Skip to main content

زيارة عقيلة لقطر وافتتاح قنصلية تركية في بنغازي

بدا الأسبوع الأول من شهر فبراير أسبوعا نشطا من حيث التعاطي مع الملف السياسي الليبي على الصعيد الإقليم،  إذ تعد زيارة عقيلة صالح لقطر حدثا ذا دلالة  يضاف إليها زيارة وزيرة خارجية تركيا لطرابلس،  وافتتاح قنصلية في بنغازي بعد قطيعة لفترة طويلة.

كما تأتي زيارة الرئيس التركي للقاهرة في نفس مسار التقارب بين المعسكرين الذين وقعت بينهما نزاعات حادة، ويبدو الإقبال التركي على إذابة الجليد مع مصر وحلفائها في الشرق الليبي أكثر جدية ، غير أن التقارب لم يشمل خليفة حفتر الطرف الأقوى في المعادلة في شرق البلاد بل وحتى جنوبها.

عقيلة صالح في قطر

لم تكن  زيارة عقيلة صالح لقطر مفاجئة بالنظر إلى توجه مجلس النواب بخصوص المسار السياسي الليبي والدبلوماسية التي يتبناها لتحقيق غايات المجلس، ذلك أن زيارات رئيس مجلس النواب الخارجية تركزتحسب  ما نُقل عنه على محاولة إقناع من يصنفهم بداعمي حكومة الوحدة الوطنية الخارجيين برفع يدهم عن الحكومة ورئيسها الذي يعده عقيلة صالح خصمه السياسي الأول.

وتأتي زيارة رئيس مجلس النواب لقطر تلبية لدعوة قطرية من رئيس مجلس الشورى القطري حسين الغانم كما شملت زيارة عقيلة لقاءه برئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن.

من جهة ثانية، فإن دعوة قطر لرئيس مجلس النواب عقيلة صالح واستقباله بشكل رسمي في الوقت الذي لم تقدم دعوة مماثلة لرئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالى ، تدلل على اهتمام خاص من قبل الدوحة  تجاه ليبيا ونشاط جديد تجاه المعسكر الشرقي الذي اتخذ موقفا متشددا من الدوحة بعد الانقسام السياسي العام 2014م،  إذ اُستهدفت قطر واقصيت من الوجود في الشرق بعد حملة إعلامية مركزة سعت للربط بين السياسة القطرية والتنظيمات والجماعات الإسلامية في البلاد،  وتم منع الخطوط الجوية القطرية من العمل في مطار بنينا ببنغازي كما منعت قناة الجزيرة من العمل شرق البلاد منذ العام.

وقد سعت الدوحة  لكسر الجمود وتجاوز هذه القطيعة مع شرق البلاد عبر رعايتها لعدة مسارات تحت عنوان المصالحة الوطنية، واستقبلت شيوخ القبائل والفاعلين الاجتماعيين من الشرق عدة مرات في الدوحة ، إلا إن التقارب لم يقع إلا بعد التحول على صعيد العلاقات الاقليمية وتفكك الحلف الخليجي المصري ضد تركيا وقطر.

اهتمام عقيلة صالح بالقدوم للدوحة ربما يأتي من الاعتقاد أن حكومة الوحدة الوطنية تحظى بدعم قطري، وهو ما لا يمكن الجزم به، ويبدو أن هذا التقدير مستند على المجاوزة بين السياسة الخارجية التركية والسياسة الخارجية القطرية، فأينما تقف أنقرة تكون الدوحة.

مؤشرات عدة تؤكد أن حكومة الوحدة ورئيسها أقرب إلى الإمارات، والقرب من الإمارات يعني أن المسافة مع قطر ليست قريبة، فبرغم حلحلة عديد المشاكل بين البلدين ، إلا إن التنافس بينهما لا يزال قائما إلا إنه لا يأخذ شكلا صداميا.

المعلومات المتاحة تؤكد أن علاقة الدوحة وطرابلس ليست على ما يرام، إذ لم يتم استقبال عبدالحميد الدبيبة في جولته الخليجية التي ابتدأها بالكويت واختتمها بالإمارات، في مقابل تطور في العلاقة مع أبوظبي التي لعبت دورا في التقريب بين الدبيبة وحفتر، وتحاول أن تعزز مصالحها في قطاع النفط الليبي عبر مشروعات قيد البحث مع حكومة الوحدة الوطنية.

الدوحة تسعى أن لا تسوء العلاقة مع طرابلس، غير أن الموقف القطري لا يزال يتأثر بخصوصية  العلاقة مع الإمارات، وكانت مرونة حكومة الوحدة الوطنية في خطها السياسي الخارجي مع أبوظبي على حساب العلاقة مع الدوحة، مع عدم التقليل من أثر التحولات الاقليمية والتغيير في مواقف الدول التي كانت في مواجهة شديدة قبل سنوات قليلة، ففي هذا السياق يمكن فهم الاهتمام القطري بتحسين العلاقة مع مجلس النواب، وتبني سياسة تتسم بالتوازن مع طرفي النزاع الليبي.

