Skip to main content

تمثل المشروعات الصغرى والمتوسطة وما يعرف بمشاريع ريادة الأعمال الشبابية مجالا حيويا للاقتصاد الليبي حيث تحمل هذه المشاريع امكانيات كبيرة لرفع معدلات نمو الاقتصاد الوطني و إعطاء القطاع الخاص دور مهم في تنويع مصادر الدخل.

تناولت كثير من الدراسات العلاقة والرابط بين تدني معدلات النمو الاقتصادي والبطالة والفقر وبين العنف وعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي, وعلى وجه الخصوص فإن خلق بيئة لنمو المشروعات الصغرى والمتوسطة وريادة الاعمال في الدول والمناطق ما بعد الصراعات والحروب يشكل أحد العوامل الحيوية في بناء السلم الاجتماعي والمدني, حيث تشير عدة دراسات الى ارتباط ريادة الأعمال والمشروعات الصغرى والمتوسطة مع تعافي وانتعاش هذه المجتمعات, في أوغندا على سبيل المثال ساهمت في توفير فرص عمل وتدريب وانتشال فئات المجتمع الضعيفة والمهمشة من حالة الاعتماد السلبي على المبادرات الخيرية واليأس  إلى حالة الاعتماد على الذات والانتاج.

واقع الشركات الصغرى والمتوسطة في ليبيا

البيانات الحكومية والرسمية الخاصة بالشركات الصغرى والمتوسطة شحيحة وتكاد تكون منعدمة, إلا أن بعض التقديرات تشير إلى أن مساهمة هذه الشركات في الناتج المحلي الاجمالي لا تتجاوز 5%, لكن بالنظر للأرقام يمكن أن نستنتج أن هذا الرقم قد يكون أكبر من الواقع, فإذا علمنا أن مساهمة القطاعات غير النفطية محدودة جدا حيث قطاع التصنيع صغير ومتعثر لا يمثل  سوى حوالي 3.2 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي في 2012 ، وقطاع البناء أقل من 2 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي وقطاع العقارات بحوالي 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي  إلى جانب مساهمة بسيطة للقطاع الزراعي والمالي, وإذا وضعنا في الحسبان أن هذه القطاعات غير النفطية تمثل مزيج من مؤسسات القطاعين العام والخاص, وأن القطاع الخاص تمثل جزء مهم منه مؤسسات كبرى فإن الحصة المتبقية للشركات الصغرى والمتوسطة تبدو متواضعة جدا.

تُعد تجارة الجملة والتجزئة ، التي تبلغ حوالي 4٪ من إجمالي الناتج المحلي ، أكبر وأكثر المجالات ديناميكية في القطاع الخاص وتضم أكبر عدد من الشركات ، والتي غالبًا ما تكون شركات صغيرة ومتناهية الصغر.

هذه التقديرات إذا ما قورنت بوضع الشركات الصغرى والمتوسطة عالميا حيث تشكل أكثر من 50% من الناتج المحلي الإجمالي وتوفر أكثر من 60% من فرص العمل, تعتبر هامشية لا تكاد تذكر وقد تشي بعدم قدرتها على التطور والنمو في ليبيا.

وفقا لتقارير أخرى إحصائية للأعمال أعدت في 2006 فإن عدد الشركات العاملة هو حوالي 117  ألف و حوالي 30% من العاملين في القطاع الخاص من غير الليبيين, متوسط عدد العاملين في هذه القطاعات هو 2.5 إذا استثنينا قطاع الفنادق الذي يشغل في المتوسط 35 عامل, أكثر من 80% من الأعمال مملوكة لأفراد أو عائلات, هذه الأرقام تشير بوضوح أن ما يمكن اعتباره قطاع الشركات الصغرى والمتوسطة تسيطر عليه في الأغلب شركات متناهية في الصغر أو ما يعرف ب Micro-Enterrise وهي شركات تنشأ بدافع الحاجة الملحة وتفتقر إلى وسائل التمويل والنمو وفي الغالب لا تخلق فرص عمل, القيمة المضافة للعامل حسب التقرير في المتوسط هو 7 آلاف دينار ليبي في قطاع الخدمات و 15 ألف في قطاع تجارة التجزئة.

أهمية الشركات الصغرى والمتوسطة

1. قدرة المشروعات الصغرى والمتوسطة على  توفير فرص عمل، وميلها لتشغيل الشباب وذوي الدخل المحدود نتيجة لمحدودية طاقتها الاستيعابية، يساهمان بشكل فاعل في الاستقرار الاقتصادي و الاجتماعي الذي بدوره يمثل قاعدة مهمة في الاستقرار الأمني والسياسي.

