Skip to main content

مقدمة

منذ توقف الاشتباكات العسكرية التي شهدتها طرابلس منتصف مايو الماضي، بين قوات تابعة للحكومة و قوة جهاز الردع، وداعميها عسكرياً على خلفية قرارات أصدرها رئيس الحكومة قضت بحل و تسليم مقرات بعض الأجهزة الأمنية موالية لجهاز الردع، فور انتهاء عملية عسكرية أطلقتها وزارة الدفاع أطاحت بجهاز دعم الاستقرار، و العاصمة طرابلس تعيش حالة من الاضطراب الأمني مخافة عودة الاقتتال، الذي أوقفته هدنة وصفت بأنها هشة، فهل يكون الاتفاق هو نهاية حالة التوتر والتصدع داخل المكونات السياسية والأمنية والمجتمعية في العاصمة طرابلس، أم أن الوضع قابل للانفجار؟

 هدنة وهدوء حذر ووساطات وقرارات أمنية

 بدخول قوات من مدينة مصراتة لفض النزاع، أصدر المجلس الرئاسي القرار رقم 2 لسنة 2025 بتاريخ 14 مايو يقضي بوقف تام لإطلاق النار ورجوع الوحدات لمقراتها، و تشكيل لجنة تقصي حقائق و إلغاء كافة قرارات رئيس الحكومة المتعلقة بحل بعض الأجهزة الأمنية، ثم أنشأ المجلس الرئاسي لجنة هدنة بالتعاون مع بعثة الدعم لليبيا برئاسة رئيس الأركان لتنفيذ قرار وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى قرارات صدرت عن رئيس المجلس الرئاسي، بالتفاهم مع رئيس الحكومة بشان تشكيل لجان حقوقية لمتابعة أوضاع السجون، و القرار 34 لسنة 2025 بشأن تشكيل لجنة مؤقتة للترتيبات الأمنية، ثم أصدر رئيس المجلس الرئاسي بالتوافق مع رئيس الحكومة القرار 36 لسنة 2025 بمنع تحرك الآليات العسكرية داخل طرابلس، و تكليف مدرية أمن طرابلس و الشرطة العسكرية بضبط الأمن، ثم ألحقه بالقرار 37 لسنة 2025 بالتفاهم مع رئيس الحكومة بتشكيل قوة عسكرية لإسناد مدرية أمن طرابلس، وبالتزامان مع إصدار القرارات أنطلقت وساطات قادتها  بعثة الأمم المتحدة و أطراف محلية؛  للوصول إلى اتفاق ينهي الأزمة الأمنية، غير أنها عجزت عن إبرام اتفاق إلا أنها استطاعت المحافظة على التهدئة، حتى مع استمرار تحشيد الآليات العسكرية حول طرابس، و تزايد حملات التحريض الإعلامي من كلا الطرفين، ليصبح التخوف من الانفلات الأمني  هو السمة المسيطرة على الرأي العام داخل طرابلس.

الوساطة التركية والوصول للاتفاق

الاتفاق المسرٌب لم يخرج عن صُلب اتفاقات سابقة، تمت بتفاهمات بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة أو بوساطات محلية، لكنها لم تنفذ لانعدام الثقة بين طرفي النزاع، ولعدم وجود طرف ضامن؛ مما جعل الحاجة ملحة لوسيط موثوق وضامن غير محلي.

 مقربون من أطراف الأزمة تداولوا أن الأتراك منزعجون من التوتر، ومن عدم التوصل لاتفاق ينهي الخلاف الحاصل بين الحكومة والردع، وموقفهم من الأزمة رافض لأي عمل عسكري بالعاصمة، وإنهم لم ينحازوا لأي طرف. انزعاج الأتراك ورفضهم للاقتتال وعدم اصطفافهم؛ أهلهم للقبول بهم كوسيط، ساهم في منع وقوع اشتباكات عنيفة قد تفجر الوضع الأمني بطرابلس وما جاورها، وساعد طرفي الصراع للوصول لاتفاق بضمانات تركية. ومما يعزز صحة التوصل للاتفاق، عدم صدور بيان أو لفت انتباه لوسائل الإعلام، سواء من المجلس الرئاسي أو الحكومة أو جهاز الردع أو أي جهة أمنية معنية بالأزمة الأمنية ينفي ما تم تناقله من التوصل لاتفاق بوساطة تركية، بل لم يتم نفي وجود وفد تركي لغرض التوسط، والتصريح الوحيد -الذي يعتبر إلى حد ما رسمي-هو حديث مستشار رئيس المجلس الرئاسي، الذي أكد على إبرام اتفاق بوساطة تركية، بالإضافة إلى صدور قرارات عن رئيس الحكومة، بعد تسرب الاتفاق للإعلام، اعتبرت مضامينها آليات لتنفيذ الاتفاق.

