ظل أنظمة الحكم الموحدة

بالرجوع إلى الفقه المقارن وما جرى به العمل في الدول العربية مثل مصر وتونس والأردن عند سن وإصدار التشريعات بأنواعها المختلفة نخلص إلى أن العمليات الإجرائية المتعلقة بسن وإصدار التشريعات يجب أن تمر بالمراحل الآتية:-

  1. مرحلة الاقتراح: يجب أن يتم تحديد الجهة صاحبة الحق في اقتراح مشروعات القوانين بشكل واضح لا لبس فيه؛ لرسم المسار الصحيح الذي يكفل صحة وسلامة المنظومة التشريعية في أوقات الرخاء والشدة، وللحيلولة دون افتيات أي جهة على اختصاصات جهة أخرى.
  2. مرحلة العرض على السلطة التشريعية المختصة: يجب أن يتم تحديد الجهة الواجب عرض مشروع القانون عليها بشكل واضح لا لبس فيه؛ ليتسنى لها دراسته وتمحيصه والتمعن فيه، وإبداء الملحوظات والتحفظات التي قد تشوب بعض الأحكام الواردة فيه؛ لضمان وجود الحد الأدنى من التوازن بين حقوق وواجبات مختلف الجهات والأطراف المعنية بالالتزام بهذا التشريع، وتسهيل تطبيقه وتنفيذه على أرض الواقع.
  3. مرحلة المناقشة والتفسير: يجب على السلطة التشريعية المختصة دراسة ومناقشة مشروعات القوانين المحالة إليها من السلطة التنفيذية، وتحديد المعاني والحالات التطبيقية الصحيحة للنصوص في شكل تقرير محكم؛ لتحقيق ثلاثة أهداف، هي:
  4. أن هذا التقرير يعتبر مرجعية رسمية لضمان توحيد كل القوانين ذات الصلة، والحيلولة دون الوقوع في فخ التضارب أو التنازع في الاختصاصات والصلاحيات.
  5. أن هذا التقرير يعد المصدر الرئيسي الذي تنبثق منه المذكرات الإيضاحية والتفسيرية.
  6. أن هذا التقرير يعد المصدر الرئيسي الذي تبني عليه الدراسات العلمية المعنية بتطوير أساليب الصياغة، أو تطوير أساليب التنظيم القانوني أو الحماية القانونية للحق أو التكليف موضوع التشريع.
  7. مرحلة الموافقة والتصديق: يجب أن يتم رفع مشروع القانون بعد الانتهاء من صياغته إلى الجهة أو الجهات صاحبة الحق في إبداء الموافقة والتصديق عليه؛ ليكون على قدر عال من الجودة والتماسك في بنيانه اللغوي والموضوعي.
  8. مرحلة التوقيع والإصدار: يجب أن يتم رفع مشروع القانون بعد الانتهاء من الموافقة والمصادقة عليه إلى الجهة المخولة بتوقيعه، وإصداره، واعتباره قانونا رسميا واجب النفاذ بعد أن كان مجرد مشروع قانون.
  9. مرحلة النشر والسريان: ويقصد به نشر القانون في الجريدة الرسمية؛ لإعلام الكافة وإلزامهم بما جاء فيه من أحكام، خلال مدد محددة.

ثالثا/ أثر الانقسام السياسي على مستقبل البناء القانوني للدولة في ضوء المناكفات الراهنة

رغم الهدوء الذي يخيم على الواقع في بلادنا، إلا أن المسار السياسي الذي مازال يسير عليه مجلس النواب والقوى المسيطرة  قد زاد من تأزيم الوضع، وفرض على المشتغلين بالحقل القانوني من قضاة ومستشارين وأساتذة وباحثين ومحامين وحقوقيين واقعا قد لا يكون مناسبا بالنظر إلى ما تتطلبه عملية تهذيب وتشذيب القوانين من إصلاحات مستمرة؛ لإعادة صياغة بعض النصوص وتقنين بعض الأحكام بأسلوب أكثر تماسكا وفعالية، إلا أن التضارب الكبير في منظومة التشريعات النافذة الذي وصل إلى حد القطيعة التامة مع أصول وقواعد السياسة التشريعية المتعارف عليها في كل دول العالم قد ألقى بظلاله على سبل المعالجة المفترضة.

وبعبارة أخرى فإن التمادي في سن وإصدار القوانين على النحو الذي دأبت عليه رئاسة مجلس النواب الحالية هو تكريس للفشل وإمعان في اجترار الفوضى وتعميقها بشكل يصعب معه تخيل أبعادها وتداعياتها في المستقبل المنظور؛ لذا نوصي بالآتي:

  1. إلغاء كافة التشريعات الصادرة بعد الانقسام السياسي في 2014م أو تجميد العمل بها على أقل تقدير، ريثما تكون هناك فسحة لتوحيد مؤسسات الدولة، وبالتالي توحيد منهجيات العمل، وتفعيل المسارات الصحيحة المفضية إلى صناعة منظومة قانونية قوية ومتماسكة.
  2. تشكيل فريق قانوني عالي المستوى يضم في عضويته مندوبين عن كل من: (رئاسة الوزراء – الأجهزة الرقابية – المصرف المركزي – المؤسسة الوطنية للنفط –  إدارة القانون -إدارة قضايا الدولة – نقابة المحامين والحقوقيين_نشطاء ومهتمين بالسياسات العامة ) لمناقشة ما يطرأ على الواقع التشريعي من تغييرات باستمرار، والدفع في اتجاه إبقاء الوضع القانوني لمؤسسات الدولة على ما هو عليه، من خلال رفع درجة التنسيق بين المؤسسات المذكورة، وتوحيد المواقف الرسمية حيال أي انحراف سلطوي غير مسؤول، ريثما يكون هناك إصلاح حقيقي للعملية السياسية الراهنة (انتخابات أو توافق مرحلي أو تسوية دائمة).