2. إضافة لتوفير فرص العمل فإن مخرجات هذه المشروعات من السلع والخدمات سوف تلبي جزء من الطلب المحلي وبالتالي تلعب دورا مهما في المساهمة في الدفع باتجاه توازن اقتصادي بين الطلب الكلي والعرض الكلي في سوق السلع والخدمات مما يخفف الضغوط التضخمية من جانب الطلب.

3. كذلك من جانب آخر فإن الدخل المتولد من هذه المشروعات سواء في صورة أرباح منظمي الأعمال أو في صورة أجور ومرتبات العمال أو في صورة إيجارات وغيرها, سيعاد تدويره في الاقتصاد عن طريق الاستهلاك الخاص وزيادة معدلات الادخار والاستثمار، مما يضيف قيمة للاقتصاد الوطني ويرفع قدراته التشغيلية والانتاجية من خلال زيادة طاقته الاستيعابية بشكل تدريجي وبنّاء, الأمر الذي يؤسس لنمو متوازن وسلس ويتيح مجالات أكثر تنوعا وانفتاحا تساهم ولو بشكل محدود في تجنب التقلبات الفجائية وما ينتج عنها من فجوات في العرض والطلب, وغيرها من المشاكل.

4.  تملك هذه المشروعات خصوصا الريادية منها قدرة على الابتكار والتجديد, قد تكون في صورة تقديم سلع وخدمات جديدة إلى السوق أو من خلال تقديم تقنيات جديدة في الانتاج تسهم في رفع جودتها و تخفيض تكلفتها أو من خلال سياسات تسويقية جديدة وغيرها من وسائل الابتكار التي تؤثر في عوامل المنافسة وتحفز تغييرات هيكلية في السوق, حيث تسعى الشركات العاملة إلى التأقلم مع هذه التغيرات وإلا الخروج من المنافسة ما يؤدي إلى إعادة ترتيب حصص المشاركة وشروط التشغيل و ينعكس بشكل إيجابي على إنتاجية الاقتصاد وتنوعه.  

5. توفير أجواء نفسية إيجابية حيث الانشغال بالعمل والانتاج يخلق شعورا بالأمل ما يدفع إلى تجنب الصراعات والممارسات السلبية ويصبح المجتمع بذلك أكثر تقبلا لخلافاته وأكثر قدرة على التعايش والتركيز على نجاح نشاطاته ومشروعاته ما يعد ميزة مهمة وعامل يعزز الاستقرار.

الصعوبات والعراقيل التحديات

الشركات الصغيرة والمتوسطة تمثل جهات فاعلة ديناميكية وفي نفس الوقت ضعيفة في الاقتصاد, حيث رغم حيويتها وقدرتها على النمو والابتكار, فإن محدودية قدراتها وصغر حجمها تجعلها حساسة جدا للتغيرات في عملية الانتاج, أو للمنافسة الخارجية خصوصا من دول مثل الصين والهند, وكذلك للأزمات الاقتصادية المفاجئة مثل تلك التي أعقبت جائحة كورونا, فيما يلي بعض التحديات والصعوبات الرئيسية التي تواجه قطاع المشروعات الصغرى والمتوسطة في الواقع الليبي بصفة خاصة:

1. نقص في العمالة المدربة والماهرة وكذلك المعرفة الإدارية والمالية اللازم توفرها لإدارة هذه المشروعات وضمان حد أدنى لشروط تشغيل ملائمة, وفي الغالب لا تقوم الشركات الصغرى بالاستثمار في تدريب وتعليم العاملين المتوفرين عندها حتى في الدول المتقدمة بحسب التجارب حيث يعاني 25%  من هذا القطاع في دول الاتحاد الأوروبي من ندرة القوى العاملة المناسبة, هذا النقص في العمالة تؤدي إلى ارتفاع تكلفتها خصوصا المدربة منها, ما يجعل فرص الاستمرار في السوق والقدرة على المنافسة تحد في حد ذاته.

2. تشير الدراسات إلى أهمية الاطار التشريعي لنمو وتطور قطاع الشركات الصغرى والمتوسطة, وبالتالي غياب اطار تشريعي وقانوني ينظم هذا القطاع من الأعمال أو عدم كفايتها, يشكل عائق أساسي يعرقل القطاع, حيث يفتقر التشريع الليبي إلى وجود تعريف رسمي متفق عليه للشركات الصغرى بالرغم من وجود بعض التعاريف المقترحة, أضف إلى ذلك غياب للشفافية والوضوح للتشريعات والقوانين المنظمة للأعمال بصفة عامة, وعليه فإن الاتفاق على مفهوم رسمي للشركات الصغرى والمتوسطة يعتبر خطوة أولى لوضع سياسات وتشريعات متماسكة لهذا القطاع.

