مقدمة:
في خضم سياق سياسي معقد، وانقسام مؤسسي حاد، أصدر صندوق النقد الدولي بيانه الختامي حول الاقتصاد الليبي لعام 2025 ،عقب مشاورات المادة الرابعة، ويمثل هذا البيان تقييمًا شاملًا للاقتصاد الليبي، ويشكل مرجعًا هامًا في رسم السياسات، كما يعكس البيان أهمية إعادة هيكلة الاقتصاد الليبي، خصوصًا في ظل اعتماد البلاد شبه الكلي على إيرادات النفط، وتآكل الاستقرار النقدي، واستمرار تفكك المؤسسات.
يتناول هذا التقرير مضمون البيان الختامي، الصادر عن بعثة صندوق النقد الدولي بشأن ليبيا، في إطار مشاورات المادة الرابعة لعام 2025، ويستعرض الأداء الاقتصادي لعام 2024، ويتناول التوقعات الاقتصادية للعام 2025، مع تحليل السياسات المالية والنقدية وتقييم القطاع المصرفي، في ظل الانقسام المؤسسي والصراع السياسي، كما يناقش تحديات الإصلاح الاقتصادي في ليبيا، ومدى قابلية التوصيات الصادرة عن صندوق النقد للتطبيق في السياق الليبي، ويقترح سيناريوهات مستقبلية للأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية القائمة.
أولاً: تحليل الأداء الاقتصادي في عام 2024
- الناتج المحلي الإجمالي
شهد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي انكماشًا واضحًا خلال عام 2024؛ نتيجة اضطرابات إنتاج النفط المرتبطة بخلافات قيادة مصرف ليبيا المركزي، وقدّر صندوق النقد هذا الانكماش رغم استمرار توسع القطاع غير النفطي بدعم من الإنفاق الحكومي. ويمثل هذا الانكماش دلالة على ضعف النمو الاقتصادي في ليبيا، واعتماده المفرط على قطاع الطاقة، وهو ما يتماشى مع ما يعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ”المرض الهولندي”، ويعني ذلك أن الوفرة في العوائد النفطية تقترن غالبًا بضعف القطاعات الإنتاجية الأخرى؛ مما يزيد من تقلب الاقتصاد المحلي.
شكل رقم (1) تطور معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في ليبيا خلال الفترة (2020 -2025)

Source: International Monetary Fund. 2025*: Expected.
- معدل التضخم وفعالية أدوات القياس
بلغ معدل التضخم الرسمي حوالي 2%، مدعومًا باستمرار الدعم الحكومي، إلا أن هذا الرقم لا يعكس الواقع بدقة؛ نتيجة استخدام سلة أسعار قديمة مقتصرة على مدينة طرابلس، مما يضعف مصداقية المؤشر الوطني العام؛ ولذا فإن إدخال مؤشر جديد يغطي مناطق أوسع، يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تحسين كفاءة أدوات القياس الإحصائي، لكن يبقى التحدي الأكبر في تطوير آليات تحليل التضخم، التي تراعي تفاوت الأسعار بين المدن، خصوصًا في ظل غياب سياسة موحدة لتوزيع السلع الأساسية.
- الميزانية العامة وميزان الحساب الجاري
يعاني الاقتصاد الليبي من خلل في ميزان المدفوعات، وخاصة الميزان التجاري، حيث يعمل ذلك الخلل على تعزيز اعتماد الموازنة المالية على الإيرادات المالية النفطية، مقارنة بالغير نفطية؛ مما يعزز من تبعية عمليات التنمية الاقتصادية الليبية للسوق العالمي، الأمر الذي يعرضها إلى انتكاساتٍ قوية للصدمات الخارجية، وخاصة الاقتصادية والمالية منها، ولاسيما في ضوء انخفاض أسعار النفط عالمياً. وقد تحولت ليبيا من تسجيل فائض كبير في الميزانية العامة والحساب الجاري خلال عام 2023، إلى تسجيل عجز في عام 2024، ويرجع ذلك إلى توقف تصدير النفط، وتثبيت مستوى الواردات، وتعكس هذه المفارقة المالية ضعف مرونة المالية العامة تجاه الصدمات، وتبرز الحاجة إلى تنويع مصادر الإيرادات، ومن الملاحظ أيضًا أن غياب التقدير الدقيق للإنفاق الرأسمالي مقابل الإنفاق الجاري؛ يزيد من تعقيد تقييم كفاءة الموازنة العامة.
شكل رقم (2) تطور ميزان الحساب الجاري كنسبة من الناتج المحلى الإجمالي

Source: International Monetary Fund. 2025*: Expected.
