مقدمة
يمثل تحقيق الأمن الغذائي المستدام، أحد الأهداف الرئيسية لخطط التنمية في البلدان النامية والمتقدمة على السواء، حيث تسعى كل منها إلى ضمان توافر الغذاء، وسهولة الوصول إليه، واستدامة إنتاجه واستهلاكه بطرق تحقق العدالة الاجتماعية، بالإضافة إلى الحافظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة.
وتبرز قضية الأمن الغذائي كأحد القضايا الأساسية التي تؤثر بشكل مباشر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، حيث تم تسليط الضوء عليها بكثافة من قبل صانعي السياسات والمتخصصين والجمهور، وإدراجها في خطط التنمية المستدامة طويلة الأجل. ووفقا لمنظمة الأغذية والزراعة العالمية، يتم تعريف الأمن الغذائي على أنه “حالة يتم فيها ضمان حصول جميع الناس، في جميع الأوقات، على ما يكفي من الغذاء الآمن والمغذي؛ لتلبية احتياجاتهم الغذائية وتفضيلاتهم من أجل حياة نشطة وصحية؛ وذلك من خلال الوصول المادي والاجتماعي والاقتصادي إلى الغذاء”.
وتُعد ليبيا بلد كبير المساحة لكنه قاحل يعتمد على النفط، ويبلغ عدد سكانه قرابة 7 ملايين نسمة، ومعرض بشدة للآثار الضارة لتغير المناخ؛ مما يعرض الأمن الغذائي للخطر. وتشمل هذه المشاكل ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع هطول الأمطار، وارتفاع منسوب مياه البحار، وموجات الجفاف الممتدة، والعواصف الرملية والترابية المتزايدة في الوتيرة والمدة والشدة، على سبيل المثال لا الحصر. ويصنف مؤشر مبادرة نوتردام العالمية للتكيف ليبيا في المرتبة 126 من بين 182 دولة، بعد العراق مباشرة، ضمن الفئة المتوسطة الدنيا التي تشير إلى أكثر الدول عرضة للخطر ( University of Notre Dame,2024).
ويركز التقرير الحالي على تحليل أوضاع الأمن الغذائي في ليبيا من خلال ثلاثة محاور رئيسة، كما يلي:
المحور الأول: واقع وتطور مؤشرات الأمن الغذائي في ليبيا خلال الفترة (2002-2024)
ففي مؤشر الجوع العالمي لعام 2024، احتلت ليبيا المرتبة 83من بين 127 دولة تتوفر لديها بيانات كافية لحساب درجات مؤشر الجوع العالمي لعام 2024، وبدرجة 1902 في مؤشر الجوع العالمي لعام 2024 تُصنف ليبيا على أنها دولة متوسطة من حيث مستوى الجوع، ووفقا لهذا المؤشر يوجد قرابة 11.4% من السكان يعانون من سوء التغذية، كما يوجد 35.1% من الأطفال يعانون من التقزم. كما أن 9.3% من الأطفال دون سن الخامسة يعانون من الهزال Welthungerhilfe, and the Institute for International Law of Peace and Armed Conflict)).
ويوضح الشكل رقم (1) انتشار سوء التغذية (% من السكان) والذي تزايد من 4% من السكان عام 2001 إلى 11% عام 2022. كما أن انتشار انعدام الأمن الغذائي المتوسط أو الشديد بين السكان (%) قد تزايد من 29.1% عام 2015 إلى قرابة 38% عام 2022.

المصدر: قاعدة بيانات الفاو والبنك الدولي https://data.worldbank.org/indicator/SN.ITK.MSFI.ZS?locations=LY
ويعقد الشكل رقم (2) مقارنة بين ليبيا وبعض البلدان المجاورة لها في مؤشر الجوع لعام 2024، تُعرض الدول التي حصلت على درجات أقل من 5 في مؤشر الجوع العالمي حسب الترتيب الأبجدي، ومن بينها (تركيا والكويت والإمارات العربية المتحدة). بينما تظل كل من اليمن وسوريا وليبيا تسجل قيما عالية في مؤشر الجوع، حيث تجاوزت كل من المتوسط العالمي (18.3) والمتوسط الخاص بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (13.2).
شكل رقم (2) مقارنة مؤشر الجوع في ليبيا وبعض البلدان المجاورة وذات الخصائص المشابهة

المصدر: https://www.globalhungerindex.org/libya.html.
