عقد مجلس الأمن 18 فبراير جلسة روتينية متعلقة بليبيا، قدمت خلالها مبعوثة الأمين العام إحاطتها الدورية عن المستجدات السياسية والاقتصادية والأمنية والحقوقية والقانونية، وتعتبر الإحاطة الرابعة لها منذ إعلانها عن خارطة الطريق. شهدت الجلسة حضور مستشار الإدارة الأمريكية للشؤون العربية الإفريقية مسعد بولس، ما عكس اهتمام الإدارة الأمريكية بإدارة الأزمة الليبية، وعكس أيضًا تبديد الانزعاج المنسوب لسيدة هانا تيتيه، والمسرَّب من حوارية أجرتها مع نشطاء ليبيين عبر التواصل الافتراضي، مفاده أن وجود مسار أمريكي موازٍ أدى إلى عدم التزام الأطراف السياسية بالوفاء بتعهداتهم، وتنفيذ ما أُلقي على عاتقهم.
التمهيد للخارطة وللمسار الأمريكي
خارطة البعثة بدأ العمل على إعدادها بديسمبر 2024، وذلك بتصريح البعثة عن عزمها تشكيل لجنة استشارية لمعالجة قوانين لجنة 6+6 ، وبمطلع فبراير 2025 شكّلت لجنتها الاستشارية لتستغرق البعثة 7 أشهر من الأعمال مهدت لاكتمال الخارطة والإعلان عنها. بالمقابل، وأثناء ذلك، كانت الإدارة الأمريكية تعمل على إطلاق رؤيتها المتعلقة بالمسارين الأمني والاقتصادي كضرورة تسبق الحل السياسي. وفي العشرين من أبريل، زارت السفينة (يو إس إس ماونت ويتني) ميناءي طرابلس وبنغازي، تحمل نائب قائد الأسطول السادس والسفير ريتشارد نورلاند المبعوث الخاص إلى ليبيا، لتتوالى بعدها زيارات قائد الأفريكوم ونائبه؛ بهدف وضع اللبنة الأولى لتوحيد المؤسسات العسكرية شرقًا وغربًا، ثم جاءت أول زيارة للمستشار مسعد بولس الأولى لليبيا يوليو 2025؛ بهدف العمل على المسار الاقتصادي. متابعون للشأن العام الليبي يرون أن الإدارة الأمريكية، بالرغم من علمها بتفاصيل خارطة البعثة قبل الإعلان عنها، فضّلوا المضي بالعمل على توحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية كأساس للحل السياسي، بينما البعثة اتجهت إلى العمل على إزالة العوائق، أمام إجراء الانتخابات كأساس للحل السياسي.
مقاربة الإدارة الأمريكية والبعثة للحل السياسي
الولايات المتحدة:
مقاربة الإدارة الأمريكية الحالية قائمة على حث المسؤولين الليبيين على القيام بتوحيد المؤسسات الاقتصادية والأمنية لتحقيق الاستقرار، ولتوفير بيئة مناسبة للحوكمة وإجراء الانتخابات. فعلى المسار الأمني أجرت قيادة الأفريكوم لقاءات بليبيا مع كافة المسؤولين العسكريين الفاعلين بالمنطقة الغربية والشرقية، بالإضافة إلى استضافتهم بالولايات المتحدة. فكانت باكورة الأعمال الهادفة لتوحيد المؤسسات العسكرية الإعلان عن مشاركة عسكرية من المنطقة الشرقية والغربية بالتدريبات، التي ستجريها أمريكا بسرت أبريل القادم، ضمن المناورة المسماة فلينتلوك. أما فيما يتعلق بانخراط الأطراف السياسية بالمسار الاقتصادي الأمريكي، استضافت الولايات المتحدة عديد المرات وفدًا رفيع المستوى ممثلًا لحكومة الوحدة الوطنية، كما استضافت لأكثر من مرة محافظ مصرف ليبيا المركزي ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط، كما استقبلت نجل القائد العام خليفة حفتر، بالإضافة إلى الزيارات التي قام بها مسعد بولس شرق ليبيا وغربها، والوساطات التي أجراها بين إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر بروما وباريس؛ بهدف توحيد الحكومة، وتقاسم مخصصات التنمية، ومساهمته بتوقيع اتفاق البرنامج التنموي الموحّد، وصولًا لتوقيع شركات أمريكية لعقود استثمار، وتوقيع تفاهمات مبدئية في مجال النفط. متابعون للأزمة الليبية أرجعوا إعلان رئيس حكومة الوحدة عن إجراء تعديل وزاري على حكومته، ثمرة من ثمار وساطات مسعد بولس.
مقاربة البعثة للحل السياسي:
البعثة هدفت بخارطتها إلى إيجاد حل سياسي متمثل بإجراء الانتخابات، حيث خصصت المرتكز الأول من خارطتها لتنظيم مفوضية الانتخابات، وتوافق المجلسين على قوانينها، وخصصت المرتكز الثاني لتشكيل حكومة موحّدة تشرف على الانتخابات، ومرتكزًا ثالثًا موازيًا للمرتكزين الأولين، معنيًا بتوفير بيئة مناسبة لإجراء الانتخابات، من خلال توصيات غير ملزمة؛ تنتج من حوار مهيكل يناقش في أربع مسارات قضايا الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان. يُلاحظ أنه بعد مضي قرابة 200 يوم على البدء في تنفيذ الخارطة، تعثر توافق المجلسين على متطلبات إجراء الانتخابات، وباتت أبعد مما كانت عليه قبل الإعلان عن الخارطة. فمفوضية الانتخابات تشظّت، وممثلو مجلسي النواب والدولة المعنيون بالتوافق على قوانين الانتخابات تمت تسميتهم ولم يجتمعوا، بالتالي امتنع النقاش حول المرتكز الثاني من الخارطة، المعني بتشكيل حكومة جديدة. بل إن المجلس الأعلى للقضاء، الذي كان خارج دائرة الصراع السياسي، والمعني بشكل مباشر بالإشراف القانوني على مختلف مراحل الانتخابات، أصبح مهددًا بالانقسام على خلفية أزمة أحكام قضائية صدرت عن الدائرة الدستورية قضت ببطلان تشكيله. وبالإضافة إلى أن مجلس النواب دعا مفوضية الانتخابات لإجراء الانتخابات بأسرع وقت، وقيامه برصد ميزانية للمفوضية، التي بدورها أصدرت عدة قرارات متعلقة بأولى مراحل الانتخابات، غير أنها لم تُفعّل. متابعون للأزمة الليبية رصدوا فشل جهود البعثة لإيجاد توليفة جديدة لمجلس المفوضية، حيث اصطدمت بتمسك رئاسة مجلس الدولة بمن انتخبهم، بحجة أنه التزم بمتطلبات خارطة الطريق، وملتزم بما قرره أكثر من 100 عضو بجلستي انتخاب رئيس المفوضية، والأعضاء الثلاثة المخول بتعيينهم. وفي هذا الصدد رجّح متابعون لأعمال المفوضية، على خلفية معلومات تحصلوا عليها، تفيد بتوقع احتمالية انتقال رئاسة المفوضية الحالية للمنطقة الشرقية، حال أقدمت سلطات المنطقة الغربية على مباشرة إجراء تسليم واستلام المفوضية، ورجّحوا أيضًا أن حكومة الوحدة الوطنية لم تأذن لوزارتي الداخلية والمالية بما لهما من مهام أمنية ومالية، من المشاركة في التوقيع على محضر الاستلام المفوضية؛ لكي لا تتصادم مع جهود البعثة المتعلقة بتنظيم مفوضية الانتخابات.