حالة طرفي الصراع قبل الاتفاق 

 تداخل الاختصاصات وتنازعها بين الأجهزة الأمنية، والصراع لأجل بسط النفوذ والسيطرة المكانية داخل العاصمة، ومحاولات السيطرة على مقرٌات ودواوين السلطات السيادية ومقار الوزرات بحجة التأمين، هي إشكاليات نشأت عن الفراغ الأمني الذي حدث بعد تحرير طرابلس، كانت العامل الرئيسي لأغلب النزعات المسلحة، التي آخرها العملية العسكرية التي أسقطت جهاز دعم الاستقرار، وقادت إلى المواجهات العسكرية بين الحكومة وجهاز الردع، والتي لم تحسم عسكرياً لتتحول فور توقفها لأزمة أمنية عميقة احتاجت لوسطاء لإنهائها. غير أن بعض شروط و طلبات الحكومة و جهاز الردع لإبرام اتفاق كانت عالية السقف، يصعب تحقيقها على المدى القريب و بشكل عاجل؛ مما أطال أمد الأزمة، فرئيس الحكومة أعلن بوضوح أن بقاء قوة خارج سيطرة حكومته مدعاة للاحتكاك، وأعلن عن عزمه حل كافة التشكيلات الرافضة لسلطتها، و أصدر قرارات متعلقة بجهاز الشرطة القضائية و السجون التابعة لها، و طالب بتسليم مطار معيتقة. بالمقابل اعتبر داعمو جهاز الردع من النشطاء المدنيين الحكومة فاقدة للشرعية بخرقها للسلم الاجتماعي، وطالبوا في تظاهراتهم وبياناتهم بإسقاطها.

رفع سقف المطالب، وصعوبة تنفيذ عملية سريعة وخاطفة لا تُوقع خسائر بأرواح المدنيين وممتلكاتهم، ورفض شريحة واسعة من سكان طرابلس للحرب، ومناشدات البعثة وبعض الجهات الدولية ضبط النفس، وبروز الأتراك كوسيط ضامن دفع طرفي النزاع لتقديم تنازلات، اعتبرها متابعون تنازلات وطنية سهّلت التوصل لاتفاق. 

مضامين الاتفاق

 كما سبق التنويه، لم يصدر عن أي من أطراف النزاع ما يفيد بخصوص بنود الاتفاق، وتناقلت بعض وسائل الإعلام مضامين الاتفاق والتي شملت:

  • انحساب جهاز الردع من مطار معيتيقة لتتولى كتيبة مشكلة من رئاسة الأركان تأمين محيطه، مع خروج كافة الكتائب العسكرية من بقية مطارات المنطقة الغربية.
  • تكليف رئيس لجهاز الشرطة القضائية.
  • تسلٌم وزارة العدل السجون بما فيها سجن معيتيقة.
  • تسليم المطلوبين من أي جهاز أمني للنائب العام.
  • منع القبض إلا بأوامر صادرة عن النائب العام.
  • عدم تدخل الأجهزة الأمنية بالشأن السياسي.
  • عودة القوات العسكرية التي دخلت طرابلس إلى مقراتها.
  • تتولى مديرية الأمن تأمين طرابلس.

وبمراجعة البنود أعلاه بفرض تقييم الاتفاق وتقدير حجم التنازلات، نجد أن الوسيط التركي كضامن سهّل على طرفي النزاع تقديم تنازلات، فالحكومة استبعدت خيار الحرب لإسقاط جهاز الردع، وجهاز الردع تنازل عن مطلب إسقاط الحكومة، الأمر الذي جعل التوفيق بين باقي طلبات الطرفين ممكن، فجهاز الردع فضل التنازل والانسحاب من مطار معيتيقة حتى لا يوصف بالمعرقل؛ ليقينه بأن مطار طرابلس سيفتتح عاجلاً أم آجلاً لتسارع وتيرة العمل لافتتاحه، وقبوله لقوة تأمين محايدة تجنبه التصادم.

