بعد مرور أكثر من عام من تكليف مجلس النواب لفتحي باشاغا برئاسة الحكومة؛ صوت مجلس النواب بالأغلبية على إيقاف باشاغا وإحالته للتحقيق وتكليف وزيرة المالية، أسامة حماد، برئاسة الحكومة مؤقتا. الإقالة جاءت دون مقدمات أو تدافع مسبق بين باشاغا ومجلس النواب، بل إن الدعوة إلى جلسة مجلس النواب تمت دون جدول أعمال وفي غياب رئيس المجلس، كما أن فتحي باشاغا لم يستدع للتحقيق ولو لمرة واحدة منذ تكليفه برئاسة الحكومة، ما يطرح أسئلة عديدة عن سياق الإقالة ودلالاتها.
أسباب إيقاف باشاغا
بحسب عضو مجلس النواب جبريل أوحيدة فإن إيقاف باشاغا راجع إلى إخفاقاته وتجاوزاته وعدم وفائه بوعوده؛ موضحا أنهم أصبحوا يتوجسون من تصرفاته، ومن ذلك تواصله مع حكومة الوحدة الوطنية، حسب أوحيدة.
تعتبر تصريحات أوحيدة الأولى من نوعها في اتجاه إدانة الحكومة واتهامها بالتقصير والفساد والإخلاف بالتعهدات خصوصا أن التحول في الموقف تجاه باشاغا يبدو مفاجئا إذ لم يتبع هذه الجلسة استدعاءات للوزراء أو التحقيق معهم، بل إن مجلس النواب لم يعرف بعد التجاوزات التي تم على أساسها إيقاف باشاغا وإحالته للتحقيق.
انعقدت جلسة مجلس النواب دون ترأس عقيلة صالح للجلسة ما قد يشي بتحفظ عقيلة على الإجراءات المتبعة تجاه فتحي باشاغا، خصوصا أن العلاقة بين الرجلين أخذت منحى التحالف مذ اشترك باشاغا وعقيلة في قائمة موحدة بملتقى الحوار السياسي المنعقد بجنيف، وهو ما يفهم من تصريحات عثيلة صالح لقناة العربية عقب قرار إيقاف باشاغا.
مجلس النواب ونفوذ حفتر
يذهب مراقبون إلى أن الإرادة التي أدت لإيقاف فتحي باشاغا تتجاوز عقيلة صالح في إشارة لحفتر ونفوذه داخل مجلس النواب عبر عدد من الأعضاء الداعمين للقيادة العامة. ولقد كان عضو مجلس النواب، علي التكبالي، صريحا في إلقاء اللوم على “القوات المسلحة” في ضغطها على عدد من النواب لتمرير قرار إيقاف باشاغا وإحالته للتحقيق منتقدا المجلس في السير خلف نافذين في الجيش حتى صار المجلس لا يملك “زمام نفسه” حسب تعبير التكبالي.
من معطيات التي يعتمد عليها توجيه الاتهام للقيادة العامة فيما يتعلق بإيقاف باشاغا هو تكليف أسامة حماد برئاسة الحكومة مؤقتا؛ إذ أن ولوجه للمشهد السياسي جاء بناء على تمثيله لحفتر في حكومة الوفاق الوطني، كما أن تهم إهدار المال العام والفساد تطاله كما تطال باشاغا باعتباره وزيرا للمالية.
كما أن زيارة بالقاسم حفتر صحبة أسامة حماد لعقيلة صالح في مقر إقامته حملت الدلالات والإشارات نفسها؛ فبالقاسم حفتر هو من يمسك بزمام الملف السياسي داخل “القيادة العامة” وشارك في ملتقى الحوار السياسي في جنيف ورافق عقيلة صالح في زيارته إلى دولة قطر.
وبحسب مراقبون فإن مسارات حفتر وعقيلة وإن التقت في توجهها العام إلا أنها تتباين في تفاصيل عديدة، وبالرغم من التقاء الطرفين في حجب الثقة عن حكومة الدبيبة واستبدالها بحكومة باشاغا، إلا أن مواقفهما اليوم متباينة تجاه حكومة باشاغا.
جاء تكليف باشاغا برئاسة الحكومة من قبل مجلس النواب كفرصة بالنسبة لحفتر لاختراق المنطقة الغربية التي تخضع لسلطة حكومة الوحدة الوطنية والتي ظل حفتر ينظر إليها كخصم للقوات المسلحة بعد رفض ادبيبة التخلي عن حقيبة الدفاع وإسناد الوزارة لأحد الموالين لحفتر.
إلا أن فشل فتحي باشاغا في محاولات دخوله للعاصمة جعل رهان حفتر على باشاغا خاسرا وهو ما مهد الطريق للتقارب بين الدبيبة وحفتر بعد القطيعة بينهما.
تقارب بين الدبيبة وحفتر
تتحدث مصادر عن تفاوض جاد يجري بين ممثلين لخليفة حفتر وأخرين عن عبد الحميد الدبيبة، وتداول البعض أخبارا عن تعديل وزاري بحكومة الوحدة الوطنية يستوعب مطالب حفتر بخصوص استلام وزارات في الحكومة على رأسها الدفاع والخارجية دون أن يتأكد توصل الطرفان إلى اتفاق.
عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي صرح أن المفاوضات الجارية في القاهرة تتعلق بتشكيل حكومة موحدة مرجحا أن يستمر عبد الحميد الدبيبة على رأس الحكومة مع تعديل في الوزارة.
ومن غير المستبعد أن يمضي عبد الحميد الدبيبة في هذا النوع من الصفقات السياسية والتي تطيل عمر حكومته ذلك أنها تزيل عن كاهله الضغط الكبير الذي مارسه مجلس النواب بتكليف حكومة منافسة هددت سلطته في العاصمة.
وتذهب عديد التحليلات إلى أن قرار إيقاف باشاغا وإحالته للتحقيق دلالة عن نضج التفاهمات بين الدبيبة الوحدة وحفتر، كما يصب التوافق، في حال تأكيده، في صالح الدبيبة بعد أن أصبح باشاغا في وضع سياسي لا يحسد عليه إذ أنه قد خسر جزء لا يستهان به من شعبيته وقواعده الاجتماعية.
يمكن النظر إلى التقارب المحتمل بين الدبيبة وحفتر على أنه تقارب بين الطرفين الأكثر نفوذا وسطوة على الأرض والأكثر فاعلية من الناحية السياسية إلا أنه سيكون تقارب حذرا ومؤقت، فبناء الثقة بين الطرفين بعد خلاف وقطيعة لن يكون بالسهولة التي كانت عليها الأمور يوم انتخاب قائمة المنفي + الدبيبة في جنيف عام 2021.
على المستويين الدولي والإقليمي، فإن التقارب بين حفتر والدبيبة سيكون خيارا مريحا للاطراف الاقليمية، المصرية والتركية والإماراتية، وغير المرجح أن تعارضه العواصم الغربية الفاعلة، فالاجتماعات بين ممثلي القوى العسكرية والأمنية في الغرب والشرق كانت بالقاهرة، كما استقبل الدبيبة، عشية إيقاف باشاغا، وفد مصري ممثل عن جهاز المخابرات ، ما يرجح أن الإيقاف يأتي في سياق تقارب بين القاهرة وطرابلس، ومعلوم العلاقة بين حكومة الوحدة الوطنية والامارات، ولن تجد أنقرة سيناريو أفضل يخدم مصالحها.
مستقبل الانتخابات
يشكل تقارب الدبيبة وحفتر تحديا مباشرا لإجراء الانتخابات، ذلك أن تطور العلاقة بين الطرفين كفيل بأن يضفي على المشهد شكلا من أشكال الاستقرار الموهوم على حساب تغيير المشهد السياسي واستبدال الأجسام الراهنة بأخرى تكتسب شرعيتها من صناديق الانتخابات .
كما لا يمكن النظر إلى هذا التقارب بالمعزل عن الظروف الدولية والإقليمية والأولويات الغربية، خصوصا مع نشاط المرتزقة الروس في الحرب الدائرة بالسودان متخذين ليبيا نقطة رئيسية في الإمداد والدعم، وهو ما قد يرجئ أولوية الانتخابات لصالح المواجهة مع فاغنر في الجنوب الليبي، والذي يتطلب حسب التوصيف الأمريكي قوة مشتركة من الشرق والغرب تعترف بسلطة القيادة العامة وشرعية حكومة الوحدة الوطنية.
هذا المسار قد ينتهي إلى تعثر الانتخابات التي كان من الراجح إجرائها في موعد أقصاه نهاية العام الجاري؛ بالمقابل فإنه لا يمكن الجزم بأنه مسار متماسك، ويعزز من فرضية عدم تماسكه عدم التوصل إلى اتفاق حاسم في اجتماع القاهرة.
خلاصة
يمكن النظر إلى إيقاف فتحي باشاغا وإحالته للتحقيق على أنه خطوة فارقة محملة بدلالة سياسية في اتجاهات عديدة؛ منها فشل رهان حفتر على باشاغا والتقارب بين حفتر والدبيبة واحتمال الاتفاق على تعديل وزاري يستوعب مطالب حفتر.
ما يرجح فرضية تفاهم حفتر والدبيبة حاجة كافة الأطراف إلى التقاط أنفاسها بعد أن أنهكتها المواجهة وسباق عض الأصابع، وهو ما قد يعطي فسحة لحكومة الوحدة في حال تأكد خروج باشاغا من المشهد السياسي.
هذا السيناريو سيكون على حساب التعجيل بالانتخابات، وسيكون السيناريو محتملا جدا إذا فارز الرئيس التركي رجب أردوغان بفترة رئاسية ثانية، ففوزه سيعزز من التقارب المصري التركي، وينهي الانقسام الحكومي وما ترتب عليه من تداعيات.
أما إذا تعثر التقارب بين حفتر والدبيبة، فسيكون المشهد مفتوح أمام سيناريو المواجهات أو سيناريو الانتخابات، وسيعتمد ترجيح أحداهما على الآخر على الموقف الإقليمي والدولي وتقارب الأطراف الاقليمية والدولية من عدمه.



