Skip to main content

تعد كارثة السیول التي أصابت الشرقي الليبي وخلفت  خسائر كبيرة في الأرواح ودمارا هائلا في الممتلكات، وكانت ضحيتها الأكبر مدينة درنة، تعد كارثة لا مثیل لھا في تاریخ لیبیا المعاصر من حیث عدد القتلى والمفقودين والتجریف العمراني. وبالرغم من أن الكارثة قد تعدت درنة إلى مدن أخرى كالبیضاء ومدن الساحل وسوسة وشحات وبعض القرى الصغيرة إلا أن إنھیار السدود في المدینة كان له الوقع الأكبر إذ أدى إلى تدفق میاه الأمطار بشكل قوي یوازي قوة الفیضانات، وتسببت المیاه المحملة بصخور الوادي في اجتثاث العمارات وجرف الطرق وأغراق السكان.

الوضع الإنساني والاستجابة الحكومیة

مع تدھور الوضع في مدینة درنة ونزوح أكثر من 40 ألف نسمة من بیوتھم داخل المدینة وخارجها وانھیار أكثر من 800 مبنى، بحسب تقارير دولية وتحقیقات صحفیة، دخلت المدینة في كارثة عظيمة حيث يواجه الأهالي ظروفا صعبة جدا جراء النزوح ونقص الغذاء والمیاه ما یتطلب تدخلا ونجدة عاجلة وھو ما تم بالفعل عبر الحملة التي عرفت باسم “فزعة خوت” والتي یمكن توصیفھا بـ الحملة الإغاثیة الشعبیة من كل أنحاء لیبیا خصوصا المنطقة الغربیة، كما تدخلت جمعیة الھلال الأحمر اللیبي في الرعایة الصحیة وكذا الاغاثة التي وصلت من خارج البلاد.

إلا أن المجھود الشعبي والأھلي لیس كافیا وغیر قادر على احتواء ما خلفته السيول في درنة وغیرھا من المدن، وشهدت إدارة الكارثة تحديا كبيرا بفعل الفوضى والعشوائیة والتخبط وغياب الدور الفاعل للجھات المركزیة المسؤولة عن إدارة الأزمات.

ومع الانقسام السياسي الحاصل وخروج الشرق برمته عن سلطة الحكومة المعترف دوليا، فإن دور حكومة الوحدة الوطنیة برئاسة عبدالحميد ادبيبة ظل محدودا، بعضه تنفيذي كإرسال شركة الخدمات العامة لدرنة وفرق الدعم والطوارئ والمعدات الفنیة اللازمة للمساهمة في عملیات الإنقاذ وانتشال الجثث ، والآخر توجيهي عبر حث الجھات العامة على التبرع وتقدم ما لديها من إمكانية لإغاثة المتضررين.

تأخرت حكومة الوحدة الوطنیة في طلب العون الدولي لإنقاذ العالقین في درنة بسبب عدم قدرتھا على تقییم الوضع المیداني، وحاولت الحكومة الليبية في الشرق برئاسة أسامة حماد ممارسة سلطتها في المناطق الخاضعة لها دون أن يتوفر لها الشرعية أمام المجتمع الدولي والغطاء  المالي محليا، الأمر الذي حد من دور ومسؤولية حكومة الوحدة، فكان النتيجة أداء حكومي دون المستوى انعكس سلبا على إدارة الكارثة.  

شكلت الحكومة الليبية برئاسة حماد لجنة أزمة عقدت مؤتمرا صحفیا بعد اسبوع من وقوع الكارثة في الوقت الذي عقدت فیھ لجنة الأزمة لحكومة الوحدة مؤتمرا صحفیا یومیا منذ انھیار سد درنة، لكن ظلت الأولى – بدعم من القيادة العامة – هي المتحكمة على الأرض، وظهر ما يشير إلى التدافع السياسي بين الحكومتين ما حد بالمجلس الرئاسي دعوة النائب العام للتحقيق مع “المعرقلين” لجهود الإغاثة وإدارة الأزمة.

وقد كانت استجابة الفرق الدولیة للإنقاذ من كل أنحاء العالم فعالة رغم تأخرھا بسبب تباطئ السلطات الليبية في طلب العون كما صرح رئیس قسم الشؤون الإنسانیة في مفوضیة الخارجیة الأوروبیة، وكان الدور الدولي فعالا جدا وفارقا للغایة لما توفر لهم من خبرة وتقنيات متقدمة في البحث عن المفقودين وإنقاذ الأحياء، ولعدم وجود ھذا النوع من الامكانيات في البلاد ونقص الخبرة والتأھیل الليبي لمواجهة مثل تلك الكوارث والأزمات.

