Skip to main content

مقدمة:

يُعدّ الفساد من أخطر التحديات التي تواجه الدول، نظرًا لتأثيره العميق على الاستقرار السياسي، والتنمية الاقتصادية، والثقة في المؤسسات العامة. ويُعتبر مؤشر مدركات الفساد (CPI) الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، أداةً عالميةً لقياس مستويات الفساد في القطاع العام لـ 180 دولة، حيث يعتمد على مجموعة من المعايير، تشمل: مدى انتشار الرشوة، واستغلال السلطة، وغياب الشفافية والمساءلة. ويكتسب هذا المؤشر أهمية خاصة، في الدول التي تعاني من أزمات سياسية وأمنية مزمنة، إذ يعكس ترتيبها في هذا التصنيف، مدى فاعلية الحوكمة وسيادة القانون.

في هذا الإطار، يُعَدّ الوضع في ليبيا مثالًا بارزًا على تأثير الفساد، في الدول التي تشهد صراعات داخلية وانقسامات سياسية. فمنذ سقوط نظام القذافي في عام 2011، تعاني ليبيا من أزمات سياسية متواصلة؛ مما أضعف قدرتها على مكافحة الفساد، وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة. ووفقًا لتقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2024، حصلت ليبيا على درجة (13) من 100 في مؤشر مدركات الفساد؛ ما جعلها تحتل المرتبة 173 عالميًا، والسادسة بين أكثر الدول فسادًا. تعكس هذه النتيجة واقعًا معقدًا يسلط الضوء على ضعف المؤسسات الرقابية، وتفشي الفساد في مختلف القطاعات، وتأثير ذلك على الحياة اليومية للمواطنين.

يهدف هذا التقرير إلى تقديم قراءة تحليلية لترتيب ليبيا في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، من خلال استعراض العوامل التي ساهمت في تراجع تصنيفها، وتأثير الفساد على الأداء الحكومي والتنمية الاقتصادية، إلى جانب مناقشة الحلول الممكنة لمكافحة هذه الظاهرة، كما يسعى إلى تسليط الضوء على الدور الذي يمكن أن تلعبه الإصلاحات المؤسسية، ودعم الشفافية، وتعزيز سيادة القانون، في تحسين موقع ليبيا على هذا المؤشر في المستقبل.

ترتيب ليبيا في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024

وفقًا لتقرير عام 2024، احتلت ليبيا المرتبة 173 من بين 180 دولة، محققة درجة 13 من أصل 100؛ مما يجعلها ضمن قائمة الدول العشر الأكثر فسادًا على مستوى العالم. وتساوت ليبيا في الترتيب مع اليمن وإريتريا، بينما جاءت كل من جنوب السودان، والصومال، وفنزويلا، وسوريا، في المراتب الأسوأ؛ مما يعكس استمرار التحديات الهيكلية، التي تعاني منها هذه الدول؛ نتيجة النزاعات والصراعات السياسية المستمرة.

شهدت ليبيا تراجعًا في ترتيبها مقارنةً بعام 2023، حيث انخفضت درجتها من 18 إلى 13؛ مما يعكس تزايد مستوى الفساد، وتراجع قدرة المؤسسات على فرض سيادة القانون. إن هذا التراجع لا يشير فقط إلى تفاقم الفساد في مؤسسات الدولة، بل يعكس أيضًا غياب الإرادة السياسية لتنفيذ إصلاحات حقيقية. وعلى الرغم من الجهود المعلنة لمكافحة الفساد، فإن غياب الاستقرار السياسي واستمرار الانقسامات الداخلية، عرقل أي تقدم ملموس في هذا المجال.

يُعزى التراجع الملحوظ في ترتيب ليبيا على مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، إلى مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والمؤسسية. فمن الناحية السياسية، تعاني ليبيا من انقسامات حادة بين القوى المتنازعة؛ مما أدى إلى ضعف المؤسسات الرقابية، وغياب آليات فعّالة للمساءلة والمحاسبة، كما أن الصراعات الداخلية المستمرة، أسهمت في تفكيك الدولة، وإضعاف تطبيق القانون، الأمر الذي فتح المجال أمام تفشي الفساد على نطاق واسع.

اقتصاديًا، لا تزال ليبيا تعتمد بشكل أساسي على عائدات النفط كمصدر رئيسي للدخل، إلا أن غياب الاستراتيجيات الفعالة لإدارة هذه الموارد؛ أدى إلى استغلالها بطرق غير مشروعة. فالاقتصاد الريعي القائم على النفط يُسهّل تفشي الفساد، عبر سوء توزيع العائدات، وعدم وجود شفافية في إدارة الثروات الوطنية. بالإضافة إلى ذلك، يعاني القطاع العام من ضعف الرقابة المالية والإدارية؛ مما يسمح باستمرار ممارسات الفساد دون محاسبة حقيقية.