وحول عدد وفيات الأمهات فقد تزايد من 67 إلى 74، أما بين عامي 1996 و2023، كما يتضح من الشكل التالي رقم (3). كما أن وفيات الرضع في ليبيا أقل من المتوسط الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يبلغ حوالي 11 حالة وفاة لكل 1000 مولود حي.

المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي https://data.worldbank.org/indicator/SH.MMR.DTHS?locations=LY.
وعليه، فإن الأمن الغذائي في ليبيا يواجه أوضاعا صعبة، تتمثل في تزايد مستويات انعدام الأمن الغذائي المتوسط، في ظل حالة الصراع المسلح الذي نشب خلال العقد ونصف الماضي، ومن ثم توجد العديد من الأسباب التي أدت لجعل الأمن الغذائي يواجه تحديا يتم تناولها في المحور التالي.
المحور الثاني: تحديات الأمن الغذائي في ليبيا
يواجه الأمن الغذائي في ليبيا تحديات كبيرة، حيث يعتمد البلد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاته الغذائية، مما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. يعاني ثلث السكان من انعدام الأمن الغذائي، وتعتبر زيادة الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الغذاء من أهم الأولويات لتحقيق الاكتفاء الذاتي؛ ولذلك، فالأسباب الرئيسية لتحديات الأمن الغذائي في ليبيا تتمثل في التالي:
- الاعتماد على الاستيراد، حيثتستورد ليبيا أكثر من 90% من احتياجاتها من الحبوب، وأكثر من 60% من احتياجاتها الغذائية بشكل عام؛ مما يجعلها عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، وعدم الاستقرار في سلاسل الإمداد. وتعتمد ليبيا بشكل كبير على استيراد الحبوب لتلبية احتياجاتها الغذائية المحلية، حيث تستورد كميات كبيرة من القمح والذرة والشعير، حيث تقدر احتياجات ليبيا السنوية من القمح بنحو 1.6 مليون طن، وتعتمد بشكل أساسي على عائدات النفط لتغطية تكاليف استيراد الغذاء، وفي الغالب تستورد ليبيا قرابة 70% من السلع والخدمات من الخارج، كما يتضح من الشكل التالي رقم (4).

المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي ttps://data.albankaldawli.org/indicator/NE.IMP.GNFS.ZS? Y
- تغير المناخ، يهدد تغير المناخ إنتاج الغذاء في ليبيا، حيث يسبب الجفاف والتصحر، ويؤثر تغير المناخ بشكل كبير على ليبيا، البلد الذي يعاني أصلًا من ندرة المياه والتصحر، إذ يُفاقم هذه المشاكل ويزيد من وتيرة وشدة الظواهر الجوية المتطرفة، ويؤدي ارتفاع درجات الحرارة، وتفاقم الجفاف، وازدياد وتيرة وشدة العواصف الرملية والفيضانات والعواصف الترابية، إلى إتلاف البنية التحتية، وإضعاف الزراعة، ونزوح السكان، كما يُشكل ارتفاع مستوى سطح البحر تهديدًا مباشرًا للمدن الساحلية، حيث يقطن جزء كبير من السكان، كما أن تزايد وتيرة أيام الحر الشديد يُثقل كاهل الخدمات الحيوية كالكهرباء والمياه. وقد سجلت محطة الأرصاد الجوية في مدينة بني وليد أعلى درجة حرارة مُقاسة بين عامي 1949 وأبريل 2025، وفي يونيو 2024، سُجِّلت أعلى درجة حرارة هنا، وهي 48.7 درجة مئوية. وسُجِّل أعلى صيف مناخي من يونيو إلى أغسطس، استنادًا إلى جميع محطات الأرصاد الجوية، وعددها 25 محطة في ليبيا على ارتفاع أقل من 730 مترًا، في عام 2002، بمتوسط درجة حرارة 31.1 درجة مئوية. ويُقاس متوسط درجة الحرارة هذا عادةً من أربع إلى ست ساعات، بما في ذلك الليالي، وعادةً ما تكون هذه القيمة 28.5 درجة مئوية. وذلك كما يتضح من الشكل التالي.
شكل رقم (5) تطور متوسط درجة الحرارة في ليبيا عام 2024

المصدر: قاعدة بيانات https://www.worlddata.info/africa/libya/climate.php.
