Skip to main content

مقدمة:

اللجنة الاستشارية التي شكلتها البعثة، وتحصلت على اعتماد لها من مجلس الأمن بتاريخ 16/12/2024، وباشرت اجتماعها الأول يومي التاسع والعاشر من فبراير، على وشك تقديم تقريرها النهائي للبعثة، فقد تحدثت مصادر مطلعة أن الاجتماع الأخير للجنة الإستشارية في حالة انعقاد مستمر؛ بهدف تسليم تقريرها للبعثة قبل نهاية الشهر الجاري، وقد تم تأكيد نهاية شهر أبريل كموعد نهائي لتسليم التقرير بإحاطة السيدة هانا تيته لمجس الأمن، مالم يحدث ظرف طارئ يؤخر تسليمه إلى الأسبوع الأول من شهر مايو. ومعلوم أن اللجنة مهمتها تقديم توصيات ومقترحات قابلة للتطبيق وغير ملزمة في نفس الوقت، تعالج بشكل فعّال كافة العوائق التي تعرقل إجراء الانتخابات.

العوائق التي واجهت اللجنة الاستشارية

 لا يخفى على أي متابع محلي أو دولي للشأن الليبي، أن الانتخابات الرئاسية و تزامنها من عدمه مع الانتخابات التشريعية، و الانقسام في السلطة التنفيذية، وغياب الثقة بين أطراف الصراع؛ شكّلت تحديا واجه اللجنة الاستشارية بتركيبتها المتنوعة، فنصوص قوانين لجنة  6 + 6  المتعلقة بشروط ترشح الرئيس، و إلزامية عقد جولة ثانية للانتخابات الرئاسية، و إلغاء العملية الانتخابية برمتها إذا فشلت الانتخابات الرئاسية، و استحداث مجلس تشريعي بغرفتين، استغرقت الكثير من الوقت؛ لإزالة الخلاف و التباين بين وجهات نظر أعضاء اللجنة للوصول إلى توافق حولها، و لعل طلب البعثة من اللجنة الاستشارية- حسب ما أفادت مصادر مطلعة- أن تكون بداية أعمال اللجنة بإلغاء أو تعديل أي نص يجعل الانتخابات مستحيلة الإجراء؛ سهّل توافق اللجنة على فك ارتباط الانتخابات النيابية بالرئاسية، و عدم إلزامية الجولة الثانية.  المصادر نفسها نقلت أن حوالي 85 % من المهمة اُنجز، و أن التعثر الذي يؤخر تقرير اللجنة مرجعه عمق الخلاف الحاصل بين الأعضاء، حول ترشح مزدوجي الجنسية للانتخابات الرئاسية، و ترشح العسكريين، و بشكل أقل حدة حول  تشكيل حكومة ضمن خارطة طريق بمواعيد زمنية؛ تُفضي إلى إنهاء المراحل الانتقالية، أو يترك تشكيلها  للبرلمان المنتخب، و كنتيجة للتعثر  و بالأخص حول شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، اقترح بعض أعضاء اللجنة حسب المصدر ذاته  تأجيل الانتخابات الرئاسية، و تبني الانتخابات التشريعية فقط، إلا أن هذا المقترح اصطدم بعقبة رئيسية، تمثلت في عدم وجود توافق كافٍ حوله. وبحسب الإجراءات المعتمدة لعمل اللجنة فأن حصوله على التأييد اللازم (15 عضواً من أصل 20 كحد أدنى) يعد أمرا صعب التحقق، إلا النقاش حول إجراء الإنتخابات التشريعية؛ أبان عن خلافات متعلقة باعتماد نظام الغرفتين ( النواب و الشيوخ ) كجسم تشريعي، بالتالي الخلاف حول مكان و صلاحيات مجلسي النواب و الشيوخ، و إجراء انتخابهما بالتزامن أو بفاصل زمني،  ناهيك عن ما أوضحته مفوضية الانتخابات، من أنها ستواجه صعوبات فنية حال اعتماد قانون الانتخابات المتمثل في : نظام القوائم، و المفرد، و كتلة النساء لمجلسي النواب و الشيوخ، فانتخابهم في يوم واحد يحتاج إلى ستة صناديق اقتراع في المركز الانتخابيّ ، الأمر الذي يعزز صعوبة تنفيذها حسب المدة الزمنية المحددة لبداية الاقتراع و انتهائه، و حسب تسريبات من اللجنة، فإنها ستتجه – ضمن خياراتها-  إلى اعتماد مدة 45 يوما كفاصل زمني بين جولتي الانتخابات التشريعية، على أن لا يتضمن انتخاب مجلس الشيوخ نظام القوائم، بغض النظر أعتمدت اللجنة خيار الانتخابات الرئاسية أم لم تعتمده .

