يسّرت البعثة حوارا بين البرلمان والمؤتمر الوطني؛ أنتج اتفاق الصخيرات كإطار حاكم للعملية السياسية الليبية، عجز الاتفاق عن إنهاء المرحلة الانتقالية بالرغم من تجاوز مدده الزمنية، ثم دعت البعثة وألمانيا إلى عقد ملتقى برلين حول ليبيا يناير 2020 لإيقاف العمليات العسكرية حول العاصمة، لتعلن البعثة من خلاله عن خارطة طريق لعملية سياسية تشمل ثلاثة مسارات متوازية: مسار عسكري 5+5 مسار اقتصادي ومسار سياسي (تشكيل سلطة تنفيذية + قاعدة دستورية). انطلق الحوار السياسي الليبي جنيف تونس في أكتوبر 2020؛ بهدف إنهاء المراحل الانتقالية بإجراء انتخابات عامة بتاريخ 24 ديسمبر 2021، واستحال إجراءها لعدم توافق أطراف الصراع، لتمتد المرحلة الانتقالية التي شهدت تعاقب أربعة مبعوثين أمميين: (غسان سلامة، يان كوبيتش، عبدالله باتيلي، هانا تيتيه) و نائبتين للمثل الخاص (ستيفاني وليامز، ستيفاني خوري). لم تنجح محاولاتهم بإحداث توافق حول القوانين اللازمة لتنفيذ الانتخابات العامة، فازدادت الأزمة الليبية تفاقما بتعمق انقسام المؤسسات و التدهور الاقتصادي و الأمني، خاصةً بعد ما سحب البرلمان الثقة من حكومة الوحدة الوطنية في سبتمبر 2021،و ما تبعها من تكليفات لحكومات، وصولاً لإجراء التعديل 13 وتشكيل لجنة 6+6 التي صاغت قوانين اصطدمت بمعارضة أطراف فاعلة بالمنطقة الغربية، كما أن البعثة لم تدعم القوانين على طول الطريق، باعتبار أن القوانين لم تتحصل على توافق أطراف الأزمة، و تحتاج لتعديل لتكون قوانين سليمة قابلة للتنفيذ ، عليه قامت البعثة بتشكيل لجنة استشارية في فبراير 2025 لمعالجة المختنقات في المسار السياسي، وأنهت اللجنة عملها في مايو 2025 بتقديم أربعة خيارات لتعلن البعثة عن خارطة طريق بإحاطتها أمام مجلس الأمن في 2025/8/21 .
خارطة الطريق وفق مضامين خيارات الاستشارية
هدف البعثة المعلن من تشكيل لجنة استشارية هو معالجة قوانين لجنة 6+6 لإزالة العوائق التي حالت دون إجراء الانتخابات، ولإنتاج قوانين قابلة للتنفيذ، وتوصلت اللجنة الاستشارية، نتيجة خلفية أعضائها السياسية، إلى أربعة خيارات مشمولة بتوصيات كتدابير تسبق الانتخابات، كإجراء تعديل دستوري، وتنظيم مفوضية الانتخابات وتمويلها، وتشكيل حكومة موحدة، وتوفير أمن انتخابي.
البعثة بدورها وفق ما أعلنت على صفحتها الرسمية فعٌلت المشاورات حول خيارات الاستشارية، فبحسب تصريحاتها التقت محلياً بنحو (3880) وذلك عبر اللقاءات المباشرة، أو الإنترنت، أو الاتصالات الهاتفية، مع إجراء استطلاع رأي شمل 22500 مواطن. دولياً أجرت مباحثات مع أغلب ممثلي الدول المتدخلة في الأزمة الليبية و بعض المنظمات الدولية، لتعلن بإحاطتها لمجلس الأمن عن خارطة طريق تهدف لإجراء انتخابات رئاسية و تشريعية، مبنية على ثلاث ركائز أساسية متدرجة في مدة تتراوح بين 12 الى 18 شهرا، متضمنة إطارا انتخابيا قابلا للتطبيق فنياً و سياسياً، في مدة لا تتجاوز الشهرين، بالتوازي مع تنظيم مفوضية الانتخابات و ضمان تمويلها، و توحيد المؤسسات من خلال حكومة جديدة موحدة، و إقامة حوار مهيكل لمعالجة قضايا بالغة الأهمية، تتعلق بالأمن و الإصلاحات الاقتصادية و المصالحة و غيرها من القضايا؛ وذلك لإيجاد بيئة ملائمة للانتخابات.
