عقبات مستجدة أمام خارطة الطريق
مقدمة
أعلنت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة يوم 21 اغسطس 2025، عن خارطة طريق لعملية سياسية تفضي الى انتخابات عامة، خلال مدة تتراوح من 12 شهرا إلى 18 شهرا ، انقضت منها 6 أشهر دون تحقيق تقدم يذكر ؛ مما دعا السيدة هانا تيتيه في إحاطة 19 ديسمبر إلى الإعلان لمجلس الأمن عن انسداد أمام تنفيذ المرتكز الأول من الخارطة، المتعلق بتنظيم مفوضية الانتخابات، و الإطار القانوني للانتخابات؛ نتيجة عدم وفاء المجلسين بالتزاماتهما، مؤكدة عزمها على تقديم آلية بديلة خلال إحاطتها في فبراير المقبل، بما يضمن المضي قدماً في تنفيذ هذه الخارطة، إلا أنّ تصاعد الخلاف بين المجلسين، بعد إحاطة 19 ديسمبر حول تشكيل مفوضية الانتخابات ؛ أدى إلى تشظيها إلى عدة مفوضيات، بالإضافة إلى بروز خلاف قانوني حول شرعية المجلس الأعلى للقضاء، على خلفية إصدار الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بجلستها المنعقدة يوم 28/1/2026 حكماً أبطل القانون الصادر عن مجلس النواب، القاضي بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء .
رصد العقبات المستجدة
- تصاعد خلاف المجلسين حول المفوضية
عند تأسيس البعثة لخارطتها على الخيار الأول من خيارات اللجنة الاستشارية، المتعلق بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية، جعلت تنظيم مفوضية الانتخابات ضمن المرتكز الأول من الخارطة المتسلسلة. ولما كان التوصل إلى توافق بين مجلسي النواب والدولة عملية بالغة الصعوبة لعدة أسباب لا مجال لذكرها، تشظٌت المفوضية أثناء انخراط لجان المجلسين بشأنها الى عدة مفوضيات.
الأولى -مفوضية انتخابات: استكمل مجلس النواب شواغرها بقرار أصدره بجلسته المنعقدة بتاريخ 29/12 /2025، معللا قراره بخروج تظاهرات ببعض المدن بالمنطقة الشرقية، طالبت بإجراء الانتخابات الرئاسية في أسرع وقت.
الثانية -مفوضية الانتخابات: شرع مجلس الدولة في إعادة تشكيلها عبر انتخاب رئيس لها في جلسته المنعقدة بتاريخ 5 يناير 2026، تلاها تعيين الأعضاء الثلاثة الآخرين في جلسة 12 يناير 2026. وقد ساق المجلس مسوغات لهذا الإجراء مستندا إلى مرجعيات سياسية وقانونية، شملت: اتفاق بوزنيقة المتعلق بالمناصب السيادية، والاتفاق الخاص بتنظيم المفوضية الموقع بين رئيسي البرلمان ومجلس الدولة في أكتوبر 2025، بالإضافة إلى الاتفاق المبرم برعاية البعثة الأممية في نوفمبر 2025، بين ممثلي لجان المناصب السيادية التابعة للمجلسين.
الثالثة -المفوضية الحالية: أكدت البعثة الأممية في إحاطتها المؤرخة في 19 ديسمبر أن المفوضية الحالية، رغم غياب تمثيل المنطقة الشرقية فيها، لا تزال تمتلك النصاب القانوني الذي مكنها من إدارة الانتخابات المحلية بنجاح. وفي بيان لاحق صدر في 6 يناير 2026، جددت البعثة عزمها على مواصلة العمل معها كشريك فني أساسي.
يرى متابعون للأزمة الليبية أن إقحام تنظيم المفوضية ضمن “خارطة الطريق”؛ أدى إلى انحرافها عن دورها كمؤسسة سيادية فنية محايدة، لتتحول إلى ساحة للتجاذبات السياسية المزمنة، بين مجلسي النواب والدولة حول العملية الانتخابية وسبل تنفيذها. ولم يتوقف الخلاف عند حد التشظي الهيكلي بانتظار حلول تعيد تماسك المؤسسة وضمان حياديتها، بل اتجه نحو مزيد من التصعيد المؤسسي.
في تطور لافت، وجهت المفوضية رسالة إلى مجلس النواب في 30 نوفمبر 2025، أعلنت فيها جاهزيتها لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في شهر أبريل المقبل، شريطة توفر الإمكانيات المادية اللازمة. جاء ذلك ردا على خطاب من رئيس مجلس النواب، طالب فيه بتنفيذ الانتخابات وفق القوانين المحالة إليها.