بالمقابل قدم رئيس الحكومة تنازلا بإلغاء قراره الخاص بتسمية وكيل وزارة العدل رئيساً للشرطة القضائية، الذي رفضه جهاز الردع حين صدوره، واستثناء سجن معيتيقة من التبعية للشرطة القضائية، وقصر التغيير على قيادتها لا أفرادها. وتبقى لسجن معيتيقة خصوصيته، ذلك أن قرار إلغائه أو الإبقاء عليه يستغرق وقتا؛ لاحتياجه لترتيبات خاصة، ولمسؤولية تضامنية لطرفي الصراع لطبيعة نزلائه.

أما بند تسليم المطلوبين فقد تمسك به رئيس الحكومة، باعتبار أنه اتخذ الإجراءات اللازمة بشأنهم، وأن حكومته غير ملزمة أمام المنظمات الحقوقية المحلية والدولية والقضاء الوطني والجنايات الدولية عن ملاحقتهم، إلا بعد صدور أوامر قبض من مكتب النائب العام، وجهاز الردع سيحتج بأنه عرض على النائب العام من صدرت بحقهم مذكرات قبض، بمن فيهم من طالبت بهم الجنايات دولياً.

أما البند الخاص بعدم تدخل الأجهزة الأمنية في الشأن السياسي، فقد أُدرج لمنع ممارسة الضغط على السلطات التنفيذية، كضغط بعض التشكيلات على الحكومة لإصدار أمر إسقاط الردع عسكرياً، وضغط تشكيلات أخرى على المجلس الرئاسي لإصدار مرسوم إسقاط الحكومة.

وفيما يتعلق ببنود إخلاء طرابلس من كافة المظاهر المسلحة، وانسحاب القوات لمقراتها، مع استلام مديرية أمن طرابلس مهام التأمين، فهي مشمولة بالقرارات الصادرة عن رئيس المجلس الرئاسي بالتفاهم مع رئيس الحكومة.

مدى إمكانية تطبيق الاتفاق والتداعيات في حال فشله

الاتفاق بطبيتعه المتدرجة سيستغرق وقتا لتنفيذه، و تعثر تطبيق بند من بنوده، أو الإخفاق بالالتزام بتطبيقه، لا يعني بالضرورة عودة الاشتباكات، لكن خطر وقوعها سيبقى قائماً، وبحسب مراقبين، فإنه لا الحكومة ولا جهاز الردع سيعملان على إفشاله، فرئيس الحكومة سيسعى بعد إطلاق خارطة البعثة، المتضمنة تشكيل حكومة في مرحلة من مراحلها إلى تجنب عودة التظاهرات و النشاطات المطالبة برحيله، أما جهاز الردع فطول مدة الأزمة، و ما صاحب التظاهرات المطالبة بإسقاط الحكومة من أعمال شغب، نسبها متابعون للشأن السياسي الليبي لمناصري جهاز الردع، بالإضافة لاتهامه بإيواء أفراد منتسبين لأجهزة أمنية منحلة، أفقده الزخم الشعبي الكبير  المضاد للحكومة، الذي تحقق منتصف مايو الماضي ، كما أن  الوسيط التركي سيستمر بالحث على تطبيق كامل الاتفاق، والبعثة من جانبها ستضطلع بدورها بمتابعة تطبيق الاتفاق؛ لمنع أي خروقات أمنية تعيق تنفيذ خارطة الطريق للعملية السياسية.

ختاما

أحد أسباب تسريع اتخاذ قرارات رئيس الحكومة بحل أجهزة أمنية موالية للردع، هو لتفادي إدانته من قبل مدعي عام الجنايات الدولية؛ بسبب ممارسات أشخاص وأجهزة تابعة لحكومته، تلك القرارات المتسرعة اعتبرها متنفذون بجهاز الردع تحجيما للجهاز، كما أن طول أمد الأزمة وتعمقها حوّل الصراع في محطة من محطاته إلى صراع وجود. ولعدم تحقق النصر لأحدهم تمكّن الوسيط التركي من إقناعهم بإبرام اتفاق سيرتبط بمصير خارطة البعثة من حيث النجاح أو الفشل؛ لذلك سيسعيان إلى التهدئة ما دامت خارطة البعثة متداولة، فالردع سيراهن على تغيير الحكومة من خلالها، والحكومة ستراهن على فشل توافق المجلسين على قوانين الانتخابات لتتأجل مرحلة تغيير الحكومة.