البعثة اعتمدت الخيار الأول كأساس لخارطتها؛ لكي لا تتصادم مع قرارات مجلس الأمن التي تدعو إلى إجراء انتخابات رئاسية و تشريعية متزامنة، و عدم التعارض مع قرارات مجلس الأمن يحقق للبعثة التوافق اللازم للأطراف المتدخلة في الأزمة الليبية؛ من أجل تمرير خارطتها التي دعمتها بنتائج استطلاع رأي، حيث كشفت نتائج الاستطلاع أن الخيار الأول كان المفضل لدى 42% من المشاركين، و كذلك اعتمادها الخيار الأول لإكمال ما تعذر إنجازه بحوار جنيف تونس، و لجعل أطراف الأزمة الليبية في مواجهة أبناء شعبهم الراغبين في التغيير و تجديد الشرعية، وما تحديدها لمدة شهرين لإنجاز الإطار القانوني ، إلا لتضع مجلسي النواب و الدولة أمام مسؤولياتهم المتعلقة بإجراء تعديلات محدودة و جوهرية لإصدار قوانين الانتخابات. مع هذا التحديد الزمني يواجه المجلسان ثلاثة احتمالات: أولها، التوافق على جميع القوانين، وعندها تمضي البعثة لاستكمال خارطة طريقها. ثانيها، عدم توافقهما على قانون انتخاب رئيس الدولة، هذه فرضية عالجتها اللجنة الاستشارية في خيارها الأول، إذ أوصت بإجراء الانتخابات التشريعية فقط، بعد تمكنها من إلغاء إيقاف العملية الانتخابية إن لم يتم تنفيذ الانتخابات الرئاسية، مع التذكير بإن الاستشارية أوصت أيضا أن يتولى مجلس الشيوخ رئاسة الدولة، الاحتمال الثالث فيتمثل في فشل مجلسي النواب في التوصل إلى التوافق على كامل الإطار القانوني، وهذا الاحتمال لم تعالجه السيدة هانا تيتيه بشكل واضح في خارطتها، حيث قالت في إحاطتها إنها ستدمج ضمانات في خارطة الطريق، تمكنها من البحث عن بدائل، في حال عملت أطراف الوضع القائم على تأخير أو عرقلة حق الشعب في الانتخابات، وقد يفهم من هذا القول إمكانية تفعيل الخيار الرابع الذي حصل باستطلاعها على المرتبة الثانية، وذلك بإضافة إنجاز الإطار القانوني، و توحيد المؤسسات، وتشكيل حكومة موحدة إلى اختصاصات الحوار المهيكل، وبذلك يتحول من حوار إلى هيئة تأسيسية، في حال أجاز مجلس الأمن تدابير ضرورية تتخذها البعثة كبديل عن الأجسام القائمة؛ لفشلها عن الإيفاء بالتزاماتها.
إن افتراض خارطة البعثة ضرورة إنجاز الإطار القانوني كشرط للانتقال الى المشاورات المؤدية لتوحيد المؤسسات من خلال حكومة موحدة؛ يعكس التوازن بين مطالب أطراف الصراع، ويحقق تلافي أخطاء حوار جنيف تونس، الذي أهمل إنجاز الإطار القانوني لانتخابات 24 ديسمبر 2021 بعد تشكيله السلطة تنفيذية، وهذا الترتيب تريد أن تثبت البعثة من خلاله أهمية إنشاء اللجنة الاستشارية.
ردود الفعل المحلية والدولية على خارطة الطريق
قوبلت الخارطة بترحيب محلي من الأجسام القائمة، التي قد تكون وجدت فيها تحقيقا لبعض من مطالبها في مراحل الخارطة، فمجلس الدولة اعتبر الخارطة تجسيدا لدوره كشريك لإنجاز مراحل تنفيذها، أما البرلمان اعتبر طلبه القاضي بتشكيل حكومة جديدة ضُمن بالخارطة، كذلك رئيس حكومة الوحدة الذي طالب بإنجاز الإطار القانوني كشرط لإجراء مشاورات تؤدي الى تشكيل حكومة. أما ردود فعل الأحزاب والمكونات المجتمعية فقد غلب عليها الترحيب الحذر، يبدو أن إسناد الخارطة لمجلسي النواب والدولة لإنتاج القوانين وتشكيل المؤسسات؛ آثار المخاوف بتكرار فشل إجراء الانتخاب وفق اتفاق الصخيرات وجنيف تونس. ردود الفعل الدولية تميٌزت بالترحيب فأغلب الدول المتدخلة في الأزمة الليبية والمنظمات الدولية الرسمية، أعلنت ترحيبها باعتبار أن البعثة كانت على تشاور مسبق معها حول متطلبات إطلاق خارطتها.
