مقولة “بلد غني وشعب فقير”، التي تداولها مراقبون محليون وأجانب، قديمة تعود إلى عقود خلت، وحتى مع تضخم فاتورة الإنفاق العام منذ أكثر من عقدين، ذلك أن منحى الإنفاق العام في ارتفاع مستمر كل عام، حتى بلغ إجمالي النفقات للعام 2022م نحو 135 مليار دينار ليبي (ما يعادل 28 مليار دولار أمريكي)، فإن مستوى عيش الليبيين ما يزال متدنيا، يعكس ذلك متوسط الدخول ووضع الخدمات العامة التي تعاني تدهورا مستمرا.
وبرغم ارتفاع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة بلغت حوالي 18% في العام 2022م، وذلك بحسب تقديرات دولية، وهو الأعلى على مستوى القارة الإفريقية، وربما من أعلى معدلات النمو عالميا، إلا إن نحو ثلث الليبيين، خاصة في الجنوب، يعيشون عند مستوى خط الفقر أو أقل منه.
هذا الوضع مرشح للتفاقم، ذلك أن الوضع السياسي والأمني فوضوي، كما أن هيكل الاقتصاد معيب ولا يعمل لصالح تقويض المعادلة المختلة، التي هي دخل عام كبير ومستوى فقر بالغ، بل يتجه إلى تكريسها أكثر فأكثر.
الوضع السياسي والأمني المتردي يفسح المجال للفاسدين لتعظيم مكاسبهم، فالفساد صار من أكبر أسباب ضياع الثروة الليبية، أما هيكل الاقتصاد المعيب الذي يرتكز على القطاع العام في التوظيف، والإيرادات العامة وخزانة الدولة في الإنفاق، فسيظل الوعاء لاستقبال عشرات الآلاف من المتدفقين لسوق العمل سنويا الذين تقذف بهم الجامعات والمعاهد العليا والمتوسطة ومن المتسربين منها قبل إكمال دراستهم، ما يعني زيادة النفقات العامة في ظل إيرادات ثابتة وإنتاجية محدودة.
هذا الوضع المَرَضِي تعود أسبابه إلى عقد الثمانينات الذي ألغيت فيه معظم الأنشطة الاقتصادية الخاصة بعد تبني النظام السابق توجهات اشتراكية في إدارة الاقتصاد، وأصبحت فيه الدولة هي المسؤول عن كافة أنشطة الإنتاج والتوزيع، الأمر الذي رفع من فاتورة الإنفاق الحكومي وجعل ذلك الإنفاق عبءا كبيرا على مورد اقتصادي واحد هو النفط.
غير أن الوضع ازداد تدهورا خلال العقد الماضي وذلك لدخول الأسباب السياسية والأمنية خطَّ الأزمة، ذلك أن الفوضى الراهنة تحبط أي جهد لإصلاح الخلل الاقتصادي وتفرض الاستمرار في الإنفاق مع ثبات الإيرادات، بل وحتى تدنيها تبعا لتأثير الأسباب السياسية والأمنية.


