لا تزال ردود الفعل تتزايد تجاه عملية الهدم وسط بنغازي للمباني التي لحقتها أضرار كبيرة جراء الحرب في المدينة بين عامي 2014م و2017م والتي شهدت اقتتالا واسعا في وسط المدينة ومحيطه وحي الصابري.
لمحة تاريخية
مدينة بنغازي هي المدينة الثانية في ليبيا وقد بنيت على مدينة بيرنيس التاريخية التي ظلت مهجورة بعد زوال المجتمع الإغريقي الروماني حتى القرن الخامس عشر ميلادي بحسب مؤرخين. وبحسب الرحالة الجنوي باولو ديلا تشيلا الذي مر بمدينة بنغازي عام 1817م-1818م فإن سكان بنغازي لا يتجاوز عددهم الخمسة آلاف نصفهم من اليهود. وتزايد عدد السكان في العهد التركي وارتفع سنة 1911م إلى 16.500 نسمة وبلغ عام 1922م 22.740 نسمة، ليصل العدد إلى ما يزيد عن نصف مليون نسمة في تعداد عام 1995. وتعد بنغازي حاضرة مهمة إذ تمتاز بالتنوع السكاني لقاطنيها التي ترجع أصولهم لشتى أنحاء البلاد ما انعكس إيجابيا على المدينة من الناحية الثقافية والحضرية.
غموض وغياب الشفافية
في نوفمبر عام 2021م اجتمعت اللجنة الرئيسية لمشروع هدم وإزالة المباني المُدمرة والآيلة للسقوط بمناطق الصابري ووسط البلاد وسيدي خريبيش مع المجلس البلدي لاستعراض أعمالها وعلى رأسها هدم 102 مبنى، ولم تجر بعدها أعمال بناء أو ترميم حتى مطلع الشهر الجاري حيث استئنفت أعمال الهدم والإزالة لقطاع أوسع من المباني وسط المدينة المعروفة بمنطقة “البلاد”. وقد خرج رئيس لجنة إعمار بنغازي قبل شهر في مقابلة تلفزيونية أكد فيها عزم لجنته هدم ما أطلق عليه ركام المباني المتضررة من الحرب، دون أن يوضح تفاصيل عملية الهدم أو الإعلان عن المعايير والضوابط في عملية الهدم ومساحته وحدوده والمخططات المستقبلية للمنطقة والخبرة التي استعانوا بها في تقدير ما يمكن ترميمه وصيانه من المباني خاصة التاريخية أو تلك التي تستوجب الهدم.
حالة عدم الشفافية وعدم الوضوح ظهرت بشكل ملحوظ بطلب السلطات من السكان إخلاء بيوتهم بشكل قسري وتعويضهم بمبلغ قيمته 100 ألف دينار ليبي كقيمة ثابتة لكل العقارات، سواء صغر العقار أم عظم، دون تقييم عقاري محايد من أهل الخبرة للأسعار الحقيقية للبيوت ومساحتها، بل إن عملية التعويض المقترحة يراد لها أن تتم دون رضا الملاك وهو ما يمكن أن يطلق عليه “بيع بالإكراه”. وقد صاحب هذا المسلك إجراءات تعسفية ضد بعض من انتقدوا أعمال الهدم وإجراءات الإخلاء، فقد قبض على نشطاء أبدو اعتراضهم على ما يجري عبر صفحاتهم الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي.
برغم انطلاق أعمال الهدم وتوسعها لم يعلن عن الشركة المنفذة للمشروع وعن خطوات عملها وأين سينتهي الهدم، ولم تعقد لجنة إعادة الإعمار مؤتمرا صحفيا فضلا عن بيان صحفي توضح فيه ملابسات المشروع الذي لاقى استهجان سكان وسط المدينة وشريحة من النشطاء والمثقفين الذين بات صوتهم عاليا.
حدود عملية الهدم وإعادة الإعمار
في تصريح لرئيس المجلس التسييري لمدينة بنغازي، صقر بوجوراي، أكد أن نحو 25% من مساحة المدينة مدمر خصوصاً أحيائها القديمة ذات التراث والنسق المعماري الإيطالي، وذلك يعني، بحسب مختصين، أن نسبة كبيرة من المباني ليست مدمرة وقابلة لترميم والصيانة، مع التنبيه أن وسط المدينة صنفت بقرار سابق من المناطق التاريخية التي لا تخضع للهدم، ورصدت لها مبالغ لتطويرها، ولم تقدم الجهة المشرفة على الهدم ما يدحض الرأي القائل بأنه بالإمكان ترميم أكثر من 70% من المباني وسط المدينة. وبالنظر إلى الدمار الذي وقع في مدينة بنغازي في الحرب العالمية الثانية، فقد تم الترميم وإعادة البناء بأقل الخسائر ودون أن يغصب ساكن على الخروج من بيته.
