Skip to main content

تكمن أهمية سعر صرف العملة لاقتصاد ما في أنه يقع ضمن حسابات العلاقة التجارية مع الخارج، كما أنه أساسي في التأثير على التوازن الكلي للاقتصاد، وكونه مؤشرا بين مؤشرات الأداء الاقتصادي ومن أهم أدوات الاستقرار النقدي. وينظر لسعر الصرف أنه وسيلة من وسائل السياسة النقدية، وبعض المختصين يرون أن سعر الصرف في اتجاه أن يكون سياسة مستقلة.

ولقد شهد سعر صرف الدينار الليبي تحولات كبيرة خلال العقود الماضية، وكان من أبرز العلامات الفارقة في صبغ الاقتصاد الوطني بصبغة خاصة، كما كان مؤشرا قويا على الوضع الاقتصادي منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى اليوم.

أهداف سياسة تعديل سعر صرف العملة

بالعموم فإن الأساس فيما يتعلق بتقدير سعر الصرف الملائم هو الأثر الإيجابي على الاقتصاد، وتتنوع الآثار الإيجابية لسعر الصرف التوازني كما يلي:

  1. مجابهة التضخم
  2. تخصيص الموارد
  3. توزيع الدخل
  4. تنمية الصادرات

ومع التأكيد على أن سعر الصرف ليس أداة من أدوات مكافحة التضخم، إلا أنه فعال في كبح جماحه، خاصة إذا فُعّلت وسائل احتواء الضغوط التضخمية ضمن السياسة المالية التي تصدر عن الحكومة.

تعديل سعر صرف الدينار الليبي

الجدول التالي يظهر أسعار صرف الدينار مقابل الدولار منذ إصدار الجنيه الليبي وتحديد قيمته أمام الدولار والعملات الرئيسة الأخرى، وحتى خفض قيمته في يناير من العام 2020م.

السنةالدينار مقابل الدولار
19562.8
19662.9
19763.3
19863.3
19963.0
20061.3 دولار للدينار
20204.48 دولار للدينار

فقد تمت معادلة الدينار الليبي (عرف بالجنيه الليبي حينها) بالدولار بنحو 2.8 دولار للدينار، وذلك منذ خمسينات القرن الماضي، واستمرت هذه المعادلة مع زيادة طفيفة لصالح الدينار أمام الدولار حتى مطلع الألفية الأولى، حيث خُفض سعر صرف الدينار أمام الدولار إلى 1.25 دينارا للدولار، مع الإشارة إلى أن المصرف المركزي اعتمد سلة العملات وما عرف بحقوق السحب الخاصة منتصف الثمانينات من القرن الماضي بديلا عن الدولار وذلك كإجراء لحماية الدينار من تقلبات سعر صرف الدولار.

وقد عرف الاقتصاد الليبي ازدواجية أسعار صرف الدولار أمام الدينار مرتين، الأولى في النصف الثاني من عقد الثمانينات، حيث بلغ سعر صرف الدولار في السوق الموازية نحو 3.5 دينار واستمرت لسنوات، أي حتى تسوية الخلافات مع المجتمع الدولي وإلغاء الإجراءات القسرية التي فرضها مجلس الأمن والأطراف الغربية على الصادرات والواردات خلال العام 2003م، والثانية كانت بعد إغلاق النفط في العام 2013م، حيث سجل الدولار ارتفاعا مطردا في السوق السوداء إلى أن تجاوز 8 دينار ليبي وذلك في العام 2018م. وارتبطت أزمة الدينار الليبي خلال هذه الفترة بتأثيرات الطلب والعرض على النفط وتراجع أسعاره تراجعا كبيرا في الأسواق العالمية التي رافقتها سياسات عامة عظمت من التزامات خزانة الدولة بعد تحمل الدولة أعباء إدارة مختلف الأنشطة الاقتصادية الكبيرة والصغيرة وتأميم أغلب أنشطة القطاع الخاص.

بعد أزمة إغلاق الحقول والمواني النفطية بين عامي 2013 و2017م وما أعقبها من تراجع الإيرادات العامة وتراجع الاحتياطي النقدي ونقص حاد في السيولة اتجهت حكومة الوفاق الوطني في العام 2018م إلى تبني حزمة إصلاحات اقتصادية كانت من بينها سياسة فرض رسوم على بيع الدولار بنسبة 183% مع استثناء القطاع العام ومخصصات أرباب الأسر من هذه السياسة، وكان لهذه الإصلاحات آثار إيجابية نسبيا على الاقتصاد حيث اختفت تقريبا ظاهرة الفروق الكبيرة بين سعر الدولار الرسمي وسعره في السوق الموازية وتوفرت السيولة نسبيا في المصارف.

في يناير 2020م قرر المصرف المركزي تخفيض سعر صرف الدينار مرة أخرى إلى 4.45 دولارا للدينار، بعد أن وصل سعره في السوق الموازية 3.8 دولار، دون تبرير قوي يقنع من تحفظوا على هذا القرار.

أنهى التعديل الأخير ازدواجية سعر الدولار ما بين رسمي لصالح القطاع العام ومخصصات أرباب الأسر وبزيادة بنسبة 183% وهو المتوفر لأوجه الطلب المختلفة من استيراد سلعي وعلاج وسياحة وغيرها.

الاعتراض على قرار المركزي الليبي جاء من جهة أن التخفيض كبير وآثاره تزيد من الأعباء المالية على المواطن بفعل الزيادة العامة في الأسعار، حيث إن ليبيا تستورد أكثر من 80% من احتياجاتها من الخارج ويشمل ذلك الغذاء والكساء والدواء والأجهزة والمعدات والأثاث والسيارات ومستلزمات التشغيل..إلخ.

موقف متصلب من المحافظ

محاولة الاستدراك والمراجعة جاءت من قبل عدد من أعضاء مجلس إدارة المصرف المركزي الذين اتفقوا على رفع سعر صرف الدينار إلى 4.26 للدولار، غير أن قرارهم لم يلقَ استجابة من محافظ المصرف المركزي، الصديق الكبير، الذي صرح مؤخرا بعدم جدوى تعديل سعر صرف الدينار ، مخوفا من اضطرار البلاد إلى الاستدانة إذا وقع تعديل كبير على السعر الحالي، مؤكدا أن التركيز ينبغي أن يتجه إلى تنويع مصادر الدخل.

قد يكون لموقف المحافظ بعد شخصي وموقف من الكتلة المناوئة له في مجلس إدارة المصرف المركزي، إلا أن عديد المراقبين يرون أن المحافظ ينظر للمسألة من ناحية تخصصية فقط، وهي أثر سعر الصرف على ميزان المدفوعات وعلى الاحتياطي النقدي، فرفع سعر صرف الدينار وفق البيانات المتاحة لن يكون في اتجاه تحقيق توازن في ميزان المدفوعات فضلا عن تحقيق فائض فيه، وسيكون العبء على الاحتياطي النقدي الذي تراجع من 124 مليار دولار خلال العام 2013م إلى 78 مليار دولار في العام 2022م.

وقد طالب جمهرة من أهل الاختصاص برفع سعر صرف الدينار رفعا محدودا وتدريجيا للوصول إلى مستوى لا يخل بتوازن ميزان المدفوعات ولا يضر بالاحتياطي النقدي ويدفع التضخم إلى مستويات مقبولة تخفف من العبء على المواطن، ومثلوا بالسعر الذي اعتمده أعضاء مجلس الإدارة وهو 4.26 دينارا للدولار على أن يكون الهدف في فترة لاحقة وبعد تحقق نتائج إيجابية لساسية التعديل ومزيد من التقييم ورفع قيمة الدينار للوصول إلى سعر 3.5 دينار للدولار.

خلل السياسات الاقتصادية

بدا لكثيرين أن الحكومة هي المستفيد الأول من سعر صرف الدينار الحالي، فقد حقق لها فائضا بلغ 20 مليار دينار ليبي في العام 2022م، حتى مع الزيادة في بندي المرتبات والدعم بنسبة قاربت 50%.

وهذا ما يقود إلى نقطة عدم تناغم السياسات المالية والنقدية، بل وتضاربها بالشكل الذي يقود إلى نتائج سلبية ويعرقل إعادة النظر في سعر الصرف، فالحكومة المعنية بالسياسة المالية تنتهج سياسة إنفاق واسعة وغير رشيدة، فقد تخطت مخصصات المرتبات والدعم ونفقات تسيير الجهاز الحكومي 80 مليار دينار بالعام 2022م، وهي مرشحة للزيادة في العام 2023م، فيما لم تبلغ 40 مليارا في العام 2019م، فقد بلغت المرتبات 47 مليارا عامَ 2022م ومن المتوقع أن تتخطى سقف الـ50 مليارا عامَ 2023م، أضف إلى ذلك بند الدعم الذي تجاوز 20 مليار دينار عامَ 2022م ويتوقع أن يزيد عن هذه القيمة خلال العام 2023م.

خيارات معالجة أزمة الدينار الليبي

هناك اتفاق بين كثير من خبراء الاقتصاد أن تصحيح الخلل الراهن المتعلق بسعر صرف الدينار يتطلب السير في مسارين، الأول فوري يركز على إعادة النظر في سعر الصرف الحالي بما يحقق ما سبقت الإشارة إليه من تراجع في المستوى العام للأسعار في السوق المحلية مع مراعاة ميزان المدفوعات والمالية العامة للدولة خاصة توازن الإيرادات والنفقات.

بالمقابل، فإن استقرار سعر صرف الدينار عند مستوى مقبول وحيوي يتطلب معالجات تتعدى الاقتصاد إلى السياسة والأمن، وتقتضي تبني إستراتيجية تصحح الخلل في بنية الاقتصاد الليبي وهيكله بهدف التقليل من الاعتماد على النفط في الإيرادات وتغطية النفقات العامة وتعظيم مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، وتعزيز حضور ومشاركة القطاع الخاص في تنشيط الاقتصاد وتحريك عجلته ورفع العبء عن القطاع العام والخزانة العامة التي يعتمد عليهما ما يزيد عن 80% من العمالة الليبية وتغطي ما يقرب من 97% من الميزانية التي نحو 90% من بند النفقات فيها استهلاكية.