ثانياً: التحديات الاقتصادية البنيوية في عام 2025
يتسم موقف الصندوق بنزعة نقدية مشروطة، إذ يعترف بجهود الإصلاح لكنه يحذر من هشاشة الاقتصاد، ويطالب الصندوق بتوحيد الميزانية، وإلغاء الضريبة على النقد الأجنبي، ووضع إطار نقدي مستقل مع سعر فائدة مرجعي، كما يطالب بتقوية مؤسسات المالية العامة، وتعزيز إدارة الدين العام، بما يتماشى مع استراتيجيات الاستدامة المالية، كما رحب الصندوق بإجراءات المصرف المركزي ضخ أوراق نقدية جديدة، وتشجيع استخدام الدفع الإلكتروني، لكنه نبّه إلى أن هذه الخطوات ما لم تُرفق بسياسات حوكمة قوية، فإن تأثيرها سيكون محدودًا. كما ركز الصندوق على أهمية تبني استراتيجية لمكافحة الفساد، تشمل: إصلاح النظام القضائي، وتعزيز دور ديوان المحاسبة.
- السياسة النقدية وسعر الصرف
أقدم مصرف ليبيا المركزي في أبريل 2025 ،على خفض قيمة الدينار بنسبة 13% ،وتشديد الرقابة على النقد الأجنبي، ورغم هذه الإجراءات، لا تزال الفجوة قائمة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وهو ما يعكس اختلالات هيكلية في سوق الصرف ونقص أدوات السياسة النقدية التقليدية، كما يفتقر المصرف إلى استقلالية فعلية في إدارة السياسات النقدية؛ نتيجة التداخل المؤسسي والسياسي، وقد أشار الصندوق إلى ضرورة وضع إطار نقدي حديث، يستند إلى أدوات اقتصادية واضحة، مثل: سعر الفائدة المرجعي، ما يعزز من القدرة على التحكم في التضخم، واستقرار قيمة الدينار الليبي.
- القطاع المصرفي والائتمان
أشاد صندوق النقد بجهود المصرف المركزي في تعزيز رؤوس أموال البنوك وفق قواعد بازل 2، وتحقيق تحسن في مؤشرات السلامة المالية، وانخفاض نسب القروض المتعثرة، لكن لا يزال تمويل القطاع الخاص محدودًا نتيجة غياب أدوات تمويل ملائمة، واستمرار سيطرة التمويل القائم على المرابحة، مما يعكس ضعف بيئة الأعمال وغياب التشريعات الداعمة.
- سياسات الدعم والإنفاق العام
ما زال الدعم الحكومي والرواتب يشكلان النسبة الأكبر من الإنفاق العام، في وقت تضعف فيه قدرة الدولة على توجيه النفقات نحو استثمارات إنتاجية أو بنى تحتية، ويدعو الصندوق إلى مراجعة تدريجية لسياسات الدعم، وتوجيهه نحو الفئات الأكثر احتياجًا، بالتوازي مع إصلاح شامل لنظام الرواتب، ويشير تحليل البنية الحالية للموازنة، إلى أن أكثر من 60% من المصروفات موجهة إلى الإنفاق الجاري، وهي نسبة مرتفعة بالمقارنة مع الاقتصادات الناشئة الأخرى.
ثالثاً: الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة وفقاً لبيان صندوق النقد الدولي
في ضوء التحديات البنيوية التي يواجهها الاقتصاد الليبي، تبرز الحاجة إلى وضع إطار موحد للمالية العامة، يقوم على مبادئ الشفافية والمساءلة، ويُعزز من كفاءة تخصيص الموارد العامة؛ لذا فإن توحيد الموازنات العامة لمختلف المؤسسات، ودمجها ضمن إطار مالي وطني واضح، من شأنه أن يسهم في تحسين الرؤية الاستراتيجية للدولة، ويمكن متخذي القرار من ضبط أولويات الإنفاق، وتحديد مصادر العجز والفائض بشكل دقيق، بما يدعم الاستدامة المالية على المدى المتوسط والطويل.
ومن جهة أخرى، فإن تطوير سياسة نقدية مستقلة وفعّالة بات أمرًا ضروريًا، خاصة في ظل محدودية الأدوات التقليدية المتاحة لمصرف ليبيا المركزي، ويتطلب ذلك إنشاء منظومة نقدية، تستند إلى سعر فائدة مرجعي يوجّه حركة الإقراض والادخار، ويعزز من قدرة النظام المصرفي على التحكم في معدلات التضخم، وتقلبات العملة المحلية، كما يُعد هذا التطوير مدخلًا أساسيًا لإعادة بناء الثقة في السياسة النقدية، وزيادة الشفافية في التعامل مع الأسواق.
فيما يتعلق بالإصلاحات الاجتماعية، لا بد من الشروع في مراجعة تدريجية لسياسات الدعم الحكومي ونظام الرواتب، بما يحقق العدالة والكفاءة الاقتصادية، وينبغي توجيه الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، من خلال آليات أكثر دقة وفعالية، وربط الرواتب بالإنتاجية والكفاءة؛ لضمان استدامة الإنفاق العام دون الإضرار بالعدالة الاجتماعية.