جدل الهوية والانتماء
طالبت 30 منظمة أهلية وسياسية في ليبيا بالوقف الفوري لعمليات الهدم التي شرعت فيها لجنة إعادة إعمار مدينة بنغازي خشية تدمير المباني التاريخية التي تعد جزءا من هوية وتاريخ المدينة بحسب الموقعين على البيان. ودون نشطاء وملاك لعقارات داخل المدينة صورا وتغريدات تشيد بالإرث التاريخي للمباني التي تم هدمها والأخرى التي هي عرضة للهدم، معتبرة أن ما يجري تعدي على الذاكرة التاريخية ومحو لأثار أحداث ووقائع تخلد المدينة ومبرزيها ممن كان لهم بصمة في الجهاد والنضال قبل الاستقلال وبناء الدولة بعده.
الجدل حول عملية الهدم نحى في بعض مساراته منحى سياسي وجهوي، بين من يعتبر مباني وسط البلاد جزء من هوية المدينة ورأي آخر يرى المباني تعبير عن هوية الاحتلال الإيطالي الذي جاء بثقافته في البناء والعمارة إلى بلاد لا تنتمي إلى المسلك الثقافي والحضاري ذاته بل قد يراها البعض تمثل اعتداء واضحا على هوية السكان الأصليين وثقافتهم التي لها طراز معماري وتخطيط عمراني يختلف عن ما استجلبه المستعمر.
فريق أخر يرى أن عملية الهدم والاعتراض عليها ترف زائد، وأنه لا قيمة للمدينة والمباني بعد فقد الالاف من أبناء بنغازي في الحرب التي خلفت ذلك الدمار، وهو رأي يصدر عن بعض من دعموا مجلس شورى ثوار بنغازي، أحد طرفي القتال الذي شهدته المدينة.
بالمقابل، فقد دار جزء من التراشق بين من يعتبرون المساحة الخاضعة للهدم شيدها من قدموا إلى بنغازي منذ أكثر من قرنين من الزمان من غرب البلاد وتسمت شوارعها ومبانيها بأسماءهم لتكون عنوانا على علاقاتهم وارتباطهم الأصيل ببنغازي وبحي وسط المدينة، وبين المنتسبين لقبائل المنطقة الشرقية بالعموم، وقلة منهم الذين يدعون نسبة المدينة لهم ويعتبرون من يقطنونها ممن تعود أصولهم إلى غرب البلاد ضيوفا لا أكثر، وبالتالي لا تعني لهم عملية الهدم شي، بل تعزز موقفهم في نزاع هوية المدينة ونسبتها.
الإخلاء القسري والتعويض غير المجزئ
ويعد الحديث عن الهوية وعن الانتماء واقترانه بمباني وشوارع وأزقة حديثا جانبيا إذا أُخذ في الاعتبار أن حقوق الناس التي تتعرض للغصب فرضا لا اختيارا وبعيدا عن الاحتكام للقانون والقضاء، فبفعل نفوذ لجنة إعادة الإعمار وعلاقتها بقائد الجيش التابع لمجلس النواب خليفة حفتر باتت عملية الإزالة محاطة بطوق أمني يغلب عليه القمع ونهج لا منطق فيه يتجلى في الخيارات التي عرضتها اللجنة على السكان وهي قبول التعويض والخروج في مدى زمني قصير، ما قد يعده مراقبون تهجيرا قسريا لعدم استيفاء الاجراءات من الناحية القانونية والإخلال بشروط البيع والشراء السليمة كالحق في الاعتراض واللجوء للقضاء والتسعير العقاري السليم والتراضي عوضا عن الغصب والإكراه، قبل عملية الهدم.
