Skip to main content

مقدمة

أسهم الصراع بين الفرقاء الليبيين في إضعاف المؤسسات العامة وتراجع أدائها، وتظهر تقارير جهات الاختصاص حول أداء المؤسسات العامة أنها تعاني مشاكلَ تعود إلى التفلت وعدم الانضباط وتدني الإنتاجية وارتباك العلاقات داخلها وضعف تواصلها مع المستفيدين من إنتاجها أو خدماتها.

وبالرجوع إلى أوضاع المؤسسات السيادية كالمحكمة العليا والمصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والمؤسسة الليبية للاستثمار وديوان المحاسبة وجهاز الرقابة الإدارية وهيئة مكافحة الفساد، جميعها تعرضت لهزات وأزمات ارتبطت بالصراع السياسي الحاصل. فقد وقعت المحكمة العليا تحت الضغوط، وأُوقف عمل الدائرة الدستورية بها بحجة عدم الانجرار إلى الاصطفاف السياسي، وكان وما يزال المصرف المركزي أحد أهم أسباب النزاع، حيث أقيل المحافظ دون تنفيذ لقرار الإقالة، وتأسس مصرف مركزي موازٍ في الشرق، كذلك تعرضت مؤسسة النفط لضغوط بسبب محاولة استمالتها من قبل المتنازعين، وكان التغيير في رئاستها ضمن صفقة سياسية بين حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة للجيش التابع لمجلس النواب، وشهدت الرقابة نزاعا على رئاستها وهو الحال ذاته الذي واجهته هيئة مكافحة الفساد.

أزمة جديدة حول صلاحيات الديوان والرقابة الإدارية

أعلنت مصادر إخبارية ونشطاء قانونيون وسياسيون أن مجلس النواب قام في جلسته الأخيرة بسحب بعض الصلاحيات من ديوان المحاسبة وإسنادها إلى جهاز الرقابة الإدارية. ويتعلق التعديل، بحسب المعترضين، بإسناد الرقابة القبلية والمصاحبة للعقود المبرمة من قبل الحكومة لجهاز الرقابة الإدارية بعد أن كانت اختصاصا أصيلا لديوان المحاسبة.

لم ينشر مجلس النواب التعديلات على صفحته الرسمية، وورد على لسان الناطق الرسمي باسم مجلس النواب، عبد الله بليحق، اعتماد النواب إضافة بعض الأحكام للقانون رقم 20 لعام 2013 بشان إنشاء هيئة الرقابة الإدارية، دون تفصيل.

الخلفية القانونية والإدارية للنزاع

عمم رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، مطلع الشهر الجاري فتوى صادرة عن إدارة القانون على الجهات العامة التابعة للحكومة، تتعلق باختصاص ديوان المحاسبة حصريا بالمراجعة المالية وفرض الرقابة المصاحبة، وطالب رئيس الحكومة الوزارات والهيئات الحكومية والمؤسسات العامة التابعة للحكومة بالتعامل حصرا مع موظفي الديوان دون غيره. وقصر التعميم اختصاص هيئة الرقابة الإدارية على بعض الإجراءات المتعلقة بالمخالفات والجرائم المالية بعد وقوعها.

هيئة الرقابة الإدارية احتجت على التعميم واعتبرته مخالفا للقانون مطالبة بضرورة خضوع كافة الجهات والمؤسسات التنفيذية، من رئاسة حكومة ووزارات ومؤسسات عمومية، لرقابتها واعتبرت أن الاستجابة لتعميم رئيس الحكومة سيخضع أصحابة للمسألة القانونية.

الهيئة اعتبرت تعميم رئيس الحكومة لا ينطوي فقط على مخالفة صريحة لقانون إنشاء الرقابة الإدارية، بل يحمل قدرا كبيرا من الخطورة وانحرافا كبيرا عن المقصد المرجو من فتوى إدارة القانون المشار إليها، وأن القرار يحرض على إخفاء المعلومات الواجب إبلاغ الهيئة عنها ويعرض فاعله للمساءلة القانونية.

الخلاف له وجه قانوني، فقد استند رئيس حكومة الوحدة الوطنية على فتوى من إدارة القانون، فيما تقول الرقابة الإدارية إن إدارة القانون تجاوزت حدود التفويض في اختصاص منح الفتوى القانونية لطالبها وصادمت قانون هيئة الرقابة الإدارية وأن كل أنواع الرقابة تدخل ضمن اختصاصات الهيئة، وأنه بموجب أحكام المادة 24 من قانون إنشاء الهيئة رقم 20 لسنة 2013 فإن من صلاحيات الهيئة تحقيق رقابة إدارية فعالة على الأجهزة التنفيذية في الدولة ومتابعة أعمالها للتحقق من مدى تحملها مسؤولياتها وأدائها واجباتها في مجالات اختصاصاتها وتنفيذها القوانين واللوائح.

مبررات إدارية وتهم صريحة

من ضمن سياق احتجاج الرقابة الإدارية على فتوى إدارة القانون بخصوص قصر الرقابة المصاحبة على الأعمال الإدارية والفنية على ديوان المحاسبة، ورد الاتهام بتلكؤ ديوان المحاسبة وتأخره في قفل الحسابات العامة بالمخالفة لأحكام القانون المالي للدولة ولائحة الميزانية والحسابات، وهو ما دفع الهيئة إلى التدخل منعا لترسيخ ثقافة الإفلات والتنصل من العقاب التي تسعى الحكومة جاهدة إلى ترسيخها بمؤسسات الدولة.