- الصراعات المسلحة، فقد أثرت الصراعات المسلحة على الإنتاج الزراعي والبنية التحتية؛ مما أدى إلى تفاقم مشكلة الأمن الغذائي، ولا تزال ليبيا تشهد مستويات عالية من عدم الاستقرار السياسي، تتسم باستمرار الصراع، وتنافس الحكومات، وهشاشة الوضع الأمني. ولا يزال تقييم الاستقرار السياسي، وغياب العنف والإرهاب في البلاد منخفضًا، مع استمرار التحديات في مجالات الحوكمة، وحقوق الإنسان، والتنمية الاقتصادية. ويوضح الشكل رقم (6) تطورا في مؤشر الاستقرار السياسي، وغياب العنف في ليبيا، حيث يتضح تراجعها في هذا المؤشر منذ عام 2008 إلى عام 2023، والذي سجل 7 نقاط فقط من 100.
المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي https://data.worldbank.org/indicator/PV.PER.RNK.UPPER?locations=LY
- تراجع الاستثمار في القطاع الزراعي، حيث يواجه القطاع الزراعي في ليبيا تحديات، منها محدودية الأراضي الصالحة للزراعة، والتي تشكل فقط (8.7%) من إجمالي الأراضي، ونُدرة المياه، وتأثير الصراعات؛ مما يعوق الاستثمار والإنتاجية، ولا تزال مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي منخفضة، مما يشير إلى الحاجة إلى زيادة الاستثمار وتحسين البنية التحتية، وقد أدى إهمال القطاع الزراعي إلى تراجع الإنتاج المحلي، وتفاقم الاعتماد على الاستيراد. وقد تراجعت القيمة المضافة لقطاع الزراعة كنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي من 5.2% عام 2002 إلى 1.7% عام 2024، كما يتضح من الشكل التالي رقم (7).
المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي https://data.albankaldawli.org/indicator/NV.AGR.TOTL.ZS?locations=LY
- ضعف سلاسل الإمداد، حيث تعاني ليبيا سلاسل الإمداد الغذائي من مشاكل عدة، بما في ذلك عدم كفاءة النقل والتخزين؛ مما يؤدي إلى هدر الغذاء وارتفاع الأسعار، كما أن سلاسل التوريد الليبية تعاني من ضعفٍ كبيرٍ نتيجةً لعدم الاستقرار السياسي المستمر، والمخاوف الأمنية، وتضرر البنية التحتية؛ مما يؤثر بشكلٍ خاص على قطاع النفط، ويعرقل النشاط الاقتصادي عمومًا. وقد أدت هذه المشاكل إلى اضطراباتٍ في إمدادات المدخلات المحلية والأجنبية؛ مما أثر على قطاعاتٍ مختلفة، وساهم في انكماشٍ اقتصادي، كما تواجه ليبيا تحديات استدامة فريدة كدولة غنية بالموارد تعتمد بشكل كبير على النفط والغاز. ورغم أهمية هذه الصناعات للاقتصاد، إلا أنها تُسهم بشكل كبير في التلوث وممارسات الاستخراج غير المستدامة (Khalil et al,2021).
المحور الثالث: الآفاق المستقبلية لأوضاع الأمن الغذائي في ليبيا
تحتاج ليبيا إلى عمل دؤوب وخطط واستراتيجيات طويلة الأجل؛ للخروج من براثن الفرقة والانقسام السياسي (Eltalhi et al,2025)[1]، وهو أول المسارات التي يجب العمل عليها للمضي قدما نحو إحداث تحول حقيقي مسار التنمية المستدامة طويلة الأجل، حيث تتمتع ليبيا بآفاق مستقبلية واعدة، مدفوعة بمواردها الطبيعية الوفيرة وإمكاناتها الاقتصادية، ولكنها تواجه أيضًا تحديات كبيرة في مجالات الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي لا بد لها أن تتغلب عليها، وتحقيق ما يلي:
- الاستقرار السياسي، والذي يمثل دعامة أساسية للحد من إزهاق الأرواح وتحقيق السلم والأمن لجميع الليبيين، وكذلك تحقيق المصالحة والوحدة الوطنية، وبناء المؤسسات القوية والشاملة، هي أساس لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة.
- التغلب على التحديات الاقتصادية والاجتماعية، فبالرغممن الثروات النفطية، تواجه ليبيا تحديات اقتصادية، مثل: الاعتماد الكبير على النفط، والفساد، وسوء الإدارة، كما أن هناك تحديات اجتماعية مثل: ارتفاع معدلات البطالة، وتدهور الخدمات الأساسية، وتزايد الفجوة الاجتماعية.
