مقدمة
انطلاقا من حقيقة أن الموارد الطبيعية التي تتمتع بها الدولة هي موارد محدودة مرشحة للنضوب في المستقبل القريب أو البعيد، كان من الأهمية بمكان أن تسعى الدولة إلى خطط تنموية هدفها تنويع مصادر الدخل وخلق هيكل اقتصادي منتج، ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وتزايد الدول التي حققت استقلالها وانحسار حقبة الاستعمار، اكتسبت مشاريع التنمية زخما واهتماما لافتين، حيث سعت الدول المستقلة حديثا إلى وضع مشاريع وخطط للتنمية الاقتصادية تهدف إلى تحقيق معدلات نمو سريعة، ومن ثم مستويات دخل ومعيشة تخرج بها من دائرة الفقر والهيمنة للمستعمر القديم، وكانت خطط التنمية الصناعية في المقدمة من تلك المشاريع لأهمية الصناعة في النشاط الاقتصادي والمكانة التي اكتسبتها في القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث أثبتت قدرتها في المساهمة على خلق فرص عمل تستوعب العمالة الزائدة في القطاع الزراعي وكذلك أهميتها في تنويع القاعدة التصديرية للدولة ما يساهم في تنويع مصادر الدخل القومي وزيادته، كما يرفع من معدلات النمو ويسد الفجوة بين العرض والطلب، حيث تشير دراسات أن معدل النمو الاقتصادي وارتفاع مستوى المعيشة في دول إفريقيا مرتبط بالنمو في القطاع الصناعي.
مسيرة ليبيا في التنمية الصناعية
لم تكن الدولة الليبية في بداياتها غائبة عن هذا المسار، إلا أن خطط التنمية التي وضعت في الخمسينات بإشراف وتمويل الأمم المتحدة والبنك الدولي لم تضع الصناعة ضمن أولوياتها حيث خصصت إحدى هذه الخطط 3% فقط لقطاع الصناعة وكان تركيز هذه الخطط على التنمية الزراعية، وكان هذا مفهوما في تلك الفترة حيث قلة العمالة الفنية وندرة المواد الخام وعدم كفاية مصادر الطاقة والوقود من ضمن أسباب أخرى جعل المؤسسات الدولية كونها صاحبة المبادرة والتمويل تفضل عدم التركيز على تنمية قطاع الصناعة.
الوضع تغير تغيّرا جذريا بعد اكتشاف النفط والبدء في تصديره حيث أخذت الحكومة الليبية زمام المبادرة ووضعت خطتها التنموية الخاصة بها لأول مرة وضاعفت تمويل هذه الخطة إلى خمسة أضعاف الخطة الدولية المستبدلة، الخطة الخماسية التي بدأت 1963 وانتهت 1968 خصص لها حوالي 325 مليون دينار ليبي وتزامنت مع توحد الأقاليم الثلاثة تحت حكومة واحدة واستحداث وزارة الصناعة، ووضعت الصناعة من ضمن أولوياتها وحققت صناعات ذات قيمة وجدوى اقتصادية كما وصلت نسبة تنفيذ الخطة إلى أكثر من 91%، ما يعد قياسيا بالنسبة للخطط الليبية المنفذة على مستوى تاريخها بحسب دراسة تحليلية للسياسة الصناعية في ليبيا.