من الناحية المؤسسية، تواجه ليبيا غيابًا شبه كامل لمؤسسات مكافحة الفساد الفاعلة، إذ إن الهيئات الرقابية والقضائية تعاني من التدخل السياسي، وتدني الاستقلالية، وبالتالي ضعف الأداء، كما أن عدم توفر بيئة قانونية قوية، تُلزم الجهات الحكومية بالشفافية والمساءلة؛ يعيق أي جهود إصلاحية تهدف إلى الحد من انتشار الفساد.

شكل رقم (2) مقارنة وضع ليبيا مع الدول العربية في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024

المصدر: تقرير مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، منظمة الشفافية الدولية. متاح على الرابط التالي: https://www.transparency.org/en/cpi/2024

أسباب تراجع ليبيا في مؤشر مدركات الفساد

وفقًا لمؤشر مدركات الفساد لعام 2024، تُعد ليبيا واحدة من أكثر الدول فسادًا في العالم. وقد ساهمت عدة عوامل رئيسية في هذا التراجع، من أبرزها:

  1. الانقسام السياسي والصراع المسلح: يُعد النزاع المستمر بين الحكومات المتنافسة في الشرق والغرب، أحد أكبر العوامل التي ساهمت في تفشي الفساد. فقد أدى غياب سلطة مركزية قوية إلى ضعف آليات الرقابة والمساءلة؛ مما وفر بيئة خصبة لانتشار الفساد في مختلف مؤسسات الدولة.
  2. ضعف المؤسسات القضائية والرقابية: تعاني ليبيا من انعدام استقلالية القضاء، وضعف الهيئات الرقابية؛ مما أدى إلى تفشي الفساد دون رادع حقيقي. غياب المساءلة أدى إلى تفشي الفساد الإداري والمالي، مما سمح للفاسدين من الإفلات من العقاب بسهولة.
  3. سوء إدارة الموارد الاقتصادية: يشمل الفساد في ليبيا استغلال العقود الحكومية، وإهدار المال العام، والاختلاسات، لا سيما في قطاع النفط، الذي يمثل المصدر الأساسي للدخل الوطني. هذا الفساد يعرقل التنمية الاقتصادية، ويزيد من الأعباء المالية على الدولة والمواطنين.
  4. غياب الشفافية والمساءلة: لا تزال المؤسسات الحكومية تفتقر إلى الشفافية، حيث لا يتم نشر البيانات المالية بشكل دوري؛ مما يجعل من الصعب تتبع الإيرادات والنفقات العامة. هذا الغموض يعزز الفساد، ويعيق جهود الإصلاح الاقتصادي والإداري.
  5. التدخلات الخارجية وتأثيرها على الاستقرار: ساهمت التدخلات الإقليمية والدولية في تفاقم حالة عدم الاستقرار، حيث تدعم بعض القوى أطرافًا محلية تحقق مصالحها الخاصة؛ ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي، ويعرقل جهود مكافحة الفساد.
  6.  سيطرت القوى المسلحة على موارد الدولة: في ظل غياب حكومة مركزية فعّالة، تستغل القوى العسكرية النافذة، والميليشيات المسلحة، جزءًا من الموارد العامة، خاصة عائدات النفط لخدمة مصالحها الخاصة، بدلاً من توجيهها للتنمية، وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين.
  7. انتشار الاقتصاد غير الرسمي والرشوة: أدى ضعف مؤسسات الدولة، إلى ازدهار الاقتصاد غير الرسمي، حيث أصبحت الرِشى وسيلة ضرورية للحصول على الخدمات العامة. وقد أدى هذا الواقع إلى تطبيع الفساد، وجعله جزءًا من الحياة اليومية في مختلف القطاعات.

