زار مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ويليام بيرنز، ليبيا في الثالث عشر من الشهر الجاري واجتمع برئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة في لقاء لم يتجاوز الساعة تقريبا، كما أكدت وكالات أنباء مختلفة لقاء بيرنز بقائد الجيش التابع لمجلس النواب، خليفة حفتر، في اجتماع لم يستغرق أكثر من النصف ساعة.
تعد زيارة مدير السي أي إيه (CIA) لليبيا أمرا نادرا كما وصفته رويترز بل يمكن اعتباره في سياق الأحداث حدثا نوعيا خصوصا وأن بيرنز قد زار ليبيا عام 2004 إبان تفكيك المشروع النووي لنظام القذافي وتوليه قيادة الفريق الأمني الليبي الأمريكي المشترك في ملفات الإرهاب والجريمة المنظمة خلال عمله كوكيل لوزارة الخارجية الأمريكية بالفترة من 2008 إلى 2011.

من ناحية أخرى، فإن زيارة وليام بيرنز هي الأولى لمسؤول أمريكي رفيع المستوى منذ استهداف السفارة الأمريكية بمدينة بنغازي عام 2013، وتأتي بعد شهر على تسليم السلطات الليبية ضابط المخابرات، ابوعجيلة مسعود المريمي، للولايات المتحدة الأمريكية، المتهم بتحضير قنبلة تفجير لوكربي.
التوجه الأمريكي وسياق الزيارة
زيارة بيرنز تأتي مع تزايد اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بنشاط شركة فاغنر الروسية والتي ترى الولايات المتحدة أنها من تنفذ الأجندة الأمنية لموسكو في مناطق عدة حول العالم، وتشارك بفاعلية في الحرب في أوكرانيا وتقوم بالأعمال المنوطة بالاستخبارات الروسية بكفاءة عالية، فقد أوردت مجلة البوليتيكو أن المسؤولين الأمريكان بدأوا بشكل رسمي بحصر وتتبع نشاط شركة فاغنر خارج الحدود الروسية خصوصا في دول الساحل والصحراء بإفريقيا وبالنظر إلى ما تمثله ليبيا في هذا الملف فإن نقاط الجفرة وسرت، وسط وجنوب البلاد، لم تعد قواعد ارتكاز عسكري لشركة فاغنر فحسب بل صارت نقاط إنطلاق ومحطات رئيسية على الخارطة، وهو ما يستدعي التدخل العاجل بحسب الاستراتيجية الأمريكية في ظل إدارة بايدن.
عليه يمكن حصر التوجه الأمريكي من خلال زيارة رئيس وكالة المخابرات لطرابلس وبنغازي في أمرين:
- تأمين مصادر الطاقة وإمدادتها لأوروبا والذي تحاول روسيا استخدمه كملف للضغط على الدول الاتحاد الأوروبي المتورطة في الدعم اللوجستي لأوكرانيا، ذلك أن مناطق وجود الفاغنر في ليبيا جميعها قريبة من حقول وموانئ إنتاج وتصدير النفط.
- تحجيم الوجود الروسي في منطقة الحوض المتوسط كأولوية أمريكية، ففضلا عن ارتباط الوجود الروسي في ليبيا بأمن الطاقة وتهديد إمدادات النفط والغاز لدول الاتحاد الأوروبي التي تعاني جراء انقطاع الغاز الروسي عنها ، فإن الوجود الروسي في ليبيا يأتي في إطار استراتيجية تعزيز النفوذ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والقارة السمراء، وهذا ما لا تقبله الولايات المتحدة.
تغيير في توجه واشنطن حيال الأزمة الليبية
من المهم التنبيه إلى أنه ليس من المألوف أن يتم الإعلان عن تكليف مدير المخابرات بمهام ذات طبيعة سياسية ودبلوماسية حتى لو اقترنت بالمسائل الأمنية، فما تناقلته مصادر الأخبار أن بيرنز كلف بمناقشة ملفات عديدة مع المسؤولين الليبيين تعدت الملف الأمني إلى السياسي والاقتصادي.
ومن الواضح أن البيت الأبيض سلم ملف ليبيا إلى وكالة المخابرات المركزية دون استبعاد أدوار المؤسسات السياسية والدبلوماسية والأمنية الأخرى ذلك أن الرئيس الجديد للمخابرات يتمتع بخلفية سياسية ودبلوماسية رصينة وله علاقاته المميزة مع كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين في الولايات المتحدة.
مصادر عدة أكدت أن مدير السي أي إيه قد اجتمع برئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة ومن بعده التقى بخليفة حفتر في لقاءات سريعة لم تأخذ طابع المباحثات أو الأخذ والرد حاملا رسائل واضحة أهمها إجراء الانتخابات في أقرب فرصة والتعاون لتأمين المنشأت النفطية وضرورة إخراج القوات الأجنبية من البلاد.
على الصعيد السياسي، تعضد زيارة بيرنز الموقف الأمريكي الداعم لاجراء الانتخابات في أقرب فرصة وتؤكد الرغبة الأمريكية في تغيير الواقع السياسي الليبي من جذوره وهو الواقع الذي دبت فيه الفوضى الأمنية والاحتراب والانسداد السياسي وما قاد إليه ذلك من فراغات مكنت شركة فاغنر من الدخول والتمركز في ليبيا في لحظة سياسية فارقة وهي الحرب على طرابلس.
الاتجاه الأمريكي الذي يركز على ضرورة إجراء نتخابات عامة في ليبيا هو تماهي مع رؤية تصفير المشكلات وإخراج الفرقاء السياسيين الحاليين من المشهد بالكلية وإنتاج سلطة جديدة.
