Skip to main content

مقدمة

تبع إعلان مجلس النواب إصدار قوانين الانتخابات التي أعدتها لجنة 6+6 ردود فعل متباينة ويكتنفها بعض الغموض، وذلك على الصعيدين المحلي والخارجي. وبالنظر إلى تصريحات الأطراف المختلفة في الداخل والخارج يبدو أن أمام التوافق بعض العقبات وأن الانتخابات لن تُجرى في الأفق القريب كما توقع كثيرون.

المجلس الأعلى للدولة، الشريك في العملية السياسية والمسار السياسي، لم يؤيد إعلان مجلس النواب بخصوص قوانين الانتخابات، ونُقل عن بعض أعضائه القول بأن المجلس يدعم قوانين الانتخابات التي تم الإعلان عنها في مدينة بوزنيقة المغربية شهر يوليو الماضي، غير أنه من المبكر الجزم بأن هذا هو الموقف النهائي للمجلس الأعلى للدولة.

أما فيما يتعلق بمواقف الأطراف الخارجية، البعثة وبعض العواصم الغربية، فإنها تلقت إعلان مجلس النواب بحذر واتجه تركيزها إلى ضرورة التوافق واعتماد خارطة طريق لكل المسار السياسي.

التعديلات على القوانين

مما لا شك فيه أن تعديلا وقع على قوانين الانتخابات التي أعلنت عنها لجنة 6+6 منذ ثلاثة أشهر في المغرب، وبرغم تأكيد عضو اللجنة عن المجلس الأعلى للدولة الدكتور فتحي السريري أن التعديلات فنية، لكن مطابقة القوانين الأخيرة بتلك التي تم الإعلان عنها في يوليو الماضي يكشف أن التعديلات التي وقعت تتعلق بنقاط الخلاف بين الأطراف المتنازعة.

الموقف المبدئي للجنة 6+6 هو التمسك بمشاريع القوانين التي توافقت عليها باعتبار أن المادة 30 من التعديل الدستوري الثالث عشر تنص على “كون اعتماد قوانين اللجنة نهائيا وملزما ويصدرها مجلس النواب دون إجراء أي تعديل فيها”. تغير موقف اللجنة وأعادت النظر في القوانين لتضيف إليها ملاحظات وردتها من المفوضية ومن البعثة الأممية، كما ورد في رسالة اللجنة الموجهة إلى المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة وإلى سفراء الدول الشقيقة والصديقة، وقد وقع تغيير جذري في بعض البنود، ولا يمكن وصفه بالفني فقط، كما لا يمكن اعتباره استجابة لتعقيبات المفوضية والبعثة فقط، ذلك أن التغيير وافق مطالب مجلس النواب أو كتلة ثقيلة فيه.

اللجنة أوردت في رسالتها المشار إليها آنفا تبريرا للتعديلات التي أجرتها، إلا أنها أفردت توضيحا خاصا لإضافة جديدة في القوانين وهي المادة المتعلقة بإلزامية تشكيل حكومة جديدة، وعللت اعتمادها نصا ملزما بهذا الخصوص منعا لأن تكون هناك “ميزة لمرشح عن آخر، ولا يتم استغلال موارد الدولة وإمكانياتها لدعم مرشح دون غيره”، وهو مطلب معروف القصد منه ومعلوم من طالب به وأصر على فرضه.

وبالإضافة إلى النص الخاص بتشكيل حكومة جديدة فقد وقع تعديل في بعض ما توافقت عليه اللجنة في بوزنيقة، من ذلك إلزام المترشحين للانتخابات الرئاسية من حملة الجنسيات الأجنبية إلى جانب الجنسية الليبية بالتخلي عن الجنسية الأجنبية بعد ترشحهم للجولة الثانية وليس قبل تقديم أوراق ترشحهم للمفوضية كما تقضي قوانين بوزنيقة.

 ردود الفعل المحلية والدولية حول القوانين

أورد الناطق باسم مجلس النواب، عبدالله بليحق، أن المجلس اعتمد القوانين بأغلبية أعضائه، ولم ينص التعديل الدستوري الثالث على صلاحية المجلس لاعتماد القوانين أو إخضاعها للنقاش والتصويت، وهو ما نصت عليه المادة 30، كما سبقت الإشارة.

أما المجلس الأعلى للدولة فقد أعلن تمسكه بمخرجات لجنة 6+6 التي تم الإعلان عنها في مدينة بوزنيقة المغربية في شهر يوليو الماضي، كما تم الإعلان عن حل فريق المجلس باللجنة معتبرا أن اللجنة قد أتمت مهمتها.

البعثة لم تبدِ حماسا تجاه إصدار القوانين من قبل مجلس النواب وإحالتها إلى المفوضية العليا للانتخابات، وورد على لسان رئيسها تحفظا على سلوك عقيلة صالح الذي حسب رئيس البعثة أخل بتعهداته في أن يرسل القوانين إليه قبل إصدارها. واشترط باتيلي أن تكون القوانين قابلة للتنفيذ، وورد ما يفيد في رسالة وجهها لعقيلة صالح أن البعثة تحتاج إلى تقييم القوانين لإبداء رأيها.

ويفهم من بيان البعثة بخصوص القوانين الجديدة أنها خطوة ناقصة، ودعا البيان إلى تعزيز التوافق بين الفرقاء الليبيين والاتجاه إلى وضع خارطة طريق تتضمن تشكيل حكومة موحدة وتنتهي إلى إجراء الانتخابات.

تصريحات المبعوث الأمريكي لليبيا والسفير ريتشارد نورلاند يفهم منها قبوله القوانينَ إلا أنه أيد البعثة الأممية في اشتراط التوافق على خارطة طريق وضرورة تشكيل حكومة تكنوقراط تشرف على تنفيذ الانتخابات، كما أيد نورلاند توجه البعثة الأممية لجمع القادة الليبيين للاتفاق على هذه الخارطة.

حكومة جديدة.. أي حكومة؟

الضغط تصاعد نحو تشكيل حكومة جديدة، ويمكن أن يقود إصدار قوانين الانتخابات إلى تسريع هذه الخطوة، ويعطي الموقف الدولي الداعي إلى تشكيل حكومة تكنوقراط تشرف على الانتخابات ممثلا في البعثة الأممية ومجموعة الخمس الكبار زخما لمسألة التغيير الحكومي يبدو أن له أصداء في الداخل.

بعض المصادر تحدثت عن تراجع التأييد لحكومة الوحدة الوطنية ورئيسها حتى داخل بعض الشخصيات والمكونات التي دعمتها خلال العامين الماضيين، كما تناقش مجاميع أخرى في العاصمة وغيرها -نوعا ودرجة- التغيير الحكومي المطلوب، مما يفيد استعداد هذه المكونات لتغيير حكومي جذري.

وقرأ مراقبون الإعلان عن توحيد المصرف المركزي تغييرا في موقف المحافظ، الصديق الكبير، من النزاع الحكومي واستعداداه لقبول التغيير.

تناقلت مصادر عدة معلومات عن مرشحين للحكومة الجديدة، ومع عدم التأكد من دقة تلك المعلومات، إلا أن هناك جدلا غير معلن يدور حول ما إذا كان ضروريا انتسابُ رئيس الحكومة الجديدة إلى مدينة مصراتة، ويبدو أن الانقسام والخلاف الذي تشهده المدينة يفسح المجال لطرح مرشحين من خارجها. أيضا يُطرح سؤال حول هل أن يكون الرئيس من مدينة لها وزنها السياسي والعسكري كطرابلس أو الزاوية، غير أن المهمة التي تناط بالحكومة الجديدة قد تجعل عامل السند القوي لرئيسها غير ذي أهمية، فقوة رئيس الحكومة ستعود إلى قبول الجميع بها.

