تجسد الحالة الأمنية في جنوب ليبيا نموذجاً مركباً لانعدام الاستقرار المزمن، حيث تتداخل فيه العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ لتنتج بيئة هشة تتسم بتعدد بؤر الصراع وغياب الضبط المؤسسي الفاعل. فمنذ عام 2011، شهدت المنطقة تراجعاً حاداً في قدرة الدولة على بسط سيطرتها، ما أفضى إلى تفكك البنى الأمنية والخدمية بها، وفتح المجال أمام تصاعد النزاعات المحلية، وانتشار أنشطة الاقتصاد غير المشروع “الاقتصاد الأسود”، وفي مقدمتها التهريب بمختلف أشكاله. ورغم أن الجنوب ظل تاريخياً على هامش التفاعلات السياسية المركزية في الدولة الليبية، فإن التحولات التي أعقبت سقوط النظام السابق؛ أعادت تشكيل موقعه ليصبح عاملاً مؤثراً في معادلة الأمن القومي الليبي، بل ومصدراً مهماً لتهديدات عابرة للحدود، تطال دول الجوار والفضاء الأوروبي شمال المتوسط.
ويواجه اليوم الجنوب الليبي بشطريه الشرقي والغربي، مرحلة مفصلية من عدم الاستقرار طويل الأجل “الإستراتيجي”، حيث تحولت المنطقة إلى عقدة استراتيجية ومنصة إمداد رئيسية في قلب صراعات إقليمية ممتدة، وعلى رأسها الحرب الدائرة في السودان. فمنذ اندلاع الصراع السوداني في أبريل من العام 2023، برزت مؤشرات متزايدة حول دور فاعل لقوات الشرق الليبي “القوات التابعة إلى خليفة حفتر” في دعم “قوات الدعم السريع”، وهو ما وثقته بشكل مفصل المسودة المسربة من تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا والتابع للأمم المتحدة لعام 2025، كاشفاً عن شبكات معقدة من التنسيق العسكري واللوجستي.
ولقد أدى هذا التنسيق، الذي شمل استخدام قواعد جوية ومهابط طائرات، مثل مهبط الكفرة وقاعدة الخادم العسكرية لنقل العتاد والمرتزقة، إلى تغيير موازين القوى ميدانياً في السودان، بتعزيز مواقع سيطرة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وفي الوقت ذاته، فرض واقعاً أمنياً جديداً على ليبيا.
إن تحول الجنوب والشرق الليبي إلى “طوق نجاة” لوجستي، ورئة تتنفس منها قوات الدعم السريع لم يكن صدفة تكتيكية، بل هو جزء من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وسعي قوى دولية وإقليمية لإنشاء “حزام أمني وسياسي” يمتد من دارفور إلى الساحل الإفريقي؛ مما يهدد بتقويض سيادة الدولة الليبية، وتعميق انقسام مؤسساتها.
يهدف هذا التقرير الأمني إلى تفكيك أبعاد هذا التحالف العابر للحدود، بين القوات التابعة لخليفة حفتر وقوات الدعم السريع “حميدتي”، من خلال تحليل آليات الدعم اللوجستي والعسكري، وتتبع مصالح الأطراف الدولية المستفيدة من استمرار هذا المحور. كما يسلط الضوء على التداعيات الوخيمة لهذا النشاط على الاستقرار الديموغرافي والاقتصادي في الجنوب، وما يترتب عليه من تنامي لأنشطة الجريمة المنظمة، مثل تهريب الذهب والوقود، وتأثير ذلك على ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية وأخيراً، يقدم التقرير رؤية استراتيجية وتوصيات عملية للتعامل مع هذه الانتهاكات التي تهدد الأمن القومي الليبي والإقليمي على حد سواء.
أولًا: تحليل أبعاد التنسيق العسكري واللوجستي وتطوره
تشير تقارير دولية وإعلامية، أبرزها من ميدل إيست آي، إلى استمرار تدفق دعم عسكري ولوجستي إماراتي لقوات الدعم السريع السودانية عبر شرق ليبيا وجنوبها، بتسهيل من قوات خليفة حفتر، وتحديداً نجله صدام، لاستخدامه في حرب السودان. حيث يعتمد هذا الممر على مطارات ليبية مثل الكفرة، وينقل الوقود والأسلحة. رغم الضغوط الإقليمية لوقف الدعم عبر ليبيا. وقد أوردت المسودة المسربة من التقرير الصادر عن لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن خلال العام 2025، دور عائلة حفتر بإشراف صدام حفتر على عمليات شحن الوقود والمعدات العسكرية من ليبيا إلى قوات الدعم السريع في دارفور.