الإخلاء القسري في الأدبيات الدولية
تعرف الأمم المتحدة الإخلاء القسري بــ”الإبعاد الدائم أو المؤقت للأشخاص أو أسرهم أو المجتمعات المحلية، من المنازل أو الأراضي التي يشغلونها، ضد إرادتهم وبدون توفير أشكال مناسبة من الحماية القانونية أو غيرها من أشكال الحماية الأخرى، ومن دون إمكانية الوصول إلى الحماية”. وبحسب الأمم المتحدة فإن العناصر التي تحدد الإخلاء القسري كثيرة منها :
– الطرد من المنزل او الأرض أو كليهما بصورة دائمة أو مؤقتة.
– تنفيذ الطرد ضد إرادة الساكنين، سواء باستخدام القوة أو بدونها.
– تنفيذ الطرد دون توفير سكن بديل ملائم، ونقل الأشخاص المعنيين دون تعويضهم بدرجة كافية.
وتمثل عمليات الإخلاء القسري انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان وتنتهك عمليات الإخلاء مجمل الحقوق المدنية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية المكرسة في المواثيق الدولية بما في ذلك :
– عدم الخضوع لمعاملة قاسية، ولا إنسانية أو مهينة.
– حرية التنقل واختيار مكان الإقامة.
– الحق في الملكية.
وتعود هذه الانتهاكات إلى
• طريقة البت في عملية الإخلاء ( من قبيل عدم التشاور أو المشاركة، وعدم الإدلاء بأي ملعومات، وعدم توفير أي آليات طعن).
• طريقة التخطيط لعمليات الإخلاء (من قبيل عدم الإخطار بوقت كافي، وعدم وجود مكان للانتقال، وعدم توفير التعويض) .
• نتائج عملية الإخلاء ( من قبيل تعطيل دراسة الأطفال، وتعطيل العلاج الطبي، والصدمة النفسية، وفقدان الأشغال ومصادر الرزق).
دوافع أخرى محتملة
بالرغم من إعلان السلطات في بنغازي عن خطتها لإعادة إعمار المباني والقيام بتخطيط عمراني جديد للمدينة (دون ذكر التفاصيل) فإن سياق الأحداث يشي بنتائج مختلفة، وبحسب مراقبين فإن النشاط الذي تقوم عليه لجنة إعادة الإعمار قد يعد حملة تسويق سياسي لأكبر المرشحين المحتملين بالمنطقة الشرقية للانتخابات، خليفة حفتر، والتي تشير الظروف السياسية إلى احتمال اجراءها هذا العام.
وقد ظهر خليفة حفتر مع لجنة إعادة الإعمار في إحدى مشاريع اللجنة داخل جامعة بنغازي، ويشرف إبنه صدام بحسب مصادر عدة على عمل اللجنة في عدة مشاريع اخرى. من جانب آخر فإن المتتبع لعمل اللجنة يجد جليا انتهاجها الهدم عوضا عن الصيانة كمؤشر على ارتفاع التكلفة ما قد يشي بفساد في الاجراءات بناء على تقييمات غير علمية كما جرى مع بعض كليات جامعة بنغازي في غير حاجة إلى الهدم وإعادة البناء ما اثار حفيظة عديد المراقبين.
الخلاصة
بمتابعة عملية الهدم وردود الفعل حيالها يظهر أن الغموض هو سيد الموقف . من جانب آخر فإن الصمت الرسمي من قبل بلدية بنغازي ومجلس النواب والحكومة يعكس المستوى المتدني من الشفافية في عملية الهدم ويعزز من الشعور بالريبة والشك والسخط من قبل المتضررين بشكل مباشر مما يجري اليوم في المدينة. إذ لم تعلن أي جهة رسمية عن التخطيط العمراني للمشروع الذي على أساسه تتم أعمال الهدم اليوم. من جانب آخر فإن المعلومات حول تمويل المشروع والمستفيدين منه والمستمثرين فيه لا تزال غير واضحة، وفي ظل شواهد عدة ووقائع عديدة يتخوف الكثير ممن اعترضوا على العملية من أن ترتهن ملكية مساحات واسعة من منطقة وسط المدينة لأفراد أو جهات خاصة وليس الدولة.
من الواضح أن القائمين على المشروع في عجلة من أمرهم من حيث الإجراءات حتى أنهم لم يلجؤوا إلى أي نوع من التسوية ومحاولة الإقناع بغية التفيذ السريع لأعمال الهدم وتسليم المشروع للشركات الأجنبية القائمة على المشروع؛ والتي تشير مصادر متباينة لكن غير مؤكدة أنها شركات يونانية وفرنسية.