وعززت المفوضية هذا التوجه ببيان صدر في 8 ديسمبر 2025، أعلنت فيه رفع درجة الجاهزية الفنية والإدارية لتنفيذ قوانين مجلس النواب رقم (27) و(28) لسنة 2023 بشأن انتخاب رئيس الدولة ومجلس الأمة، والمحالة إليها منذ أكتوبر 2023، محددة منتصف أبريل موعدا للانطلاق. وضمن هذا المسار الإجرائي، أصدرت المفوضية القرارات (251، 252، 253) لسنة 2025 المتعلقة بلائحة الطعون والمنازعات الانتخابية، واعتماد اللائحة التنظيمية لتحديث سجل الناخبين.
اعتبر مراقبون للشأن الليبي أن المفوضية، بانخراطها في تنفيذ طلبات مجلس النواب، قد تحولت إلى “طرف سياسي” في النزاع، خاصة وأن المجلس أبقى على رئاسة المفوضية الحالية مع الاكتفاء بسد الشواغر في عضويتها. وفي المقابل، بادر مجلس الدولة بخطوات مضادة، حيث عقد اجتماعات مكثفة مع الأعضاء الجدد الذين عينهم من طرفه؛ بهدف البدء في إجراءات التسليم والاستلام، مما يكرس حالة الانقسام المؤسسي ويعقد مشهد العدالة الانتخابية.
- المجلس الأعلى للقضاء
حافظ المجلس الأعلى للقضاء على دوره كجهة قضائية مستقلة، ضمانة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، تحظى بنتائج معترف بها، حيث تولى بنجاح الإشراف القانوني على كافة مراحل الانتخابات التشريعية السابقة.
بدأ المشهد بالتعقد عقب صدور قانون من مجلس النواب، يقضي بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، وهو ما استتبع تقديم طعون دستورية ضده. وقد أصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا حكماً يقضي ببطلان التشكيل الحالي للمجلس، مما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية والسياسية. وانقسمت الآراء بين مؤيد لحكم الدائرة الدستورية، وبين تيار يرى عدم مشروعيته استنادا إلى قانون إنشاء المحكمة الدستورية العليا الصادر عن البرلمان، والذي يعتبره البعض قد سحب الاختصاص من الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا.
يرى مهتمون بالشأن الليبي أن هذا الانقسام القضائي، يمثل عائقا كبيرا أمام تنفيذ خارطة طريق البعثة الأممية، خاصة في ظل حالة التمرد المؤسسي على الأحكام القضائية. وقد تجلى ذلك في صدور بيانات عن رؤساء محاكم استئناف ترفض حكم الدائرة الدستورية، وصولا إلى الاجتماع الذي عقده رؤساء محاكم الاستئناف مع رئيس مجلس النواب في 4 فبراير، حيث أكدوا تمسكهم بالمجلس الأعلى للقضاء الحالي وشرعيته.
اتخذ الخلاف منحىً أكثر تأزما بصدور بيان عن المجلس الأعلى للقضاء بتاريخ 5 فبراير، دعا فيه كافة الأطراف للوقوف إلى جانب المجلس الحالي ضمانا لوحدة، واستقلال السلطة القضائية. وشدد المجلس في بيانه على أنه سيظل الممثل الشرعي الوحيد للهيئات القضائية، معلنا استمراره في أداء مهامه، في إشارة صريحة إلى عدم الاعتراف بحكم الدائرة الدستورية القاضي ببطلانه ورفض تنفيذه.
خيارات البعثة لتجاوز العقبات المستجدة
مواجهة عقبة تشظي المفوضية:
دفع ارتفاع حدة الصراع حول المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، والذي أدى إلى انقسامها المؤسسي، بالبعثة الأممية إلى إصدار بيان في 6 يناير 2026، طالبت فيه مجلسي النواب والدولة بوقف التصعيد والامتناع عن اتخاذ أي إجراءات أحادية، محملة إياهما مسؤولية هذا الانقسام، كما حثت البعثة المفوضية على التمسك بمبدأ الحياد، معلنة في الوقت ذاته استمرار تعاملها مع “المفوضية الحالية”. وفي إطار المساعي الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، أجرت الممثلة الخاصة لقاءات مع رئيس مجلس النواب في 8 يناير، ورئيس المجلس الأعلى للدولة في 12 يناير، شددت خلالهما على ضرورة الحفاظ على وحدة واستقلالية المفوضية. رصد متابعون لأداء البعثة نشاطا مكثفاً منذ إحاطة 19 ديسمبر، حيث أشارت البعثة إلى عزمها التشاور مع أعضاء “الحوار المهيكل” لاستعراض توصياتهم بشأن تنفيذ الخطوات الأولى من خارطة الطريق، ويهدف هذا التحرك إلى إيجاد بدائل قادرة على تجاوز حالة الانسداد السياسي والعقبات المستجدة.
ورغم تأكيدات البعثة المتكررة بأن “الحوار المهيكل” ليس هيئة لصنع القرار، وأن هدفه يقتصر على وضع مبادئ توجيهية لبناء الدولة، وتهيئة الظروف السياسية للانتخابات، إلا أن مخرجات جولات الحوار الأخيرة كشفت عن منحى مختلف؛ فوفقاً لما نشرته البعثة عبر منصاتها الرسمية:
جولة 11-15 يناير: أطلق أعضاء مسار الحوكمة نقاشات معمقة حول الاتفاق السياسي اللازم؛ لتمهيد الطريق نحو الانتخابات الإطار الانتخابي النهائي، بالإضافة إلى بحث مسألة إعادة تشكيل المفوضية.
