تمثل الانتخابات التركية البرلمانية والرئاسية المنعقدة يوم الرابع عشر من مايو أهم حدث انتخابي في تركيا منذ عدة عقود إذ أن نتائج هذه الانتخابات لن تحدد مستقبل تركيا فحسب، بل مستقبل المنطقة والملفات التي تشتبك السياسة الخارجية التركية معها اليوم.
تتوجه الأنظار إلى تركيا باعتبارها قوة صاعدة وفاعلا رئيسا في رسم الخارطة السياسية للمنطقة نتيجة للطموح والإرادة السياسية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان؛ والذي يبدو أنه يواجه أكبر تحد في مسيرته السياسية في ظل هذه الانتخابات التي تختلط فيها توجهات الناخبين وانعكاسات عوامل عدة على اختياراتهم أهمها الوضع الاقتصادي الذي تعانيه تركيا بسبب التضخم وغلاء الأسعار وملف اللاجئين، خاصة السوريين.
بالمقابل، فإن المكاسب التي تحققت إبان حكم أردوغان لا يمكن أن تتجاوزها الشريحة الأكبر من النخابين ما يجعل هذه الانتخابات استثنائية في نتائجها وتوقيتها كما يجعلها استثنائية في الآثار التي ستترب عليها.
الانتخابات التركية واللحظة السياسية
تعد انتخابات الــ14 من مايو هي أبرز تحدي يمر بحزب العدالة والتنمية والرئيس أردوغان منذ وصولهم للسلطة قبل عشرين عاما تقريبا إذ أن حدة الاستقطاب السياسي في البلاد غير مسبوقة، فقدت شهدت المعارضة تكاتفا هو الأول من نوعه انتهى إلى تشكيل الطاولة السداسية، وهي المرة الأولى التي تجتمع فيها أحزاب المعارضة خلف مرشح رئاسي واحد.
أيضا تأتي الانتخابات التركية في ظروف سياسية وتحولات كبرى تمر بها منطقة الشرق الأوسط بل والعالم، فالحروب التي تجري والتقاطعات بين أطراف إقليمية ودولية، والاتجاه إلى تغيير النظام العالمي برمته، كل هذا ليس بعيدا عن السياسة التركية ويجعل تركيا طرفا مهما فيه.
أبرز الاتجاهات والنتائج المتوقعة
تشير أبز استطلاعات الرأي إلى تقدم أردوغان وتحالفه كما أن مقاعد حزب العدالة والتنمية رغم تراجعها لا تزال هي الأولى بفارق مريح عما يلحقها من قوائم حزبية، إلا أن فرص المعارضة في الفوز لا يمكن الاستهانة بها خصوصا مع استغلال سخط الرأي العام جراء ارتفاع الأسعار والتبرم من الأعداد الهائلة من المهاجرين والوافدين الأجانب، ما يجعل التوقع لنتائج الانتخابات لا يخرج عن الخيارات الثلاثة الآتية:
- فوز أردوغان وكتلة اتفاق الجمهورية من الجولة الأولى وهو الخيار الذي يبدو الأقرب
- فوز مرشح المعارضة وتحالف الشعب وهو الخيار الذي سيكون مفاجأة مدوية
- فوز أردوغان وتعثر اتفاق الجمهورية في حصد الأغلبية البرلمانية وهو خيار وارد
السياسة الخارجية التركية في ظل نتائج الانتخابات المتوقعة
تعد السياسة الخارجية التركية في العشرين سنة الماضية سياسة فارقة بفعل المقاربة التي تبناها الرئيس ومكنته منها القفزة الاقتصادية والعسكرية وما نتج عنها من تأثير سياسي استطاعت تركيا كسبه كقوة صاعدة في المنطقة. فقد استطاعت تركيا في ظل قيادة العدالة والتنمية فرض نفسها كقوة رئيسية في الشرق الأوسط كما أن اتجاهات السياسة الخارجية التي تم تبنيها في العقدين الماضيين عززت من حالة الاتصال التركي بالمحيط الإسلامي والعربي بعد قرن من القطيعة والاتجاه غربا وهي السياسة التي تبناها مؤسس الجمهورية التركية منذ قيامها العام 1923م.
بناء على سيناريو فوز أردوغان بالانتخابات ستستمر السياسة الخارجية في الاشتباك مع الواقع السياسي في المنطقة أكثر.