آلية جديدة لوضع خارطة الطريق

تكرر الحديث عن اجتماع يضم عقيلة صالح وخليفة حفتر ومحمد تكالة ومحمد المنفي وعبد الحميد الدبيبة، ويبدو أن واشنطن تدفع في هذا الاتجاه، ولأن الجميع يواجه صعوبات، خاصة الدبيبة وحفتر، بات من الممكن التقاؤهم وربما توافقهم.

سبقت الإشارة إلى العوائق التي يواجهها الدبيبة، أما حفتر فيؤكد مراقبون أن شعبيته في الشرق في تراجع مستمر وهذا ما دفعه إلى التعويل على القبضة الأمنية والتورط في استخدام سياسات متشددة تجاه من ناصروه في عملية الكرامة من نخب ونشطاء، فقد شهدت الأيام الماضية اعتقال الدكتور فتحي البعجة ورفاقه، ومحاصرة بيت العميد المهدي البرغثي والأذى الذي لحق قبيلة العواقير جراء هذا الحصار، كما أن علاقته مع الروس باتت محل قلق وتأتي على حساب دعم الغرب له. تلك التحديات قد تكون سببا في اقتراب الفرقاء وتوافقهم على خارطة طريق تضمن الحد الأدنى من مصالح كافة الأطراف.

من جهة ثانية، فإن مصادر مطلعة تؤكد أن البعثة وبدعم أمريكي تتجه إلى إطلاق مسارات تفاوضية عدة للوصول إلى توافق واسع بشأن خارطة الطريق، وأن المسار السياسي السيادي سيرافقه مساران، نخبوي اجتماعي، يجمعان ممثلين عن الأقاليم التاريخية الثلاث، ومسار أمني يرتكز على لجنة 5+5 ويضم إليه قيادات عسكرية وأمنية من الغرب والشرق على غرار الاجتماعات التي شهدتها طرابلس وبنغازي ومصر والأردن في النصف الأول من العام الجاري.

فرص التوافق

مصادر مطلعة توقعت أن يشهد الملف الليبي فورة كالتي سبقت إقرار التعديل الدستوري الثالث عشر ولجنة 6+6 التي اقترنت بحراك أمريكي حيوي قادته شخصيات أمريكية رفيعة المستوى كرئيس وكالة المخابرات الأمريكية وليام بيرنز  ونائبة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى بربرا ليف، ذلك أن وزير الخارجية أنتوني بلينكن يتابع الملف الليبي باهتمام وكان من المقرر أن يشرف مباشرة على دفع الفرقاء الليبيين إلى التوافق على خارطة طريق جديدة.

المبعوث الأمريكي الخاص والسفير ريتشارد نورلاند أكد أنه يعمل وفق هذه التوجهات وقد أبلغ القيادات الليبية في الشرق والغرب بموقف الإدارة الأمريكية، وإذ وقع تباطؤ أو فتور فإنه ربما سيرجع لتطور الأحداث في الأراضي الفلسطينية، التي من الممكن أن تلقي بظلالها على مسار التسوية السياسية إذا توسعت دائرة المواجهات وطال عمرها.

وفي حال تحول الاهتمام الأمريكي عن الملف الليبي فإن الأزمة الراهنة ستمتد والنزاع سيعود إلى سابق عهده، وسيتشبث المجلس الأعلى للدولة بموقفه من مخرجات لجنة 6+6 والقوانين الانتخابية. وبحسب تقارير وآراء مراقبين فإن المجلس الأعلى بحله الفريق الممثل له في اللجنة يعطي لنفسه، أو لرئيسه والأعضاء الذي يؤيدونه، فرصة للمناورة أمام  ضغوط مجلس النواب، أو رئيسه والأعضاء الذين يؤيدونه، وأن موقف المجلس الأعلى للدولة سيكون مختلفا عن موقف المجلس فترة رئاسة خالد المشري، في الجولة التفاوضية الجديدة إذا استدعى الأمر ذلك، فالمشري كان على خلاف شديد مع الدبيبة، فيما يحظى الأخير بدعم رئيس المجلس الجديد.