كما يتم نقل الأسلحة والمعدات من الإمارات إلى مطارات في شرق ليبيا، ومنها إلى الكفرة (جنوب شرق) ثم عبر الحدود إلى داخل السودان.
ويهدف هذا الدعم إلى تعزيز سيطرة الدعم السريع على غرب السودان، حيث تكمن الأهمية الاستراتيجية لغرب السودان (دارفور وكردفان) في كونه عمقاً أمنياً وجغرافياً للبلاد، فهو يربط السودان بدول الجوار (ليبيا، تشاد، أفريقيا الوسطى، جنوب السودان)، مما يجعله ممراً تجارياً وعسكرياً بالغ الحساسية. كما يعد الإقليم مخزناً للموارد الطبيعية (الذهب، والنفط، والثروة الحيوانية) ومحوراً للتفاعلات القبلية والسياسية المؤثرة على الاستقرار وتُعد قوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، لاعباً عسكرياً رئيسياً في غرب السودان، حيث تشكّلت بدايةً كميليشيا محلية عرفت باسم “الجنجويد”، قبل أن تتحول خلال سنوات إلى قوات الدعم السريع، إحدى أبرز الجماعات المسلحة في السودان. وتسيطر على مناطق واسعة في دارفور وكردفان منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023، هذا من جانب. وتأمين نفوذ إماراتي في المنطقة من جانب آخر. ورغم أن مصر والسعودية تمارسان ضغوطاً على حفتر لإيقاف هذه الإمدادات، وسط تقارير عن نقل مرتزقة وتدفق أسلحة مستمر، إلا أن الدعم بحسب تقارير لجنة الخبراء الدولية، لازال مستمراً.
فقد كشفت المعطيات الميدانية والتقارير الدولية لعام 2025، “بحسب التقرير الدولي، لجنة الخبراء” أن مناطق جنوب وشرق ليبيا تحولت إلى قاعدة عسكرية متقدمة، ومنصة إمداد رئيسية لقوات الدعم السريع في السودان. ويتخذ هذا التنسيق أبعادًا استراتيجية وعملياتية دقيقة:
- الجسر الجوي والبري: برز مهبط الطائرات في مدينة الكفرة (جنوب شرق ليبيا) كـ “طوق نجاة” للدعم السريع، حيث سجلت بيانات تتبع الرحلات هبوط ما لا يقل عن 105 طائرات شحن، بين أبريل ونوفمبر 2025، نقلت أسلحة ومرتزقة.
- دعم القدرات النوعية: لعب الإسناد المنطلق من الشرق الليبي دوراً حاسماً في تغيير موازين القوى، من خلال توفير طائرات مسيرة، وأجهزة تشويش، واتصالات متطورة؛ مما ساهم بشكل مباشر في سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر في أكتوبر 2025.
- الإمداد بالوقود: وثقت التقارير تدفقاً مستمراً لوقود الديزل والبنزين المهرب من مناطق سيطرة “الجيش الوطني” الليبي إلى الدعم السريع؛ مما مكن الأخير من تنفيذ عملياته التكتيكية والمناورة داخل إقليم دارفور. وقد تطورت العلاقة بين القوات التابعة لخليفة حفتر وقوات الدعم السريع من مجرد تنسيق حدودي إلى شريان حياة استراتيجي، بعد خسارة الدعم السريع لمواقع في العاصمة الخرطوم، حيث أصبح الجنوب الليبي العمق اللوجستي البديل لمشروع الكيان الانفصالي في دارفور.
ثانيًا: المشهد الإقليمي والأطراف المستفيدة
يتشكل هذا المحور ضمن صراع نفوذ إقليمي ودولي معقد، تتقاطع فيه مصالح قوى تسعى لإعادة هندسة المنطقة:
- روسيا (الفيلق الأفريقي): تضع روسيا ليبيا في قلب استراتيجيتها الجديدة، خاصة بعد خسارتها حليفها بشار الأسد في سوريا. لربط مناطق نفوذها من ميناء طبرق إلى أفريقيا الوسطى والساحل الإفريقي. وتستخدم موسكو علاقاتها مع خليفة حفتر ومحمد حمدان دقلو “الدعم السريع” لتأمين الموارد والالتفاف على العقوبات الغربية. حيث تشير التقارير إلى وجود تحركات روسية مكثفة لتعزيز نفوذها في ليبيا عبر دعم قوات خليفة حفتر، مما يمثل التفافاً واضحاً على العقوبات الغربية، وحظر السلاح المفروض من قبل الأمم المتحدة. تعتمد هذه الاستراتيجية على مزيج من الوجود العسكري المباشر، والشبكات اللوجستية السرية، والتعاون الاقتصادي لتثبيت الأقدام في شرق وجنوب البلاد.