هاكان فيدان يزور طرابلس بالتزامن مع افتتاح قنصلية تركية في بنغازي

تعد زيارة هاكان فيدان كوزير للخارجية هي الأولى إلى ليبيا منذ توليه هذا المنصب إلا أنها تأتي في سياق تركي مستمر يهدف إلى تعزيز الحضور في المشهد السياسي الليبي والذي هو اليوم في ذروته من الانقسام والجمود السياسي، ليس فقط بين الغرب والشرق، بل على مستوى الجبهة الغربية بعد اتساع الهوة بين مصرف ليبيا المركزي وحكومة الوحدة الوطنية، والذي من مظاهره تأخر اعتماد ميزانية العام الجاري  2024 ، والخلاف حول إدارة النقد الأجنبي والنفقات بالدولار.  

وقد حصر وزير الخارجية التركي لقاءته في حكومة الوحدة الوطنية بالإضافة إلى المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة دون اللقاء بالأطراف شرق البلاد رغم تقدم العلاقة مع مجلس النواب وحفتر، حتى أن زيارة فيدان تأتي بالتزامن مع إعادة افتتاح القنصلية التركية في بنغازي بعد إغلاقها لما يقارب العشر سنوات.

 من جانب آخر فإن زيارة فيدان تأتي بعد تحوير في العلاقات التركية الليبية لتشمل شرق البلاد بعد جفاء طويل،  ويأتي هذا التحول بعد الدفء في العلاقات المصرية التركية التي تبدو في حالة تقدم كبير خصوصا مع زيارة الرئيس أردوغان للقاهرة   مؤخرا.

المحرك الأساسي في العلاقات الخارجية التركية والتحولات التي تشهدها هو الاقتصاد بالدرجة الأولى، فملف الغاز والنفط في شرق المتوسط يرتهن بدرجة كبيرة للتفاهم مع مصر والشرق الليبي، أيضا خطة إعمار المدن التي تعرضت للدمار بسبب الحرب والفيضانات فرصة استثمارية مهمة، مع الأخذ في الاعتبار المصالح المصرية  في ملف إعادة الإعمار ذلك أن القاهرة تعتبره فضائها الذي لا يقبل المنافسة الحرة،  يتضح هذا من الحضور المكثف للشركات المصرية في تنفيذ مشروعات البناء والتشييد في شرق البلاد وغربها.

بالمقابل، فإن الأتراك يدركون أن حلفهم مع الجبهة الغربية يشكل ورقة مهمة في إدارة العلاقات وتعزيز المصالح محليا وإقليميا، ويحرصون على أن لا تسقط العاصمة ومدن الغرب في شرك الخلافات والتأزيم، حيث يملك هكان فيدان الثقل والنفوذ الذي يمكنه من التأثير على اتجاه الأحداث في العاصمة الليبية باعتباره ضليع في الأزمة الليبي منذ الهجوم الذي شنه حفتر على طرابلس العام 2019م.

تؤكد الزيارة في طياتها على أولوية الملف الليبي في السياسة التركية الخارجية والذي يكتسب  أهميته من الرغبة التركية في الحفاظ على وجودها في ليبيا  الممثل في الاتفاقية الأمنية والعسكرية واتفاقية ترسيم الحدود  التي يخشى الجانب التركي أن تتعرض للفسخ أو الإلغاء من الجانب الليبي في حال أي تغير سياسي شامل قد يطرأ على المشهد سواء عبر تفاهمات بتمرير تغيير حكومي أو الانتخابات، وبذلك فإن استمرارية الوضع الحالي وفتح الأبواب مع الشرق الليبي هي فرصة أخرى لتعزيز هذا الوجود الأمني والعسكري والاقتصادي .

خلاصة

يعكس الحراك الدبلوماسي والزيارات المتبادلة للأطراف السياسية في البلاد والوفود الاقليمية حالة إعادة التموضع السياسي التي باتت القوى الإقليمية ساعية فيها بعد الاصطفاف السياسي الإقليمي بعد العام 2017م وبعد التقارب التركي المصري وتحسن العلاقات بين تركيا ودول الخليج، والتي انعكست بشكل مباشر على المشهد السياسي الليبي. إذ أن التقارب بين كل من أنقرة والدوحة مع الجبهة الشرقية في ليبيا هو نتيجة لتطور  العلاقة بين كل منهما والقاهرة، كما انعكس تقدم العلاقات المصرية التركية على تقارب الأخيرة مع معسكر شرق البلاد في الأعوام الثلاثة الماضية وهو ما يؤكد تأثر المشهد السياسي الليبي بشكل كبير بالوضع الدولي والإرادات الإقليمية، إذ يقود النزاع الليبي إلى تعظيم دور ونفوذ الفواعل الخارجية فيه، وتفسح تناقضات الأطراف المحلية مجالا للتدخل الاقليمي والدولي وتمرير الأجندات والمصالح.