- وضع رؤية استراتيجية طويلة الأجل لتحقيق التنمية الاقتصادية، فمع استقرار الأوضاع السياسية، يمكن لليبيا الاستفادة من مواردها الطبيعية، وتنويع اقتصادها، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
- تعزيز فاعلية المؤسسات الحكومية المحلية وتوفير قاعدة من التعاون من خلال تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على الصمود، والحفاظ على المؤسسات؛ دعما لعملية بناء السلام، وتعزيز فعالية المؤسسات الحكومية؛ لتمكين المواطنين من الوصول بسهولة إلى الخدمات العامة والفرص الاقتصادية (الأمم المتحدة، 2020)[2].
- دمج وتعزيز دور القطاع الخاص الليبي، ومشاركته في مشروعات الاستثمار الزراعي المنتج، والذي يركز على مشروعات الأمن الغذائي.
- تعزيز التعاون الإقليمي، حيثيمكن لليبيا الاستفادة من التعاون الإقليمي؛ لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
الخاتمة
هَدَف التقرير الحالي إلى الوقوف على طبيعة أوضاع الأمن الغذائي في ليبيا، من خلال بيان أهم مؤشراته والتحديات التي تواجهه، مستشرفا أهم الآفاق المستقبلية له، حيث تتمتع ليبيا بإمكانيات كبيرة لتحقيق مستقبل مشرق، لكن تحقيق ذلك يتطلب معالجة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة، والعمل على تحقيق الاستقرار والمصالحة الوطنية، وتنويع الاقتصاد، والاستثمار في التنمية المستدامة.
على الرغم من ذلك، لا تزال معاناة الليبيين تتزايد نتيجة سوء التغذية، انعدام الأمن الغذائي في ظل حالة الانقسام السياسي والصراعات المسلحة، التي تنشب بين وقت وآخر. وهو ما قد يؤثر على الأجيال القادمة ويجعلها غير قادرة على تلبية الحاجات الأساسية لها، وذلك في ظل تحديات أخرى تشمل التغير المناخي، وضآلة الاستثمار الزراعي، والصراعات المسلحة، والوضع الاقتصادي الذي يعتمد على الخارج، واضطرابات بيئة الاقتصاد الدولي.
ولذلك يمكن من خلال إحداث استقرار سياسي، وتحقيق مصالحة وطنية، وإعادة الإعمار، والتركيز على رأس المال البشري الليبي، وضع آفاق مستقبلية حميدة؛ تساعد في استغلال الثروة النفطية التي تمتلكها ليبيا، وتعظيم عوائدها لمصلحة الأجيال القادمة.
قائمة المراجع
- الأمم المتحدة. (2020). دراسة تمهيدية عن الاقتصاد في ليبيا: الواقع والتحديات والآفاق. اللجنة الاقتصادية والاجتماعية. E/ESCWA/CL6.GCP/2020/TP.3. جنيف.
- قاعدة بيانات البنك الدولي https://data.albankaldawli.org/indicator/NV.AGR.TOTL.ZS.
- University of Notre Dame.(2024). https://gain.nd.edu/our-work/country-index/.
- Worldwide, Welthungerhilfe, and the Institute for International Law of Peace and Armed Conflict (IFHV).(2024). The Global Hunger Index. https://www.globalhungerindex.org/libya.html.
- Khalil, A., Rathnasinghe, A. P., & Kulatunga, U. (2021). Challenges for the implementation of sustainable construction practices in Libya. Construction Economics and Building, 21(3), 243-261.
- Eltalhi, M., Ojekemi, O. S., & Öz, T. (2025). The Role of Government Support in Adopting Green Supply Chain Management: The Influence of Green Market Orientation and Employee Environmental Commitment in Libya. Sustainability, 17(7), 3012. https://doi.org/10.3390/su17073012 .
[1] Eltalhi, M., Ojekemi, O. S., & Öz, T. (2025). The Role of Government Support in Adopting Green Supply Chain Management: The Influence of Green Market Orientation and Employee Environmental Commitment in Libya. Sustainability, 17(7), 3012. https://doi.org/10.3390/su17073012 .
[2] الأمم المتحدة. (2020). دراسة تمهيدية عن الاقتصاد في ليبيا: الواقع والتحديات والآفاق. اللجنة الاقتصادية والاجتماعية. E/ESCWA/CL6.GCP/2020/TP.3. جنيف.