ردرد الفعل الشعبية وأصدائها السياسية  

خرج أھالي درنة عقب الكارثة بیومین في مظاھرة حاشدة في میدان مسجد الصحابة بشكل عفوي، حین أعلنت مجموعة من ناشطي المدینة عن إلقائھم لبیان، وسرعان ما اكتظت الساحة بجموع الغاضبین الذین تركزت ھتافاتھم على التندید بعقیلة صالح وعمید البلدیة والمطالبة بمحاسبتھم والقصاص منھم في أسرع وقت، ومن ثم تحول بعض المتظاھرین إلى بیت عمید البلدیة عبدالمنعم الغیثي، ابن اخت رئیس مجلس النواب عقیلة صالح، لیقتحموه ویحرقوه معبرین عن غضبھم في ھتافات تتھمه بالفساد والإھمال.

المتظاهرون لم يوجهو غضبهم لحكومة حماد أو للقيادة العامة، السلطة الفعلية في الشرق، وعلى العكس تماما، فقد هتفوا مطالبين حفتر وابنه صدام بمعاقبة المسؤولين السياسيين والتنفيذيين المحليين، وبحسب مصادر عديدة فإن اتجاه الحراك كان يمكن أن يغير المشهد السياسي ويطيح ربما برئاسة البرلمان لولا حديث عن تدخل مصر، ويدعم هذا الاتجاه في السرد والتحليل الخلاف الشديد بين صدام حفتر وعقيلة صالح، وسعي الأول لإقالة الثاني،  ومعارضة القاهرة لهذا التوجه.

اتجاه الغضب الشعبي وتركيزه صوب البرلمان ورئاسته لم يكن مفهوما لدى كثير من المراقبين، فالمسؤول عن السياسات والقرارات ذات الطبيعة التننفيذية هي الحكومة وليس المجلس التشريعي.

المشهد منذ تولي حماد رئاسة الحكومة يظهر أن حماد وبمعية القيادة العامة هم السلطة التنفيذية النافذة والمتحكمة في القرار في الشرق، وقد أظهر الإعلام أسامة حماد في اجتماع  مع خليفة حفتر قبل الإعصار بیوم، حيث طالب حفتر حماد إحاطته بآخر المستجدات والاستعدادات لعاصفة دانیال، الأمر الذي يعكس الصلاحيات والمسؤوليات والنفوذ الحقيقي على الأرض.

من یتحمل المسؤولیة ؟

في ظل المطالبات بالمحاسبة ینبغي أن تطرح عدة تساؤلات حول المشكلة، فعلى أي أساس ینبغي أن تتم المحاسبة؟ وھل ینبغي أن تتم المحاسبة على صعید محلي في درنة وإدارتھا التي فشلت في اتخاذ إجراء وقائي واتھمت بالفساد والهدر بالنظر للمیزانیة التي توفرت لھا ؟ أم أن السياسة الخاطئة لما قبل الكارثة والأمر بحظر التجول وطلب السكان المكوث في بیوتھم ھو السبب الرئیسی في ھذه الكارثة ؟

وبالرغم من الفساد والإهمال الضارب في القدم في ملف سد مدینة درنة، إذ تشیر تقاریر إلى أن صیانة السد كان لابد منھا منذ عام 1986 أي قبل أربعة عقود تقریبا، إلا أن كمیة الأمطار التي ھطلت كانت هائلة بل لم تعرف المدینة مثیلا لھا منذ أربعین سنة. كما أن حظر التجول فاقم من عدد الضحایا وتسبب في معاناة القطاع الأوسع من سكان المدینة بسبب قلة الخبرة عند المسؤولین عن إدارة الأزمة الذین توقعوا أن المشكلة ستكون آتیة من البحر بارتفاع أمواجه إلى ستة أمتار ولم یكونوا على استعداد لكمیة الأمطار المسببة للسیول.