فرص نجاح الخارطة لإجراء الانتخابات ومعوقات تنفيذها
يشكّل خيار إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية تحديا كبيرا للبعثة، خاصة وأن السلطات القائمة لم تنجح في تنفيذه في ديسمبر 2021، بل فشلت في التوافق على قوانينها طوال السنوات الماضية. والآن، مع إعادته كأساس لخارطة الطريق بعد معالجة قوانينه من قبل اللجنة الاستشارية، يظل هذا التحدي قائمًا.”، ذلك أن معوقات إجراء انتخابات رئاسية لا تكمن في القوانين فقط، ولكون الخارطة متدرجة فيمكن أن تحقق البعثة نجاحا خلال مدة الشهرين الملزمة للمجلسين وكذا باقي المراحل إن تم تطبيق عقوبات حقيقية وفاعلة ضد المعرقلين في أي مرحلة من مراحل الخارطة.
يمكن للبعثة استثمار رغبة شريحة واسعة من الليبيين في تغيير كافة الأجسام الحالية، فتمارس ضغوطا عليها لإنجاز التوافق على قوانين تتجدد وتتوحد من خلالها السلطة التشريعية، والتوافق على تكليف السلطة التنفيذية، ومن المحتمل أن تواجه الخارطة عقبات وعراقيل متعددة يمكن حصر بعضها كما يلي:
1) صعوبة توافق المجلسان على قوانين الانتخابات بالأخص مواد شروط الترشح لرئاسة الدولة، اذ نقلت مصادر مطلعة أن مجلس الدولة أبلغ ممثل الأمين العام السيدة تيته بأنه متمسك بقوانين تضمن أن لا يكون رئيس ليبيا عسكري و لا مزدوج الجنسية أثناء ترشحه للانتخابات.
2) افتقاد الخارطة لكيفية ضمان إيفاء أطراف الصراع تنفيذ ما التزموا به، بالأخص ضمانات الالتزام بتسليم السلطة التنفيذية شرقاً وغرباً.
3) لم تشتمل الخارطة على رؤية واضحة لتوحيد المؤسسات الأمنية، مع تصاعد الخشية من حدوث انفلات أمنى محتمل بطرابلس قد يعيق تنفيذ الخارطة، مالم تتم معالجة الأزمة الأمنية التي نشأت على خلفية نشوب صراع مسلح في مايو الماضي.
4) لم تطالب ممثلة الأمين العام بشكل واضح مجلس الأمن منع التدخلات الخارجية السلبية الداعمة لأطراف الأزمة الليبية أثناء تنفيذ مراحل الخارطة.
خاتمة
بتتبع مقدمة الإحاطة يظهر أن تاتيه تناولت الجولة الثانية للانتخابات البلدية، وأشارت إلى نجاح إجراء 26 بلدية لانتخاباتها، ثم إدانة حرق مكاتب للمفوضية بالمنطقة الغربية، والاعتداءات المسلحة على بعض مراكز الانتخابات غرباً، وفشل تنفيذ الانتخابات شرقاً، واكتفت بمناشدة ما اسمتهم سلطة الأمر الواقع شرقاً بالسماح بإجراء الانتخابات البلدية في أقرب فرصة.
إن تناول البعثة فشل الانتخابات البلدية، مع خلو خارطتها من ضمانات إجراء الانتخابات يسلط الضوء على وجود عراقيل غير قانونية أيضا تحول دون إجراء الانتخابات، والتي حاولت معالجتها اللجنة الاستشارية، وهذا يظهر أن هناك قصورا في تصور البعثة ومقاربتها لمعالجة أسباب ومحركات الأزمة السياسية في البلاد.