 مما تسرب أيضا توجه اللجنة الاستشارية لتأجيل الانتخابات الرئاسية إلى ما بعد انتخاب جسم تشريعي، إلا إن عدم وجود توافق على هذا الاقتراح؛ جعل اللجنة تناقش تقديم أكثر من خيار للبعثة لتطرحه على أطراف النزاع الليبي، من أجل تيسير النقاش حولها، وتبقى الساعات الأخيرة من عمل اللجنة الاستشارية حُبلى بالمفاجآت، التي تنهي تعسّر ولادة تقرير بخيارات متعددة.

 توقعات عمل البعثة بعد استلامها تقرير اللجنة الاستشارية

السيدة هانا تيتيه في إحاطتها لمجلس الأمن، أشارت أنها تنتظر وضع اللجنة الاستشارية خيارات لمعالجة المسائل الخلافية بقوانين الانتخابات، والعقبات القانونية والفنية التي تحول دون تنفيذها، وبعد تقييمها ستعتبرها أساسا للنقاش؛ بغية التوصل إلى توافق حول الخطوات التالية بشأن العملية السياسية. غير أن التوصل إلى توافقات الأطراف السياسية المتصارعة، بما في ذلك الأحزاب السياسية، والمنظمات المدنية، والمكونات المجتمعية والأمنية على إطلاق عملية سياسية، ليس رهناً بخيارات اللجنة الاستشارية فقط، بل يحتاج إلى معالجة قضايا مهمة؛ كوقف الصراع على الموارد، وإيقاف الأعمال الأحادية، وإنهاء انقسام المؤسسات، والتوافق على ميزانية موحدة؛ وذلك لضمان تحقيق الاستقرار، الذي يمهد لإطلاق عملية سياسية شاملة، بحيث تكون الانتخابات جزءا مهما فيها. وبمتابعة عمل البعثة بعد تشكيل اللجنة الاستشارية، يلاحظ اعتمادها خطة العمل على خطوط متوازية للوصول إلى إطلاق عملية سياسية، يمكن تحديدها في أربعة خطوط متوازية:

1) خط اللجنة الاستشارية، والمتعلق بقوانين الانتخابات؛ بهدف تقديم خيارات من شأنها إزالة كافة العوائق التي تحول دون إجراء الانتخابات.

2) خط استقرار واستقلال المؤسسات السيادية، ووقف القرارات الأحادية المتعلقة بها، والاحتكام للاتفاق السياسي كأساس لأي قرارات متعلقة بالمؤسسات السيادية. والجدير بالذكر أن البعثة أدارت حواراً حول أزمة تغيير محافظ المصرف المركزي، تكلل بتعيين المحافظ ونائبه ومجلس إدارة المصرف.

3) خط إنهاء أزمة انقسام مجلس الدولة، وبحسب مصدر من المجلس الأعلى، فإن البعثة تدرس مقترحا قدمه بعض أعضاء المجلس من الكتلتين، محوره توقيع 100 عضو يطالبون بإجراء انتخابات مبكرة، وتدرس أيضاً مقترحا من اللجنة السياسية بمجلس الدولة برئاسة تكالة، مضمونه تشكيل لجنة من الطرفين، مهمتها حلحلة كل الخلافات بمواد لائحة عمل المجلس المتعلقة بانتخابات رئاسته؛ وذلك للتوافق عليها قبل اعتماد الانتخابات المبكرة.