النجاح تعرض لانتكاسة في الخطة الخماسية الثانية كنتيجة مباشرة للانقلاب العسكري في سبتمبر وتغير نظام الحكم، ما أدى إلى انخفاض مستوى الإنتاج الصناعي إلى نحو 50% فقط من الأهداف التي استهدفتها الخطة. في العقدين التاليين وُضعت خطط طموحة للتنمية أعطت أهمية كبيرة للصناعة بهدف إيجاد مصادر بديلة وجديدة للدخل القومي عن النفط، ووضعت مشاريع صناعية ضخمة موضع التنفيذ، ورغم النجاحات التي تحققت حيث زادت نسبة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج الإجمالي المحلي وزادت فرص العمل، فإن المردود الاقتصادي لها لم يتناسب مع الأموال الطائلة التي صرفت على إقامتها، وعانت هذه المشاريع تكدسا في العمالة ما شكل عبءا عليها، كما شكل نقص المواد الخام وعدم تناسب الكميات المتوفرة منها مع الحجم الكبير للمصانع سببا في عدم تشغيلها بكامل طاقتها الإنتاجية. نقص الكوادر الفنية المدربة وعدم القدرة التنافسية للصناعات في السوق الدولي كانت عوائق تحد من تحقيق هذه المشاريع التنموية الضخمة طاقتَها الإنتاجية القصوى. تدني الخدمات والبنية التحتية في المواقع التي أنشئت صناعات فيها وعدم رغبة القطاع الخاص في الاستثمار في الصناعة وإحجامه عنها وغيرها من المشاكل التي أدت إلى عدم الكفاءة في أداء القطاع الصناعي، حيث ظلت مساهمة الإنتاج الصناعي في الدخل القومي والناتج المحلي الإجمالي دون المستوى المستهدف، فعلى سبيل المثال في حين كان المستهدف تحقيقه 1280 مليون دينار تقريبا، لم يحقق الإنتاج الصناعي إلا 126 مليون دينار ليبي سنة 1985، ورغم أن وزارة التخطيط حدّدت معظم المشاكل السابقة في فترة مبكرة، إلا أن هذه المشاكل استمرت دون أي حلول حقيقية طيلة عقدين كاملين ما يعكس ارتباكا في الرؤية والسياسات وتخبطا إداريا وغيابا كاملا للدراسات الفنية قبل تنفيذ هذه المشاريع.
مع التراجع في سوق النفط العالمي في نهاية الثمانينات إضافة إلى العقوبات الدولية على ليبيا على خلفية قضية لوكربي في عقد التسعينات شهدت خطط التنمية انتكاسة وشبه توقف في معظم المشاريع التي لم تكتمل، وحجّمت النفقات التنموية إلى حد كبير، ثم تحول الاتجاه العام بعد ذلك إلى خصخصة القطاع العام وفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية بهدف توسيع قاعدة الدخل، وأُصدر عدد من اللوائح والقوانين مثل قانون المصارف رقم 1 لسنة 2005 وقانون رقم 9 لسنة 2010 بخصوص تشجيع الاستثمار وغيرها، إلا أن غياب رؤية واضحة كانت من سمات هذا التوجه بحسب كثيرين، ثم جاءت أحداث فبراير وانعكست سلبا على قطاع التصنيع.
سياسات التنمية
اتبعت ليبيا، كغيرها من الدول النامية، سياسات تنمية صناعية متعددة كانت في مجملها سياسات اتبعتها الدول المتقدمة سابقا دون الانتباه إلى اختلاف الشروط والظروف الاقتصادية، ما أدى إلى كثير من الأخطاء والعشوائية في تطبيقها بحسب كثير من البحاث، هي كما يلي:
- سياسة الإحلال محل الواردات: وتعتبر هذه السياسة الخطوة الأولى لمعظم الدول النامية في مسيرتها الصناعية، وتهدف إلى تشجيع الإنتاج المحلي لمجموعة من السلع بهدف إحلالها محل السلع المستوردة عن طريق رفع التعريفة الجمركية للسلع المستوردة وغيرها من السياسات تصل لحد منع استيراد بعض السلع، وتهدف هذه السياسة من جانب إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية ومن جانب آخر تسعى إلى توسع وتطور قطاع الصناعة بالكامل خصوصا في حالة إحلال الصناعات الوسيطة، كما أنها تهدف إلى توفير العملة الأجنبية داخل الاقتصاد الوطني وزيادة معدلات الاستثمار.
وركزت الخطة الثلاثية 1973 – 1975 على هذه السياسة لمقابلة طلب السوق المحلي على السلع الأساسية، حيث استهدفت الخطة نمو الصناعات الغذائية بمعدل 45% ونمو صناعة مواد البناء بمعدل 58% ونمو صناعة البتروكيماويات بمعدل 96% بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من هذه الصناعات، فلم تتحق المستهدفات خاصة في الصناعات الغذائية ومواد البناء وغيرها.