ولا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن يُكتب له النجاح دون تحسين بيئة الأعمال، وهو ما يتطلب إجراء مراجعات شاملة للأطر القانونية والتشريعية المنظمة للاستثمار والتجارة. إن تبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز الحماية القانونية للمستثمرين، وتطوير قوانين الإفلاس والمنافسة، ستُعد بمثابة حوافز حقيقية لتنشيط القطاع الخاص، وخلق فرص عمل مستدامة.
وفي السياق ذاته، يبقى دعم جهود مكافحة الفساد، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، أحد أهم المداخل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي، ويتطلب ذلك تقوية مؤسسات الرقابة، وضمان استقلالية القضاء، وتفعيل أدوات المراجعة الداخلية في المؤسسات العامة، بما يرسخ الثقة في مؤسسات الدولة، ويحد من الهدر وسوء استخدام الموارد.
كما أن مستقبل الاقتصاد الليبي يتوقف بدرجة كبيرة، على قدرته في تنويع قاعدته الإنتاجية، وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للإيرادات. من هنا، تبرز أهمية إطلاق خطة وطنية شاملة لتنويع الاقتصاد، تتضمن دعم القطاعات البديلة، مثل: الزراعة، والصناعة، والسياحة، والاقتصاد الرقمي، وتوسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص المحلي والأجنبي، في مختلف مراحل التنمية.
إلى جانب ذلك، يُعد الاستثمار في التعليم والبنية التحتية شرطًا أساسيًا لأي تحول اقتصادي مستدام، فبناء رأس مال بشري مؤهل يتطلب إصلاحات جذرية في قطاع التعليم، تستند إلى ربط مخرجاته بسوق العمل، وتطوير المهارات الفنية والتقنية. أما البنية التحتية، فهي العمود الفقري للنشاط الاقتصادي، ولا بد من تحديثها في مجالات النقل، والطاقة، والاتصالات؛ لضمان استيعاب الاستثمارات الجديدة وتحسين الإنتاجية.
وأخيرًا، يبقى نجاح السياسات الاقتصادية مرهونًا بتوافر بيانات دقيقة ومحدثة. وعليه، فإن اعتماد نظام وطني موحد للإحصاءات الاقتصادية يُمثل ضرورة قصوى، تُمكن صناع القرار من الوصول إلى مؤشرات موثوقة، وتحسين جودة التخطيط الاقتصادي والتنموي؛ ولذلك فإن تطوير القدرات الإحصائية، وتوحيد منهجيات جمع وتحليل البيانات، من شأنه أن يُعزز من فعالية الرقابة، ويساهم في ترشيد السياسات على أسس علمية.
رابعاً: السيناريوهات المستقبلية للاقتصاد الليبي
السيناريو الإيجابي: يتحقق في حال وجود تسوية سياسية شاملة، وتوحيد المؤسسات، مع تبني استراتيجية تنويع اقتصادي؛ ويؤدي هذا السيناريو إلى تحسن تدريجي في مؤشرات النمو والاستثمار واستعادة الثقة، ويمكن أن ترتفع معدلات النمو إلى 5% خلال السنوات الثلاث المقبلة، مدعومة بارتفاع إنتاج النفط واستقرار مالي نسبي.
السيناريو المحايد: تستمر حالة الجمود المؤسسي مع إصلاحات جزئية؛ مما يؤدي إلى بقاء الاقتصاد في حلقة التذبذب وعدم الاستقرار، ويفاقم الاعتماد على النفط والإنفاق الجاري، وسيظل هذا السيناريو معرضًا لمخاطر التراجع، عند حدوث أزمات سياسية، أو تراجع أسعار النفط.
السيناريو السلبي: يُحتمل في حال عودة النزاعات المسلحة، أو انهيار أسعار النفط؛ ما يؤدي إلى تدهور حاد في الموازنة العامة والحساب الجاري، ويهدد استقرار العملة والقطاع المصرفيه، وفي هذا السياق، من المتوقع انخفاض الاحتياطيات الأجنبية إلى مستويات حرجة خلال أقل من 12 شهرًا.
وختاماً، يكشف تحليل بيان صندوق النقد الدولي عن تعقيدات متعددة في المشهد الاقتصادي الليبي، تتراوح بين مشكلات بنيوية وأخرى مرتبطة بالحوكمة السياسية، ولا يكفي الاستقرار المالي الظاهري، إن لم يصاحبه إصلاح مؤسسي عميق ومستدام؛ لذلك فإن مستقبل ليبيا الاقتصادي يتوقف على مدى قدرة الفاعلين المحليين والدوليين، على توجيه البلاد نحو استحقاقات الإصلاح البنيوي والتكامل المؤسسي، بعيدًا عن الارتجال والاعتماد الريعي، ومن شأن تنفيذ هذه الإصلاحات أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الاقتصاد الليبي للتحول من اقتصاد هش قائم على النفط، إلى اقتصاد متنوع، ومنتج، ومستدام.