4) خط الإصلاحات الضرورية للإدارة المالية، وقد تناولته البعثة في السابق، وازدادت أهميته بعد صدور بيان المصرف المركزي الأخير بتاريخ 6 أبريل، وما نتج عنه من تراشق واتهامات بين سلطتي غرب وشرق البلاد. أعلنت البعثة في بيان صدر عنها بتاريخ 9 أبريل استعدادها لتيسير محادثات بين الطرفين؛ بغية الوصول لميزانية موحدة، مع التذكير بأن السيدة هانا تيتيه أطلعت مجلس الأمن أنها تعمل مع خبراء اقتصاديين؛ لتحديد الإصلاحات الاقتصادية الضرورية.

 هل تنجح مسارات البعثة في إطلاق عملية سياسية؟

  المسارات المتوازية التي تعمل عليها البعثة بهدف الوصول لإطلاق عملية سياسية شاملة، إجراء الإنتخابات جزء منها تحقق الاستقرار المستدام، يتوقف نجاحها من عدمه على عاملين هما:

  • توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وإنهاء التواجد العسكري الأجنبي المسلح.
  • إيقاف التدخلات السلبية الأجنبية، وتحديداً الإقليمية منها.

 ولأهمية إيقاف التدخل الأجنبي السلبي، ذكَّرت السيدة هانا تيتيه مجلس الأمن، كسابقيها، بأهمية التوافق الدولي لإنجاح أي عملية سياسية مرتقبة؛ تصل بالبلاد إلى الاستقرار الدائم.

خاتمة:

استلام البعثة لتقرير اللجنة الاستشارية، المتضمن خيارات تأسس للحوار والنقاش بين كافة الأطراف الليبية المعنية بالأزمة الحالية؛ سيحرك بلا شك الجمود السياسي، وقد تنجح البعثة بالمساهمة مع أطرافٍ إقليمية ودولية، بمساعدة أطراف الصراع لاعتماد إجراءات اقتصادية، بما فيها الاتفاق على ميزانية موحدة، ويمكن أن تحقق البعثة تقدما ينهي انقسام مجلس الدولة، غير أن البعثة ستواجه عقبة ارتباط بعض أطراف الصراع الليبي بقوى خارجية، وتباين مصالح الأطراف الخارجية؛ مما سيعطل الإعلان عن إطلاق عملية سياسية شاملة. ومعلوم تأثير المتغيرات الإقليمية و الدولية، التي تنعكس بشكل مباشر على الأزمة الليبية، فالتفاهمات و الخلافات الروسية الأمريكية بقيادة ترامب لها تأثيرها ، و ازدياد تقارب تركيا من القادة العسكريين بالشرق له تأثيره ، وسقوط بشار الأسد أيضا، فقد عبر عن ذلك خليفة حفتر بوضوح بعد أيام من سقوطه، والهزائم التي تتلقاها قوات الدعم السريع بالسودان، والتي لها ارتباط بسلطات الشرق العسكرية- تُعد عوامل مهمة في معادلة استقرار ليبيا بشكل عام، و استقرار الجنوب الشرقي  بشكل خاص ، ثم دخول الأفريكوم و قيادات عسكرية أمريكية على ملف توحيد المؤسسة العسكرية له تأثيره بلا شك.

لذلك البعثة ستظلّ حبيسة صراع مصالح الدول المتدخلة في ليبيا، وارتباط أطراف الصراع الليبي بها، والسيدة هانا تيتيه تعلم ذلك جيداً، حين أعلنت بوضوح أنها ستتوخى الحذر؛ من أجل الحفاظ على الاستقرار أثناء تحركاتها الرامية لإطلاق نقاش حول خيارات اللجنة الاستشارية؛ تمهيداً لإطلاق عملية سياسية.