الخارطة والمسار الأمريكي من التباين إلى التكامل:
مقاربة البعثة للحل السياسي اتجهت لإجراء الانتخابات، بالاعتماد على توافق المجلسين حول قوانينها، وتنظيم المفوضية، وتشكيل حكومة؛ كخطوات لازمة لإكمال مراحل الخارطة، أما مقاربة الدبلوماسية الأمريكية، فقائمة على حث الفاعلين الحقيقيين في الشرق والغرب، على توحيد المؤسسات الاقتصادية والأمنية؛ لتحقيق الاستقرار المطلوب، للوصول إلى حكومة منتخبة. هذا التباينُ -كما يرى مراقبون-كان محور اجتماعٍ عُقد في طرابلس في 25 يناير، ضمَّ كلاً من السيدة هانا تيتيه ونائبتها للشؤون السياسية ستيفاني خوري، مع مسعد بولس، ونائب وزير الخارجية لشؤون شمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية، والقائم بأعمال السفارة الأمريكية. ناقش الجانبان، كما نُشر على صفحة البعثة الرسمية، الأوضاع السياسية والخارطة بما في ذلك الحوار المهيكل، وتبادل الجانبان الآراء بشأن أهمية اضطلاع ليبيا بإصلاحات حاسمة؛ لتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي والمالي، وبناء ثقة المستثمرين، مشيرين إلى أن ذلك سيسهم في دعم مزيد من الازدهار للشعب الليبي. يعتقد متابعون للأزمة الليبية أن الاجتماع أنتج نوعاً من التكامل بين خارطة البعثة والمسار الأمريكي، ظهر ذلك جلياً في إعلان البعثة، خلال إحاطتها الأخيرة، عن آلية بديلة بمقاربة تتألف من خطوتين: تشكيل مجموعة مصغرة تعكف على إنجاز المهمتين الأوليين من الخارطة، وفي حال عدم توصل المجموعة إلى اتفاق، سيكون من الضروري توسيع الدائرة على نحو يمكّن من تنفيذ الخارطة، دون الإعلان عن ماهية المجموعة، مع عدم تحديد مدة زمنية لإنجاز مهامها. اعتبر مراقبون لأنشطة البعثة أنَّ آليتها القائمة على خطوتين ليست إلا تكراراً للجان سابقة لم يكتب لها النجاح؛ مما سيأخر عمل البعثة على الحل السياسي المباشر وفق المرتكزين الأولين من الخارطة، لصالح العمل على توحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية وفق الرؤية الأمريكية، التي أطلع المستشار مسعد بولس مجلس الأمن عليها خلال مشاركته في جلسة 18 فبراير؛ حيث توافق ما طرحه -وفقاً لمهتمين بالشأن العام-مع خاتمة إحاطة الممثلة الخاصة للأمين العام. المتمثل بقولها: (من المهم أن تتكامل جهودنا الجماعية، بما في ذلك المبادرات الثنائية، في التصدي للمخاطر الاقتصادية والأمنية الجسيمة)، في إشارة من البعثة للتعاطي مع المسار الأمريكي على أنه ثنائي يخدم العمل الجماعي.
خاتمة
الإدارة الأمريكية الحالية تتعامل مع الأزمات الدولية بما يحقق منافعها الاقتصادية في مدد زمنية قصيرة، تمنح خلالها فرصة يسيرة للأطراف المتنازعة لتسوية خلافاتهم، فإن فشلوا تضغط بما لها من نفوذ لأجل إحداث التسويات، متجاوزة في كثير من الأحيان المنظمات الدولية بما فيها مجلس الأمن، وليبيا ليست استثناء. فطرح الولايات المتحدة حلًا للأزمة الليبية متوقع، ويصعب التكهنُ بالأساس الذي سيقوم عليه الحل السياسي، إن طُرح، خصوصًا في ظل ما يشهده محيطنا الإقليمي من توترات متسارعة، انتجت تحالفات مهمة، كالتنسيق المستحدث بين تركيا ومصر والسعودية بالمنطقة، وهي دول حليفة للولايات المتحدة، وبلا شك سيكون لها دور بمشاركة أمريكية لحلحلة الأزمة الليبية.