إلا أنها ستكون أكثر تماسكا واستقرارا ذلك أن نتائج الانتخابات ستمنح الحكومة الراحة في الحركة وتفتح الخيارات على مصراعيها أمامها بعد أن كانت في حالة توجس وتحفظ قبيل هذه الانتخابات.
في حال فوز المعارضة ومرشحهم كلش دار أوغلو فإن السياسة الخارجية التركية ستشهد تحولا كبيرا وهو ما دعا إليه برنامج المعارضة بوضوح من منطلق أن الحكومة الحالية تورط البلاد في ملفات هي أكبر من تركيا، وأن الوجود التركي العسكري في كل من ليبيا وسوريا والصومال وقطر والعراق لا فائدة من وراءه عليه وأثار حفيظة أطرافا عديد إقليمية ودولية، فإن كمال أغلو يرى ضرورة مغادرة القوات التركية لكل هذه المناطق والنأي بتركيا عن بؤر التوتر التي وضعها فيها أردوغان.
كما أنه من المتوقع أن تتراجع فاعلية تركيا الخارجية التي كانت حاضرة عبر عدة مؤسسات رسمية كوقف الديانات ومؤسسة تيكا والمؤسسات الإغاثية التي كانت تمثل الوجه الناعم لتركيا في سياستها الخارجية.
ليبيا في قلب انعكاسات الانتخابات التركية
تعد ليبيا إحدى أهم الدول في السياق السياسي الخارجي التركي بناء على عوامل اقتصادية وسياسية، بل وتاريخية أيضا، كما أن العلاقات السياسية الليبية قد دخلت منعطفا بفعل الظروف السياسية المحلية والاقليمية والدولية والتي نتج عنها الاتفاقية الأمنية العسكرية بين المجلس الرئاسي الليبي والجمهورية التركية عام 2019.
كما يعد ترسيم الحدود البحرية علامة فارقة في العلاقة بين البلدين والتي أشعلت ملف الحدود البحرية شرق المتوسط، وهو ما تبدو تركيا ماضية في حله عبر محاولة استمالة مصر وتحسين علاقاتها معها بعد خلاف وقطيعة امتدت لعقد من الزمان.
المضي في تفاهمات مع القاهرة هو أبرز ما سينعكس على ليبيا في حال فوز أردوغان واستمرار سياسة تجاوز فخاخ شرق المتوسط، ويبدو ظاهريا أن الأتراك ماضون في حلول جذرية تخص الوضع في ليبيا قد تكون آثارها واضحة في تقديم التوجه المصري كتوجه مقبول بالإضافة إلى تعاون متوقع لتمرير صفقات سياسية محلية تأحذ في الاعتبار مطالب صالح عقيلة صالح وخليفة حفتر، ويعتمد كل هذا على مدى مرونة القاهرة في إعادة النظر في موضوع ترسيم الحدود البحرية مع تركيا.
وفي حال فوز المعارضة فإن عدد من المراقبين يرون أن فرص اندلاع حرب في ليبيا محتمل جدا استغلالا للارتباك الذي سيعصف بالسياسة التركية، ذلك أن التعاطي السياسي التركي مع الشأن الإقليمي عموما والشأن الليبي خصوصا لن يكون بنفس المستوى من التأثير والأقتراب، فأردغان يضغط لمنع الحرب وسيطرة طرف على مفاصل الدولة والاتفاق بين الفرقاء السياسيين، أما أوغلو فسيسلك سبيل الانسحاب من المشهد.
خلاصة
سترسم الانتخابات التركية الجارية مستقبل المنطقة برمتها فإما أنها ستعزز حضور القيادة الحالية في حركتها الخارجية المؤثرة وإما أن تغلق الباب على نفسها وتفقد التأثير الذي أتى حصاد لعقدين من السياسة الخارجية التراكمية التي مكنت تركيا من ملأ الفراغات والتي تبدو أن المعارضة التركية تحبذ أن تتركها في حال فوزها.
في كل الحالات فإن ليبيا ستتأثر بشكل مباشر بأي النتيجتين في الانتخابات ففي حال استمرار قيادة تركيا الحالية في موقعها فإن التقارب المصري التركي سيلقي بضلاله على الأوضاع في ليبيا كما هو متوقع وسيدفع المسار السياسي إلى منتهاه.
وفي حال فوز المعارضة فإن المشهد الليبي سيعاني من حالة عدم توازن ما قد يؤدي لاشتعال الحرب من جديد والاتجاه إلى مزيد من التأزيم.