جولة 1-5 فبراير: تركزت النقاشات – بالاستناد إلى قوانين لجنة (6+6) ومخرجات اللجنة الاستشارية – حول القضايا الرئيسية التي تعيق المسار الانتخابي، بما في ذلك استكمال تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات ومعالجة الجمود في الإطار التشريعي.
اعتبر مراقبون للشأن الليبي أن انخراط “الحوار المهيكل” في قضايا مثل: تشكيل المفوضية. والإطار الانتخابي يمثل تحولا في مهام هذا المسار؛ إذ إن هذه القضايا تقع ضمن اختصاص المرتكز الأول لخارطة الطريق، ولم تكن أصلا ضمن صلاحيات مسار الحوار المهيكل، الذي صُمم ليكون موازيا للمسارات الأخرى، وليس بديلا عنها في الملفات السيادية والتشريعية.
عقبة انقسام المجلس الأعلى للقضاء:
مما لا شك فيه أن إجراء الانتخابات، في ظل وجود خلافات قضائية عميقة تتعلق بشرعية المجلس الأعلى للقضاء، يمثل تهديدا مباشرا لمصداقية العملية الانتخابية وقبول نتائجها. وانطلاقا من الإيمان بضرورة وجود قضاء موحد ومنزه عن التجاذبات السياسية؛ لضمان إرساء مصالحة وطنية عادلة، أُدرج ملف السلطة القضائية كأحد القضايا المحورية في مسار المصالحة ضمن الحوار المهيكل.
رصد متابعون لأعمال الحوار المهيكل، تناول أعضاء مسار المصالحة لتداعيات الأزمة القضائية على العملية السياسية؛ حيث ناقش المشاركون باستفاضة خلفيات الأحكام المتضاربة، الصادرة عن الدائرة الدستورية في طرابلس والمحكمة الدستورية في بنغازي. وحذر الأعضاء من أن هذه التطورات لا تؤدي فقط إلى عرقلة الانتخابات، بل تقوض بشكل خطير ثقة الجمهور في نزاهة المؤسسات والعملية السياسية برمتها.
انتهت مداولات هذا المسار إلى إجماع الأعضاء على أن وجود قضاء موحد ومستقل، يعد شرطا أساسيا – ضمن اشتراطات أخرى – لإجراء انتخابات حرة وذات مصداقية، ويرى المشاركون أن استمرار الانقسام القضائي؛ سيحول دون توفر المرجعية القانونية اللازمة للفصل في الطعون والنزاعات الانتخابية، مما يضع خارطة الطريق الأممية أمام تحدٍّ وجودي.
ختاماً:
صرحت البعثة الأممية، عقب اختتام الجولة الثانية من “مسار الحوكمة”، بأن المشاركين استعرضوا خيارات العمل السياسي المتاحة، سواء بالتنسيق مع المجلسين النواب والدولة، أو عبر مسارات بديلة في حال استمرار الانسداد، مع تقديم توصيات عملية لكل سيناريو. كما شدد المشاركون على الأهمية المحورية للإحاطة المرتقبة للممثلة الخاصة للأمين العام أمام مجلس الأمن. وفي خطوة تعكس حشداً للدعم الدولي، اجتمع أعضاء مسار الحوكمة، رفقة المبعوثة الأممية، بمجموعة العمل السياسية المنبثقة عن عملية برلين لتنسيق الرؤى حول المرحلة المقبلة.
السيناريوهات المحتملة لتجاوز الانسداد:
إن تراكم العقبات المستجدة وحالة الجمود المؤسسي، قد يدفعان البعثة إلى تفعيل خيارات حاسمة، أبرزها:
- الدعوة لحوار سياسي جديد: اللجوء إلى المادة (64) من الاتفاق السياسي اتفاق الصخيرات، وبالاستناد إلى مظلة عملية برلين، للدعوة إلى جولة حوار سياسي محددة زمنيا؛ يهدف هذا الحوار إلى صياغة توافق وطني، يضمن تنفيذ المرتكزين الأول والثاني من خارطة الطريق الأممية.
- الاسترشاد بمخرجات المسارات الموازية: أن تتبنى البعثة التوصيات الصادرة عن مسار الحوكمة فيما يتعلق بالعملية السياسية، وتوصيات مسار المصالحة الوطنية بشأن توحيد هيكلية القضاء، لتشكل نواة للحل البديل.
- تفعيل الخيار التأسيسي: اللجوء إلى الخيار التأسيسي كأحد المخرجات الرئيسية للجان المشكلة، في حال استنفاد كافة سبل التوافق مع الأجسام التشريعية الحالية.