وأبرز آليات الالتفاف الروسي على العقوبات تمثلت في الآتي:
- زيادة الوجود العسكري والدعم التقني: عززت روسيا وجودها العسكري في ليبيا بدعم القوات التابعة إلى خليفة حفتر، عبر مقاتلين (فاغنر سابقاً أو “الفيلق الأفريقي” حالياً) ومعدات عسكرية متطورة؛ ما أثار قلق واشنطن وقد يدفعها ذلك للتفكير في فرض عقوبات جديدة.
- اتفاقيات تعاون عسكري استراتيجي: تم توقيع اتفاقيات عسكرية بين روسيا وقيادة حفتر، تمثلت في زيارات متبادلة، كان أبرزها زيارة خالد حفتر، الذي يشغل الآن منصب رئيس الأركان العامة لقوات خليفة حفتر إلى موسكو لتوقيع اتفاقيات تعاون استراتيجي؛ مما يعزز التبعية العسكرية لروسيا.
- شحنات سلاح غير مشروعة: تم رصد محاولات لتهريب أسلحة روسية عبر المتوسط، منها ضبط شحنات مشبوهة في موانئ إيطالية كانت متجهة إلى طبرق. فقد أكدت تقارير إعلامية ودولية قيام السلطات الإيطالية بضبط شحنات مشبوهة، تضمنت أسلحة وطائرات مسيرة، كانت متجهة إلى شرق ليبيا (منطقة بنغازي/طبرق) في يوليو 2024، في إطار خرق حظر التسليح المفروض على ليبيا. ففي يوليو 2024، ذكرت صحيفة “التايمز” البريطانية ووكالات أخرى أن السلطات الإيطالية احتجزت 3 حاويات في ميناء “جويا تاورو” جنوب إيطاليا، كانت تحمل طائرات عسكرية بدون طيار من طراز “Wing Loong” قادمة من الصين. فقد تبين أن الطائرات، التي تم تمويهها على أنها أجزاء من توربينات رياح، كانت متجهة إلى ميناء بنغازي في شرق ليبيا. وتمت عملية الضبط بناءً على بلاغ من المخابرات الأميركية، وتمت مصادرة المسيرات التي يعتقد أنها كانت موجهة لقوات حفتر في الشرق الليبي. كما رصدت عملية “إيريني” الأوروبية بانتظام رحلات مشبوهة تنتهك حظر السلاح متجهة إلى ليبيا، وقد سجلت تقاريرها العديد من الخروقات خلال العامين الماضيين.
- استخدام “أسطول الظل” والشبكات الوسيطة: تستخدم روسيا أساليب خادعة للالتفاف على العقوبات، بما في ذلك طرق شحن غير مباشرة، وشبكات تهريب احترافية، وشحنات مموهة (مثل إخفاء طائرات بدون طيار ضمن شحنات توربينات رياح).
- محاولات تهريب النفط: تشير تقارير دولية إلى محاولات لبيع النفط الليبي خارج القنوات الرسمية في الفترة ما بين 2018-2021، واستخدام شركات وسيطة لإخفاء هذه العمليات.
- الأبعاد السياسية والاستراتيجية
يسعى حفتر من خلال هذه الشراكة إلى تعزيز قدراته العسكرية، والتي بدورها تعزز قدرته التفاوضية، بينما تهدف روسيا إلى تحويل ليبيا إلى قاعدة للنفوذ الروسي في أفريقيا والمتوسط، لما لليبيا من موقع استراتيجي وساحل طويل مطل على جنوب أوروبا. وهذا بدوره قد يرتب تقويض العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، ويثير مخاوف من تصعيد عسكري طويل الأمد. بينما تسعى الإمارات العربية المتحدة من خلال دعم هذا المحور، إلى إنشاء حزام أمني-سياسي يمتد من دارفور عبر جنوب وشرق ليبيا وصولاً إلى تشاد. وتسعى لتطويق إقليم دارفور جغرافياً؛ لفرض واقع سياسي جديد، مستفيدة من وكلائها المحليين في مناطق ضعف السيادة. في حين تبدي مصر قلقاً متزايداً من هذا التنسيق، الذي يهدد وحدة السودان وأمنها القومي، الذي بطبيعة الحال ينعكس سلباً على مصر. حيث تمارس ضغوطاً على خليفة حفتر لـ “فك الارتباط” مع الدعم السريع. أما الجزائر فهي تراقب بحذر تنامي هذا النفوذ، خشية تحول الجنوب الليبي الذي تتشارك معه الحدود، إلى منصة لدعم حركات انفصالية في الساحل الإفريقي أو الداخل الجزائري.