موقف ديوان المحاسبة

لم يصدر عن ديوان المحاسبة رد مباشر حول قرار مجلس النواب بخصوص الرقابة القبيلية والمصاحبة وإسنادها للرقابة الإدارية، وفُهمت تدوينة لرئيس الديوان، خالد شكشك، على أنها موقف من قرار مجلس النواب آنف الذكر. والتدوينة قوية في مضمونها دون تصريح مباشر بأن المقصود هو التطورات الأخيرة، فقد تحدثت عن عموم الفوضى وانتشار الفساد وتهديد مصالح الوطن ووضع مستقبل الأجيال على المحك وعن ضرورة المواجهة. لكن لتوقيت التدوينة دلالته، ذلك أنها جاءت بعد يوم من قرار مجلس النواب، والقرار يتعلق بالديوان وصلاحياته، والقادة يدركون أن التصريح في هكذا أوقات وهكذا خلافات لا يمكن إلا أن يكون في صلب الموضوع وقلب الحدث.

الديوان والرقابة القبلية والمصاحبة

الديوان يعتبر الرقابة القبلية والمصاحبة اختصاص أصيل لا جدال حوله، وورد على لسان رئيس الديوان أن القانون يمنحهم صلاحية التدخل وفرض رقابة مصاحبة في حال احتمال وقوع ضرر قد يلحق بالمال العام. ومارس الديوان الرقابة القبلية أو المصاحبة بشكل فعال، حيث خضعت 40 مؤسسة عامة حتى العام 2022م لذلك النوع من الرقابة وذلك عندما تبين للديوان أن تلك المؤسسات وقعت في مخالفات كبيرة.

ويتبع الديوان آلية خاصة بضوابط مشددة عند تطبيق الرقابة القبلية أو المصاحبة منها الفصل بين الجهات المعنية بمسألة الرقابة المصاحبة، بحيث لا تسند الرقابة المصاحبة للإدارة التي أوصت بها لوجود تجاوزات لدى الجهة الخاضعة للرقابة من قبل الديوان، ويحال الملف للجنة مركزية مختصة بتحديد لجنة رقابة مصاحبة تتولى البحث والتقصي للتأكد من مدى الحاجة لرقابة مصاحبة، على ألا تتجاوز مدتها 3 أشهر، والاستثناء في تجاوز هذه المدة محدود لأسباب قوية.

اجتماع له دلالة

بعد يوم من صدور قرار مجلس النواب، وقع اجتماع عالي المستوى ضم رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، ورئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك، ومحافظ المصرف المركزي، الصديق الكبير وذلك لمتابعة سير تنفيذ مشروعات التنمية للعام 2022م، ومستهدفات الحكومة بخصوص مشروعات التنمية للعام 2023م.

وقد اتُّفق على الاستمرار في استكمال المشروعات الجارية  التي تمت الموافقة عليها من قبل الديوان، والشروع في حصر المشروعات المستهدف استكمالها أو التعاقد عليها خلال العام الجاري مع مراعاة تحقق الشروط والضوابط المتفق عليها مسبقا من بينها التوزيع الجغرافي وتحقق المنفعة لكافة الأقاليم والمدن الليبية. وجاء في الخبر حرص المجتمعين على إنجاز مشروعات التنمية في المدد المحددة لها بالشروط التعاقدية والإجرائية التي انتهى إليها ديوان المحاسبة، وفي التأكيد على دور الديوان في التعاقدات وشروطها وإجراءاتها دلالة صريحة تتعلق بموقف مجلس النواب من هذا الملف.

السياسية في الخلاف حول صلاحيات الديوان والرقابة

بدا الخلاف حول صلاحيات الديوان والرقابة الإدارية سياسيا بامتياز، وبحسب مراقبين فإن المقاربة التي جعلت من اختيار رئاسة الجهازين تقوم على المحاصصة الجهوية هي التي فجرت النزاع خلال النقاش. فالرقابة الإدارية من حصة مجلس النواب، وديوان المحاسبة يحدد رئيسه المجلس الأعلى للدولة، ومعلوم الخلاف بين المجلسين. وبحسب بعض التفسيرات، فإن مجلس النواب أراد حرمان حكومة الوحدة الوطنية من الاستئثار بصلاحية التعاقدات حول المشروعات التنموية التي بلغت ما يزيد عن 17 مليار دينار في العام 2022م، ومن المتوقع أن تتجاوز هذا الرقم بالعام 2023م التي يملك ديوان المحاسبة صلاحية الرقابة عليها منفردا، وذلك بإسناد الصلاحية للرقابة الإدارية التي بالقطع سيكون رئيسها مواليا لمجلس النواب.

خلاصة

النزاع يأخذ صورا عديدة وقبيحة، ومع اشتداد الخصومة يتفنن أطراف النزاع في ابتكار بدائل ووسائل تعظم مكاسبهم وتعزز مصالحهم وتضيق على مكاسب الخصوم ومصالحهم، ومع استفحال الأزمة يبتعد المتنازعون مسافة في النأي بأنفسهم ومصالحهم عن الآخر، وتكون النتائج مزيدا من الصراع والانقسام ومزيدا من تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية.