مقدمة
يلعب النفط دورًا رئيسيًا في الاقتصاد الليبي، حيث يعتمد عليه بشكل أساسي في توليد الإيرادات وتشكيل ملامح الاقتصاد الوطني. ويشكل النفط أكثر من 95% من إجمالي الصادرات الليبية و60% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقا لبيانات البنك الدولي.
ويُعد مؤشر البؤس The Misery Indexمؤشرا اقتصاديا يُستخدم لقياس الضيق الاقتصادي الذي يعيشه المواطنون، وهو عبارة عن مجموع معدل التضخم ومعدل البطالة. يعكس المؤشر كيف يشعر المواطنون بأداء الاقتصاد (Cohen et al,2014).
وقد ظهر هذا المؤشر على من قبل الاقتصادي “آرثر أوكون” في سبعينات القرن الماضي، وذلك للمساعدة في تحديد أداء المواطن العادي اقتصاديا، ويتم حسابه عن طريق إضافة معدل البطالة المعدل موسميا إلى معدل التضخم السنوي. ومن المفترض أن ارتفاع معدل البطالة وتفاقم التضخم يخلقان تكاليف اقتصادية واجتماعية للبلد (Asher et al,1993).
ويُستخدم منذ زمن طويل لقياس الرفاه الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية لمختلف البلدان. وبعبارة أخرى، يقيس هذا المؤشر الضائقة الاقتصادية التي تعاني منها الشعوب، حيث تشير القيم الأعلى إلى معاناة اقتصادية أشد وتراجع في مستويات المعيشة (Aminda et al,2024).
ولهذه الضائقة الاقتصادية عواقب اجتماعية واقتصادية وخيمة على الأفراد والمجتمع. واستجابةً لذلك، أطلقت العديد من الحكومات حول العالم برامج تدخل اجتماعي متنوعة؛ لتخفيف حدة الفقر والحد من عدم المساواة. ومع ذلك، لا يزال تقييم فعالية هذه المبادرات مجالًا بحثيًا بالغ الأهمية (Hamza,2024). وذلك في الوقت الذي يتم استخدام هذا المؤشر على نطاق واسع في الاقتصادات المتقدمة لقياس التفاوتات الاجتماعية، إلا أن تطبيقه في الدول النامية، وخاصةً في البلدان العربية لا يزال محدودا (Shahbaz et al,2016)).
وتُعدّ ليبيا واحدة من بين البلدان التي تعتمد على مورد النفط كمورد أحادي، وتصل مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى (94%). ويعاني الاقتصاد الليبي منذ عقود طويلة من حالة من البؤس الاقتصادي، والتي تشير إلى اتحاد البطالة والتضخم معا. وذلك رغم أن ليبيا لديها ثروة نفطية تقدر عائدتها بـ (76.7) مليار دينار ليبي (15.5 مليار دولار)، مقارنة بـ 99.1 مليار دينار في عام 2023، وفقا لبيانات مصرف ليبيا المركزي.
وترجع أهمية هذا التقرير في بيان طبيعة ظاهرة البؤس الاقتصادي في ليبيا، وبيان مدى أهمية تنويع القاعدة الاقتصادية في الاقتصاد الليبي، حيث إن تنويع القاعدة الاقتصادية؛ يؤدي إلى زيادة معدلات التنمية والحد من معدلات البطالة والتضخم، المكونين لظاهرة البؤس الاقتصادي، مع الأخذ في الاعتبار طبيعية حالة عدم الاستقرار السياسي، التي أدت إلى انخفاض حجم الإنتاج من البترول بنسبة تفوق 60% من بعد عام 2011 (عمر، 2017). بالإضافة إلى كون النفط وعائداته هي المصدر الرئيس لتمويل إيرادات المالية العامة المحدد الأساسي لمستوى معيشية المواطن الليبي (عون، 2024).
- ظاهرة البؤس الاقتصادي في ليبيا: الواقع والمؤشرات
ينظر إلى الاقتصاد الليبي كأحد أهم الاقتصاديات النفطية، ليس فقط في المنطقة العربية، ولكن في الاقتصاد العالمي أيضا، حيث يقدر احتياطي النفط في ليبيا بحوالي 50 مليار برميل، وهو أكبر احتياطي نفطي في القارة الأفريقية، وتقع ليبيا في المرتبة التاسعة عالمياً في الاحتياطيات النفطية المؤكدة. وتمثل حوالي 2.93٪ من إجمالي احتياطيات النفط العالمية البالغة 1,650,585,140,000، وتمتلك ليبيا احتياطيات نفطية مؤكدة تعادل 594.2 ضعف مستويات استهلاكها السنوي، وذلك وفقا لقاعدة بيانات Worldometers.
ويعتمد الاقتصاد الليبي اعتمادًا كبيرًا على النفط والغاز، اللذين يُشكلان 97% من الصادرات، وأكثر من 90% من الإيرادات المالية، و68% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك من خلال استمرار إنتاج النفط وتحسن الوضع الأمني. وبلغت احتياطيات النقد الأجنبي 82 مليار دولار في نهاية عام 2023 (أكثر من 4 سنوات من تغطية الواردات) (African Development Bank,2025).
ويوضح الشكل رقم (1) تطور مؤشر البؤس الاقتصادي في ليبيا خلال الفترة (1991-2024) حيث تراجعت نسبته من (30%) عام 1991 إلى (20.7%) عام 2024. وكان قد بلغ ذروته عند (45.4%) عام 2016، فيما كانت أدنى نسبة له عند (9.4%) عام 2002.

المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي ومصرف ليبيا المركزي.
وتعاني ليبيا من وجود معدل مترفع لنسبة البؤس الاقتصادي مقارنة مع جيرانها، والدولة المقاربة لها من البلدان العربية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتي تتشابه مع طبيعة الاقتصاد الخاص بها، خاصة الجزائر التي سجلت نفس المستوى تقريبا (20.7%)، حيث سجل مؤشر البؤس نسبة قدرها (20.7%) وهو أقل من إيران التي سجلت (53.8) % كأعلى دولة مقارنة بسابقتها. فيما كانت الإمارات العربية المتحدة أقل البلدان بنسبة (3.7%)، تليها دولة الكويت (5.7%)، ثم المملكة العربية السعودية بنسبة (6.2%)، والأردن (20.1%). وفي المقابل، تعاني بلدان أخرى من مستوى أعلى من البؤس الاقتصادي مثل: تونس (25.7%) ومصر (35.6%)، كما يتضح من الشكل التالي.

المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي ومصرف ليبيا المركزي.
وتُعزى هذه الحالة من البؤس الاقتصادي إلى ثلة من المشكلات الهيكلية، التي يعاني منها الاقتصاد المصري على مدار العقود الماضية، من بينها الاختلال بين العرض الكلي والطلب الكلي. يعد الاختلال الهيكلي اختلالا في علاقات التوازن العام التي تؤثر على الاستقرار الاقتصادي، أو اختلالا في العلاقة النسبية بين عناصر الهيكل الاقتصادي ومكوناته المؤثرة في النمو الاقتصادي. ويوضح الشكل رقم (3) حالة التقلب الحاد في كل من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، ومعدل نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في ليبيا خلال فترة الدراسة، كما في الشكل التالي.

المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي
كما يتميز الاقتصاد الليبي بنمو متقلب، مع ضعف في مساهمة قطاعات الزراعة والخدمات؛ مما يعبر عن أحد نواتج الاختلال الهيكلي، ويسبب في نفس الوقت بؤسا اقتصاديا، لا سيما أن الاعتماد على الصناعة يعني اعتماداً على صناعة النفط والمحروقات الأولية.

المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي.
بالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسي في ليبيا وما يحدثه من عواقب وخيمة، تؤثر على اقتصاد البلاد وأمنها ونسيجها الاجتماعي. فقد أدى غياب حكومة مركزية قوية إلى سيطرة الميليشيات؛ مما أعاق التنمية الاقتصادية، لا سيما في قطاع النفط، وفاقم الانقسامات الاجتماعية والسياسية القائمة. علاوة على ذلك، خلق عدم الاستقرار بيئة خصبة للعنف وانتهاكات حقوق الإنسان، وجعل ليبيا أيضًا بلد عبور للمهاجرين، وبؤرة للصراعات الإقليمية والدولية، ويوضح الشكل رقم (5) ضعف مستوى الاستقرار السياسي وغياب العنف/ الإرهاب في ليبيا، حيث سجل 7 درجات من 100 في عام 2023، وقد بلغ ذروته في عام 2011، لكنه لم يُعد إلى مستويات ما قبلها حتى الأن.

المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي
وحول العلاقة بين عائدات النفط ومؤشر البؤس الاقتصادي في ليبيا خلال الفترة (1990-2024)، يوضح الشكل رقم (6) تطور العلاقة المذكورة، حيث إنها لا تسير على وتيرة واحدة، كما أنها تتسم بالتقلب الشديد مع مرور الوقت.

المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي.
وعلى هذا النحو، فقد قدم التقرير الحالي رصدا لظاهرة البؤس الاقتصادي في ليبيا، مع بيان تطور مؤشرات النفط وعلاقته بهذه الظاهرة. من خلال العلاقة بين عائدات النفط والبؤس الاقتصادي خلال الفترة (1991-2024). ومن ثم فقد حاول التقرير تقديم للمحة حول ظاهرة البؤس الاقتصادي بهدف تقديم رؤية لصانعي السياسات؛ للحد من هذه الظاهرة وتعزيز قدرات الاقتصاد الليبي وصلابته للخروج من حالة البؤس الاقتصادي وتنويع اقتصاده، لاسيما في ظل اعتماده على قطاعات أولية لم يصل بعد إلى مستوى التطور الصناعي أو التكنولوجي المطلوب، ناهيك عن تنامي حالة عدم الاستقرار السياسي بين عام وآخر.
قائمة المراجع
- قاعدة بيانات البنك الدولي https://data.albankaldawli.org/indicator/NY.GDP.PETR.RT.ZS?locations=LY
- مصرف ليبيا المركزي https://cbl.gov.ly/
- قاعدة بيانات Worldometers https://www.worldometers.info/oil/libya-oil/.
- عمر، رحاب عبد السلام. (2017). دور العوائد النفطية في تمويل قطاع الصناعة التحويلية في ليبيا. مجلة البحوث التجارية, 39(2), 219-248. doi: 10.21608/zcom.2017.148391
- عون أ. ع. ا. (2024). دور النفط وتنويع الإنتاج في الاقتصاد الليبي. مجلة الاصالة, 1(9). استرجع في من https://alasala.alandalus-libya.org.ly/ojs/index.php/aj/article/view/448
- African Development Bank.(2025). Libya Economic Outlook. https://www.afdb.org/en/countries/north-africa/libya/libya-economic-outlook.
- Cohen, I. K., Ferretti, F., & McIntosh, B. (2014). Decomposing the misery index: A dynamic approach. Cogent Economics & Finance, 2(1), 991089.
- ASHER, M. A., DEFINA, R. H., & THANAWALA, K. (1993). The Misery Index: Only Part of the Story. Challenge, 36(2), 58–62. http://www.jstor.org/stable/40721424.
- Aminda, R. S., Septiani, A., Sundarta, M. I., Agung, S., Kuraesin, E., Karyatun, S., & Endri, E. (2024). Analysis of the influence of poverty, human development index, and unemployment on economic growth in the regency/city of Gorontalo Province: 2012–2021 study. Journal of Infrastructure, Policy and Development, 8(4), 3513.
- Hamza, E. A., Tindle, R., Pawlak, S., Bedewy, D., & Moustafa, A. A. (2024). The impact of poverty and socioeconomic status on brain, behaviour, and development: a unified framework. Reviews in the Neurosciences, 35(6), 597-617.
- Shahbaz, M., Loganathan, N., Mujahid, N. et al. Determinants of Life Expectancy and its Prospects Under the Role of Economic Misery: A Case of Pakistan. Soc Indic Res 126, 1299–1316 (2016). https://doi.org/10.1007/s11205-015-0927-4.
جدول (1) بيانات الدراسة
| السنوات | مؤشر البؤس الاقتصادي | معدل البطالة | معدل التضخم | إيرادات الموارد النفطية (% من إجمالي الناتج المحلي) | مؤشر الاستقرار السياسي وغياب العنف/ الإرهاب | نمو الناتج المحلي الإجمالي | النمو في نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي (% سنوياً) |
| 1991 | 30.4341 | 18.538 | 11.8961 | 23.35443 | na | 15.65513 | 13.13148 |
| 1992 | 28.15575 | 18.796 | 9.359752 | 22.37473 | na | -2.71227 | -4.72396 |
| 1993 | 30.07855 | 19.005 | 11.07355 | 22.2666 | na | -3.76319 | -5.64792 |
| 1994 | 24.4616 | 19.349 | 5.112599 | 21.88361 | na | 1.934787 | 0.053553 |
| 1995 | 26.68098 | 19.443 | 7.237985 | 26.77646 | na | -2.22041 | -3.91035 |
| 1996 | 23.32408 | 19.296 | 4.028078 | 31.03436 | 32.97872 | 2.134123 | 0.484583 |
| 1997 | 22.9873 | 19.437 | 3.550296 | 26.33752 | na | 5.212671 | 3.607965 |
| 1998 | 22.99127 | 19.282 | 3.709273 | 17.80868 | 35.10638 | -3.55224 | -4.97934 |
| 1999 | 21.98262 | 19.334 | 2.648623 | 19.69785 | Na | 0.749659 | -0.7435 |
| 2000 | 16.301 | 19.201 | -2.9 | 33.58528 | 57.67196 | 3.67927 | 1.979308 |
| 2001 | 10.41406 | 19.228 | -8.81394 | 29.49149 | Na | -1.76284 | -3.5557 |
| 2002 | 9.449353 | 19.247 | -9.79765 | 48.38229 | 62.43386 | -0.9589 | -2.84268 |
| 2003 | 16.85385 | 19.045 | -2.19115 | 47.84216 | 65.82915 | 13.01604 | 10.78387 |
| 2004 | 16.71343 | 18.911 | -2.19757 | 54.78695 | 75.72816 | 4.461639 | 2.325769 |
| 2005 | 21.28921 | 18.639 | 2.650206 | 61.01717 | 76.69903 | 11.87076 | 9.539224 |
| 2006 | 20.23827 | 18.779 | 1.459269 | 60.92957 | 72.46377 | 6.500525 | 4.338303 |
| 2007 | 24.99599 | 18.745 | 6.250988 | 59.92928 | 92.75362 | 6.229983 | 4.069162 |
| 2008 | 29.36673 | 19.006 | 10.36073 | 64.81644 | 94.71154 | -0.16205 | -2.26034 |
| 2009 | 21.7069 | 19.247 | 2.4599 | 49.91228 | 92.41706 | -4.40018 | -6.37107 |
| 2010 | 22.0759 | 19.276 | 2.799895 | 54.52643 | 60.18958 | 5.027248 | 2.907368 |
| 2011 | 34.99648 | 19.478 | 15.51848 | 36.33056 | 19.43128 | -50.3385 | -49.1279 |
| 2012 | 25.0898 | 19.03 | 6.059804 | 57.63009 | 13.27014 | 86.82675 | 91.78137 |
| 2013 | 21.93282 | 19.327 | 2.605818 | 45.80161 | 7.582938 | -17.998 | -19.6277 |
| 2014 | 21.74094 | 19.308 | 2.432941 | 28.63053 | 5.238095 | -23.0428 | -24.5111 |
| 2015 | 30.07829 | 19.676 | 10.40229 | 14.42644 | 6.666667 | -0.84266 | -2.43005 |
| 2016 | 45.37587 | 19.522 | 25.85387 | 10.79314 | 5.714286 | -1.49094 | -2.98083 |
| 2017 | 44.82362 | 19.02 | 25.80362 | 20.94662 | 5.238095 | 32.4918 | 30.39506 |
| 2018 | 32.0062 | 18.836 | 13.1702 | 30.03453 | 5.188679 | 7.941368 | 6.203272 |
| 2019 | 16.88782 | 19.05 | -2.16218 | 32.75156 | 3.773585 | -11.1961 | -12.4989 |
| 2020 | 21.06004 | 19.613 | 1.447037 | 9.243992 | 3.773585 | -29.4553 | -30.4002 |
| 2021 | 22.50933 | 19.641 | 2.86833 | 56.37794 | 5.188679 | 28.33346 | 26.71875 |
| 2022 | 23.7923 | 19.282 | 4.510301 | 57 | 7.075472 | -8.25163 | -9.37731 |
| 2023 | 21.12618 | 18.753 | 2.373175 | 60 | 7.109005 | 10.15582 | 8.921611 |
| 2024 | 20.74116 | 18.615 | 2.126158 | 68 | Na | na | na |
المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي ومصرف ليبيا المركزي.
جدول رقم (2) مؤشر البؤس الاقتصادي في ليبيا مقارنة مع بعض البلدان
| البلدان | السعودية | الإمارات | الجزائر | تونس | مصر | الكويت | إيران | ليبيا | الأردن |
| مؤشر البؤس الاقتصادي | 6.2 | 3.7 | 20.7 | 25.7 | 35.6 | 5.7 | 53.8 | 20.7 | 20.1 |
المصدر: قاعدة بيانات البنك الدولي ومصرف ليبيا المركزي.