دعم الانتخابات والإصرار على إجرائها في أقرب الأجال ليست غاية في حد ذاتها بالنسبة للإدارة الأمريكية، بل هي الوسيلة الصحيحة لإفراز حكومة تمتلك الشرعية الكاملة التي تؤهلها للتعامل مع الملفات الكبرى والتي منها إخراج القوات الأجنبية من البلاد، القضية الأبرز في الحسابات الأمريكية حيال الأزمة الليبية.
ادبيبة وحفتر دون غيرهم
اعتبر مراقبون أن لقاء بيرنز مع الدبيبة وحفتر دون غيرهم من المسؤولين هو بمثابة إدراك أمريكي بالمتحكمين الأساسيين في المشهد وبمن يملك القدرة على إجراء الانتخابات ويملك في الوقت نفسه القدرة على تعطيلها.
من ناحية أخرى، فإن المحاذير التي تقلق واشنطن، وفي مقدمتها الوجود الروسي وسط وجنوب البلاد، وتأمين تدفق النفط، وما يتعلق بها من جهود الاستقرار وتحقيق التوافق إنما تخضع اليوم لحالة التدافع بين ادبيبة وحفتر، فهما القادرين على اتخاذ ما يلزم من إجراءات تنفيذية تخدم الأجندة الأمريكية، لهذا كان التركيز عليهما دون غيرهما.
لوكربي وتداعيات التحقيق مع المريمي
ما لم يرشح عن لقاء بيرنز بادبيبة هو ملف لوكربي والجديد فيه بعد التحقيق مع بوعجيلة المريمي وتصريح وزارة العدل الأمريكية عن اعتراف المريمي بضلوعه في التفجير، وإذا ما كان من ضمن اعترافاته الإشارة إلى تورط مسؤولين ليبيين سابقين قابعون في السجون الخاضعة لسلطة حكومة الوحدة الوطنية، إذا ليس من المستبعد أن يكون هذا الملف ضمن أجندة الزائر خاصة بعد تقرير صحيفة الغارديان الذي أكد أن السلطات بغرب البلاد تراجعت عن تسليم مسؤول أمني كبير فترة حكم القذافي، يعتقد أنه عبدالله السنوسي، في اللحظات الأخيرة، بسبب الضغوط الداخلية.
المقاربة الأمريكية في مواجهة التداخلات الإقليمية
المقاربة الأمريكية الجديدة والتي أداتها جهاز المخابرات ومديره السياسي والدبلوماسي المخضرم ستسهم، بحسب مراقبون، في احتواء التدخلات الإقليمية، وستجعل وضع الدول القادرة على تفجير المشهد وعرقلة الانتخابات في موقف صعب إذ أنها ستجابه الإرادة الأمريكية العليا بشكل صريح هذه المرة وهو ما يفسر تراجع اهتمام دول بعينها بالملف الليبي كالإمارات وما سيفسر تراجع التأثير المصري في المرحلة القادمة تبعا للظروف الاقتصادية التي تمر بها مصر ودعم صندوق النقد الدولي من العام الجاري وحتى العام 2026. فحاجة القاهرة إلى التمويل الخارجي يجعلها طيعة أكثر للإرادة الأمريكية، وبحسب بعض المصادر فإن فيتو أمريكي كان وراء وقف تسليم وديعة بقيمة مليار دولار أمريكي من المصرف المركزي الليبي للبنك المركزي المصري.
ومن المهم التنبيه إلى أن مصر كانت قد لعبت دورا ممالئا للنشاط الروسي في ليبيا وأفسحت المجال له إبان فترة رئاسة ترمب التي شهدت التمدد الروسي الكبير في إفريقيا الوسطى ومالي وليبيا عبر شركة فاغنر.
الخلاصة
تمثل زيارة مدير المخابرات المركزية، وليام بيرنز، نقلة وتحولا في المشهد السياسي الليبي ويمكن القول أنها تأسس لمقاربة أمريكية مختلفة حيال النزاع الليبي، لهذا تلقت الزيارة احتفاء خاصا من قبل وسائل الإعلام والخبراء والمراقبين.
قدوم بيرنز إلى ليبيا بصفته وشخصه، ربما يشير إلى تغيير في السياسة الأمريكية تجاه الأزمة الليبية وتبدل الموقف حيال العوامل الداخلية والخارجية التي انتجت الواقع المعقد اليوم، والذي كان من أبرز مظاهره تسلل روسيا إلى الأراضي الليبية وتحكمها في مناطق حيوية فيها.
المحرك والموجه للاهتمام الأمريكي بليبيا اليوم يتصل بالاستراتيجة الأمريكية المتعلقة بأمن الطاقة وتدفق النفط والغاز نحو الضفة الشمالية من البحر المتوسط ومنع روسيا من تعظيم نفوذها في مناطق عدة بعيدة عن ما يمكن اعتباره نطاقا جغرافيا أمنيا لها خصوصا في دول الساحل والصحراء بإفريقيا والتي شهدت تطورات لها علاقة بالمطامع الروسية في القارة .
التحرك على مستوى قمة الهرم في جهاز المخابرات واتجاهه إلى ليبيا ربما يدعم ما ذهبت إليها مصادر مطلعة عن استعداد الولايات المتحدة الأمريكية لاستهداف قوات الفاغنر في كل مناطق وجودها بإجراءات عديدة ومتدرجة تبدأ بالعقوبات ثم إجراءات أكثر خشونة، ليس من المستبعد أن يكون من بينها القوة وذلك عبر ترتيبات تتوافق عليها الكيانات المسلحة في ليبيا.