- سياسة تشجيع الصادرات: وتقوم هذه السياسة على توجيه بعض الصناعات المحلية وتطويرها بغرض التصدير، وذلك لتوفير العملة الأجنبية وكذلك بهدف التوسع خارج الإطار الضيق للسوق المحلي وخلق قيمة مضافة للدخل والناتج المحلي، كما تهدف هذه السياسة إلى تطوير القاعدة الصناعية ومعايير الجودة فيها نظرا لاشتراطات المنافسة في السوق الدولي، وركزت خطتا التنمية (1976 – 1980) و(1981 – 1985) على هذه السياسة حيث استهدفت تصدير 80% من الصناعات البتروكيماوية، كما اهتمت أيضا بصناعات الحديد والصلب والألمونيوم وبعض الصناعات الرأسمالية الأخرى بهدف تصديرها بعد سد حاجة السوق المحلي.
تشير التقارير المختلفة إلى تعثر هذه السياسات، حيث ضعف التسويق وعدم رغبة المستهلك في شراء بعض السلع وكذلك ضعف القدرة التنافسية في السوق الدولية نتيجة تدني معايير الجودة أدى إلى تكدس الإنتاج حيث بلغت قيمة البضاعة المتكدسة حوالي 20 مليون دينار ليبي سنة 2007 وأصبحت بعض الشركات الوطنية على حافة الإفلاس كما ورد في ملخص إحصائيات التجارة الخارجية لسنة 2010 الصادر عن الهيئة العامة للمعلومات. ولعل ترتيب ليبيا في مؤشر التنافسية الصناعي لسنة 2019 الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية. يظهر بوضوح هذا التعثر حيث احتلت ليبيا المرتبة 125 وإذا عقدنا مقارنة مع الدول العربية في شمال إفريقيا نجد أن ليبيا تتذيل هذه القائمة حيث تأتي الجزائر في الترتيب 100 ثم تونس في الترتيب 68 تليها مصر والمغرب في الترتيبين 64 و62 على التوالي، وصنفت ليبيا ضمن المجموعة الأقل تنافسية حسب التقسيم الخماسي لمستويات التنافسية للدول أي ضمن شريحة العشرين بالمئة الأخيرة.
خلاصة
لا شك أن مسيرة التنمية الصناعية لم تخل من نجاحات حيث ساهمت في خلق فرص عمل ووفرت جزءا وإن كان محدودا من طلب السوق المحلي، إلا أن غياب الرؤية الواضحة وضعف بل وسوء الإدارة والفساد والتهميش المبكر للقطاع الخاص نتيجة التحول الاشتراكي، أدى إلى عدم تحقيق الهدف الرئيسي ألا وهو تنويع مصادر الدخل وإعادة هيكلة الاقتصاد الليبي ليتحرر من هيمنة قطاع النفط، حيث استمر تشكيل قطاع النفط لأكثر من 95% من الصادرات، إضافة إلى مشاكل كثيرة انتهت بقرار إلغاء وزارة الصناعة سنة 2000 واستبدالها بالهيئة العامة للتصنيع التي لم تدم طويلا حيث صدر قرار بحلها وتوزيع مصانع الشركات التابعة لها على ما كان يعرف بالشعبيات في تلك الفترة، وكانت نتيجة سياسة الإحلال محل الواردات هي زيادة واردات المواد الوسيطة والخام ومن ثم زيادة الانكشاف والتبعية للقطاع الخارجي، كما حكم ضعف التنافسية وتدني معايير الجودة بالفشل على سياسة تشجيع الصادرات.
ولكن على الرغم من هذا التعثر فقد أرست هذه المسيرة قاعدة وبنية تحتية مهمة إضافة إلى تجربة ودروس مستفادة يمكن استخلاصها لتمثل فرصة جديدة لاختيار إستراتيجية مناسبة وإعادة تأهيل الشركات الصناعية الوطنية وإدماج القطاع الخاص إدماجا فعّالا، ورفع القدرات التنافسية وتنويع قاعدة الصادرات، وتكون الدراسات والأبحاث الميدانية وغير الميدانية هي السابقة لقيام أي صناعة والتابعة لها لتصحيح ومعالجة المشاكل في الوقت المناسب وتطوير أساليب وتقنيات التصنيع بما يضمن استمرار منافستها في السوق.
تحقيق تنمية تهدف إلى معالجة الاختلالات البنيوية في الاقتصاد الليبي هو أمر في إطار الممكن بشرط بناء رؤية وإستراتيجية واضحة ومتناسبة مع الواقع الليبي تستفيد من التجارب الأخرى في الشرق والغرب ولكن لا تستنسخ نماذج جاهزة قد لا تواءم احتياجات وإمكانيات الواقع الليبي.