 من جانب آخر، ومع الإقرار بانحراف المجلس التشريعي عن مساره وتحمله اخطاء جسام، فإنه من التكلف والمناكفة السياسية تحميله أزمة أساءت إدارتھا السلطة التنفیذیة، فالقرار التنفيذي في شرق البلاد وأجزاء واسعة من جنوبھا تتحكم فيه القيادة العامة بخضوع الحكومة الليبية لها، ویتدخل فیه متنفذون من أمثال أبناء القائد العام بشكل مباشر وھو ما یجعل توجيه الاتهام في الفاجعة لعقیلة صالح أو مجلس النواب لا يخلو من المناكفة السياسية.

الانقسام السیاسي وإعادة إعمار المناطق المنكوبة

وجَّه وزیر المالیة بحكومة الوحدة الوطنیة رسالة الى البنك الدولي یطلب فیھا مساعدة البنك في تقییم الأضرار الناجمة عن السیول وتأسیس صندوق لاستقبال المساعدات الدولیة والإشراف على إدارة أموال إعادة إعمار مدینة درنة. في الوقت نفسه اجتمع رئیس الحكومة الليبية أسامة حماد بمجموعة من الشركات المصریة والتي ستباشر أعمال إعادة البناء، حسب الحكومة الليبية، وقد طالبھا حماد بسرعة الإنجاز كشرط أساسي للعمل.

وعلى صعيد توفير التمويل اللازم لمجابهة تداعيات الإعصار والسيول، فقد خصصت حكومة الوحدة 2 مليار دينار، وبالمقابل أعلن مجلس النواب عن تخصيص ميزانية طوارئ لمجابهة الكارثة قدرت بـ 10 مليار دينار يشرف البرلمان بمعية المصرف المركزي والقيادة العامة على إنفاقها، والتنفيذ يكون من قبل الحكومة الليبية.

يمثل الموقفين حالة من التنافس على إدارة ملف إعادة الإعمار بدرنة، وهو ما يشكل خللا في التعاطي مع أثار الكارثة بل تحديا فعلیا أمام القدرة على البدء في إعادة الإعمار رغم عدم انتھاء عمليات انتشال جثث الضحایا بعد، دع عنك الفساد الذي سيكون عظيما وعلى حساب معاناة المتضررين من الإعصار والسيول.

وبالرغم من أن خطوة حكومة الوحدة ھي الخطوة الأكثر مھنیة إلا أن سیاقھا وتوقیتھا يدلل على تأثرها بحالة التدافع والمماحكة السياسية. كما أن الحدیث عن الأولیات ینبغي أن یكون الأبرز في الوقت الذي یعاني فیه قطاع واسع من سكان المدن المنكوبة مشكلة في السكن وتوفير الخدمات الرئيسية والاحتياجات الحياتية الضرورية والتي لم تعالج من قبل المستویات العلیا حتى الآن.

إضافة إلى ما سبق، فإنه یخشى على ملف إعادة إعمار مدینة درنة أن ينحو منحى إعادة إعمار مدینة بنغازي والذي تلبس بانتھاكات لحقوق الملكیة حيث اضطر سكان المنطقة المتضررة في بنغازي إلى مغادرة بيوتهم قسرا وإلزام الناس ببیع ممتلكاتھم دون رضى. وكشف بعض سكان درنة عن قلقهم من تكرار ما وقع في بنغازي بعد رؤيتهم الصفیح الأزرق يضرب طوقا حول حول بعض المناطق المتضررة في درنة.

الخلاصة

أثار إعصار دانيال غير مسبوقة في التاريخ الليبي المعاصر، غير أن ما يجعل ما أصاب درنة والمدن الأخرى كارثة بنتائج متراكمة وخطيرة ليس ضعف الامكانيات وقلة الخبرة في مواجهة هكذا كوارث فحسب، بل هو الوضع السياسي المتردي الذي مظهره الانقسام بين جبهتين وسلطتين في الغرب والشرق، والنزاع داخل الجبهة الواحدة كما هو الحال في الشرق.

وعندما ينظر الساسة والمتنفذون إلى الكارثة كفرصة للكسب السياسي وتحصيل مزيد من السلطة والنيل من الخصم، وليس لتخفيف مأساة الذين فتكت السيول بذويهم وجعلتهم في وضع إنساني صعب للغاية، فإن جهود الإغاثة والإعمار ستتعرض للفشل، وستشتد المعاناة على المنكوبين، وقد تتسبب في ردود فعل تفاقم الأزمة وتهدد الاستقرار الذي يعاني من هشاشة اصلا.