ثالثًا: التداعيات الأمنية والديموغرافية والاقتصادية على الجنوب
أدى هذا النشاط العابر للحدود إلى آثار عميقة تهدد استقرار الجنوب الليبي والسيادة الوطنية، وقد تمثل في الآتي:
- تقويض سيادة الدولة: يساهم هذا التنسيق في ترسيخ سلطات الأمر الواقع في الشرق والجنوب، على حساب الحكومة المعترف بها دولياً؛ مما يعمق انقسام مؤسسات الدولة.
- تغيير التوازنات القبلية: يعتمد هذا المحور على الاستثمار في الوكلاء المحليين (مثل قبائل ومجموعات مسلحة معينة)؛ مما يؤدي إلى تغيير موازين القوى الاجتماعية والعسكرية في المناطق الحدودية، وتصعيد التوترات بين المكونات المحلية.
- المخاطر الديموغرافية: تثير النزاعات في السودان ومالي مخاوف من موجات نزوح واسعة، قد تؤدي إلى توطين مجموعات مسلحة أو متمردين في الجنوب الليبي؛ مما يهدد بتغيير التركيبة السكانية، وخلق كيانات عسكرية منظمة للطوارق أو التبو أو غيرهم، بعيداً عن سلطة الدولة.
رابعًا: مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة
يرتبط هذا التنسيق العسكري بشبكة معقدة من الأنشطة غير المشروعة لعل أهمها:
- تنامي الجريمة المنظمة: أصبحت الحدود الليبية-السودانية-التشادية مركزاً لنشاط عصابات تهريب الذهب والوقود، حيث تستخدم الموارد المحلية لتمويل الميليشيات وضمان استقلالها المالي، بعيدا عن الدعم الخارجي المباشر.
- ملف الهجرة غير النظامية: تستخدم القوى المسيطرة ورقة الهجرة كأداة ضغط سياسي؛ حيث يسعى الكرملين وحلفاؤه لجعل أنفسهم “شريكاً لا غنى عنه” للاتحاد الأوروبي، في مواجهة تدفقات المهاجرين المنطلقة من الساحل عبر ليبيا.
- مكافحة الإرهاب: يساهم الفراغ الأمني الناتج عن انشغال القوى العسكرية بالصراع في السودان، في انتعاش نشاط الجماعات المتطرفة والجماعات المسلحة العابرة للحدود، التي تجد في الجنوب الليبي ملاذاً آمناً ومنصة للعمليات.
التوصيات والرؤية المستقبلية
بناءً على التوثيق الوارد في تقرير فريق الخبراء 2025، يوصي التقرير بالآتي:
- تعزيز الرقابة الدولية: تفعيل آليات مراقبة حظر توريد الأسلحة بشكل صارم، خاصة في المطارات والقواعد الجوية بالجنوب والشرق الليبي (مثل الكفرة والخادم).
- تكامل أمن الحدود: تفعيل الشق الأمني في تجمع دول الساحل والصحراء، ودعم المقترحات الداعية لإنشاء قوة مشتركة حقيقية، تجمع بين القوى في شرق وغرب ليبيا، بالتنسيق مع دول الجوار المتضررة؛ لضمان أن تكون حماية الحدود مسؤولية وطنية، لا وسيلة لخدمة أجندات إقليمية.
- الضغط الدبلوماسي: ضرورة ممارسة ضغط دولي وعربي موحد لقطع خطوط الإمداد اللوجستي، التي تغذي الصراع في السودان، وتحييد الأراضي الليبية عن التجاذبات الإقليمية والدولية العنيفة.
- تنمية المناطق الحدودية: معالجة الهشاشة الأمنية في الجنوب الليبي، من خلال مشاريع تنموية تستهدف المجتمعات المحلية؛ لتقليل اعتمادها على اقتصادات التهريب والجريمة المنظمة.
- مواجهة ملف المرتزقة: العمل على تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بإخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب، لاسيما “الفيلق الأفريقي” الروسي، لمنع تحويل ليبيا إلى قاعدة انطلاق لزعزعة استقرار القارة.