3.  ضعف البنية التحتية وتعثر خدمات الدولة لقطاع الأعمال، وهشاشة الوضع الأمني وأثرها المباشر على الأعمال يعتبر من أبرز التحديات التي تواجه الشركات الصغرى والمتوسطة.

4. على الرغم من مساهمة المشروعات الصغرى والمتوسطة لتوفير فرص عمل خصوصا للفئات المهمشة , إلا أنه قد يكون لهذه الميزة وجه آخر سلبي, حيث في وقت الأزمات تكثر نوع من المشروعات الصغرى في القطاع غير الرسمي تقوم على استغلال حاجة هذه الفئات للعمل خصوصا في ظل هشاشة البنية التشريعية وضعف الرقابة وإنفاذ القانون, مايجعل أثرها سلبيا على الاقتصاد في المحصلة, عليه فإن سياسات الحكومة وتشريعاتها يجب أن تضع معايير ومقاييس واضحة تفصل وتفرق بين هذا النوع من المشروعات التي تقتات على استغلال العمالة في سبيل تحقيق مكاسب سريعة غير مستدامة, وبين تلك التي تكون منتجة وتحقق نتائج مستدامة تساهم بشكل إيجابي في نمو الاقتصاد الوطني.

تحدي التمويل

ولعل أحد أهم هذه التحديات هو توفر أدوات التمويل المناسبة لهذه الشروعات, خصوصا وأن السائد حاليا كما تشير الأرقام السابقة هو الشركات المتناهية في الصغر وهي تفتقر إلى الجدارة الائتمانية للحصول على تمويل مناسب من المؤسسات المالية التقليدية السائدة وعليه فإن توفير منصات تمويلية مبتكرة مثل التمويل الجماعي (Crowd Funding)  أو  التمويل الجزئي (Microfinance) والتي تشكل فرصة مناسبة جدا لتمويل أصحاب أفكار مشروعات صغرى هو شرط ضروري لنمو هذا القطاع الحيوي.

الخلاصة

المشروعات الصغرى والمتوسطة وما يعرف بمشاريع ريادة الأعمال الشبابية تمثل مجالا حيويا للاقتصاد الليبي حيث تحمل هذه المشاريع امكانيات كبيرة لرفع معدلات نمو الاقتصاد الوطني و إعطاء القطاع الخاص دور مهم في تنويع مصادر الدخل وتخفيف العبء على الخزانة العامة للدولة, بالإضافة إلى توفير فرص عمل ورفع معدلات التشغيل في القطاع الخاص, تطوير المهارات التقنية والفنية للشباب وتأهيلهم لسوق العمل وخلق مجال لتطوير التقنيات المبتكرة, وغيرها من المساهمات الإيجابية للاقتصاد خصوصا في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد, إلا أن العراقيل والتحديات التي تواجه هذا المجال الحيوي في البيئة الليبية عديدة وبنويوية ما يجعل مهمة الشركات الصغرى وقدرتها على النمو صعبة للغاية, الأمر الذي يتطلب من الحكومة الليبية مجموعة من الخطوات الضرورية لدعم هذا القطاع تبدأ من وضع إطار تشريعي شامل ينظم المجال ويسهل نشاطه من ناحية ويمكن آليات لحوكمة القطاع ورقابته دون أن يتسبب في عرقلته من ناحية أخرى, على رأس هذا الإطار تحديد تعريف واضح للشركات الصغرى والمتوسطة يناسب الوضع الليبي ويتيح مجال لنموه وتطويره, إضافة إلى توفير فرص للتدريب والتطوير للمنتسبين في هذه الشركات بتكلفة رمزية بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية المحلية والإقليمية مثل بنك التنمية الإسلامي وغيرها.

تطوير البنية التحتية وتوفير شبكة اتصالات ومواصلات مناسبة لنمو الأعمال وخاصة للمناطق المهمشة هو بالـتأكيد مهمة لا مفر من القيام بها لتسهيل شروط عمل هذه الشركات وتوفير ظروف ملائمة لنموها.

تطوير منصات تمويلية مناسبة بالتعاون مع المؤسسات التمويلية المحلية ومنظمات التنمية الإقليمية ووضع سياسات وتشريعات تسهل وصول الشركات الصغرى إليها وتحرص أن تشكل هذه الفرص التمويلية دافعا ورافعا لها بدلا من تكون عبئا ماليا على نشاطها ونموها.

ماسبق يمثل الحد الأدنى لشروط نجاح هذا القطاع الحيوي ونموه ليشكل رافد من روافد النمو الاقتصادي الوطني ويسهم في تحقيق الاستقرار والسلم الاجتماعي.