تداعيات الفساد على الاقتصاد والمجتمع الليبي

أدى امتداد الفساد إلى مختلف جوانب الحياة في ليبيا، إلى تأثيرات سلبية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، ومن أبرز هذه التداعيات:

  1. تدهور الخدمات العامة: يؤثر الفساد بشكل مباشر على جودة الخدمات الأساسية، مثل: التعليم، والصحة، والبنية التحتية، حيث يتم تحويل الأموال المخصصة لهذه القطاعات، إلى جيوب المسؤولين الفاسدين؛ مما يزيد من معاناة المواطنين.
  2. هروب الاستثمارات الأجنبية والمحلية: البيئة الاستثمارية في ليبيا غير مستقرة؛ بسبب الفساد المستشري؛ مما يدفع المستثمرين إلى البحث عن أسواق أكثر شفافية وأمانًا، وهو ما يحدّ من فرص النمو الاقتصادي والتوظيف.
  3. ارتفاع معدلات الفقر والبطالة: يؤدي الفساد إلى سوء توزيع الموارد العامة؛ مما يساهم في ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، حيث تتآكل الثروات الوطنية، دون أن تعود بالنفع على المواطنين.
  4. تراجع ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة: عندما تغيب المساءلة، وتستشري الرشوة؛ يفقد المواطنون الثقة في الحكومة؛ مما يؤدي إلى انتشار الشعور بالإحباط واليأس، ويزيد من حالة عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

توصيات تحسين مكافحة الفساد في ليبيا

يتطلب تحسين جهود مكافحة الفساد في ليبيا، إجراء إصلاحات جوهرية على عدة مستويات؛ لضمان تحقيق النزاهة والشفافية. ومن أبرز هذه التوصيات:

  1. إصلاح النظام القضائي وتعزيز استقلاليته: يمثل إصلاح القضاء حجر الأساس في مكافحة الفساد، إذ لا بد من ضمان استقلاله التام عن التدخلات السياسية، مع تفعيل آليات المحاسبة القانونية بحق المتورطين في قضايا الفساد.
  2. تعزيز صلاحيات الأجهزة الرقابية: ينبغي منح الهيئات الرقابية، مثل: ديوان المحاسبة، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، المزيد من الصلاحيات والاستقلالية؛ لمراقبة الأداء الحكومي، والكشف عن حالات الفساد، مع تفعيل آليات المساءلة الفعالة.
  3. تحسين إدارة الموارد النفطية: لضمان توزيع عادل لعائدات النفط، يجب وضع استراتيجيات واضحة؛ تضمن إدارة شفافة ومستدامة للموارد، والحد من استغلالها لصالح مصالح ضيقة، سواء من قبل الجهات الحكومية، أو الفاعلين في القطاع الخاص.
  4. تعزيز الشفافية والمساءلة: نشر التقارير المالية الدورية، وإتاحة البيانات المتعلقة بالإنفاق العام أمام المواطنين، يُعد خطوة ضرورية للحد من الفساد؛ ما يسهم في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
  5. تمكين الإعلام والمجتمع المدني: يجب دعم وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني؛ لتقوم بدورها في كشف الفساد، وزيادة الوعي حول آثاره السلبية، مع ضمان حرية التعبير، وحماية الصحفيين والناشطين، الذين يعملون على فضح الفساد.
  6. فرض عقوبات رادعة على الفاسدين: من الضروري تطبيق عقوبات صارمة بحق المسؤولين المتورطين في الفساد، بما في ذلك المحاكمات العلنية، والمصادرة الفورية للأموال المنهوبة؛ لضمان تحقيق العدالة، وردع الممارسات غير القانونية.
  7. تعزيز التعاون الدولي في مكافحة الفساد: يمكن الاستفادة من الخبرات والدعم الدولي في مكافحة الفساد، عبر التعاون مع المنظمات الدولية، وتطبيق الاتفاقيات الأممية ذات الصلة، وتطوير آليات لاسترداد الأموال المهربة خارج البلاد.

الخاتمة:

برغم الجهود المبذولة من مكتب النائب العام، في تعقب الفساد والمفسدين، إلا إن التقييم الدولي للفساد في ليبيا في تراجع، وقد يرجع ذلك إلى اتساع دوائر الفساد، وعدم التصدي للفساد في دوائره العليا، وبذلك صار الفساد من أكبر العقبات التي تواجه البلاد، إذ يُعيق تحقيق الاستقرار، والتنمية المستدامة، ويفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. إن استمرار تراجع البلاد في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024؛ يعكس الحاجة الملحة إلى إصلاحات شاملة؛ لتعزيز الشفافية والمساءلة، وضمان استقلالية القضاء، وتمكين الأجهزة الرقابية من أداء دورها بفعالية. ورغم صعوبة التحديات، فإن مكافحة الفساد ليست مستحيلة، بل تتطلب إرادة سياسية قوية، وتعاونًا وثيقًا بين الدولة والمجتمع المدني والمؤسسات الدولية، من خلال تبني استراتيجيات واضحة وفعالة، يمكن لليبيا أن تسير نحو مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة، حيث تُدار مواردها بشفافية، وتُحترم سيادة القانون؛ مما يمهد الطريق لإعادة الإعمار، وتحقيق التنمية المستدامة.