مقدمة
مع قرب انتهاء شهر أكتوبر 2023، شهد الدولار الأميركي مقابل الدينار الليبي ارتفاعاً غير مسبوق في السوق الموازية مقارنة بالشهر الماضي، إذ ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية من 5.2 دينار إلى 5.57 دينار بنسبة 7%، في المقابل بلغ سعر صرفه الرسمي أمام الدولار الأميركي نحو 4.88 دينار، وفقاً لقائمة أسعار العملات بمصرف ليبيا المركزي، وهو ما ساهم في زيادة الفجوة بين سعر صرف الدينار الليبي في مصرف ليبيا المركزي والسوق الموازية بنحو 0.69 دينار ليبي.

تعد السوق السوداء للعملة من أكبر المخاطر التي تهدد استقرار الدينار الليبي، ولم يضع مصرف ليبيا المركزي خطة مدروسة لمعالجة الأوضاع الحالية، حيث تقف السلطات النقدية ممثلة في المصرف المركزي الليبي عاجزة أمام أزمة الدينار والتي لها ارتدادات كبيرة اقتصادية واجتماعية، ويعود ذلك إلى حذرها الشديد من نفاد الاحتياطي من العملة الصعبة.
سيضاعف الوضع الصعب للدينار الليبي من الضغوط على المواطن الذي يحس اليوم آثار هذه الأزمة من خلال الارتفاع الكبير في أسعار السلع باعتبار أن أكثر من 80% من استهلاك الليبيين مستورد ويعتمد على سعر العملات الصعبة بشكل أساسي.
أسباب انهيار الدينار الليبي في الآونة الأخيرة
أعلن مصرف ليبيا المركزي في بيان الإيراد والانفاق لشهر سبتمبر 2023، عن وجود عجز في إيرادات النقد الأجنبي حيث بلغت إجمالي إيرادات النقد الأجنبي خلال الـ 9 أشهر الأولى من عام 2023 نحو 17.7 مليار دولار، بينما ارتفعت استخداماته إلى نحو 27.6 مليار دولار، الأمر الذي أدى إلى تحقيق عجزاً قدره 9.9 مليار دولار من إيرادات النقد الأجنبي بنسبة 55.9%. وقد تسبب بيان مصرف ليبيا المركزي، في ارتفاع سعر النقد الأجنبي في السوق الموازية، رغم محاولات الدولة التحرك لضخ مزيد من الدولارات للحيلولة دون خروج الأمور عن السيطرة.

يرجع انخفاض قيمة العملة الليبية أمام الدولار في الآونة الأخيرة إلى عدة عوامل داخلية، منها رفض مصرف ليبيا المركزي فتح مزيد من الاعتمادات، حيث أنه منذ يناير 2021 شهد سعر صرف الدينار الليبي استقراراً أمام بقية العملات الأجنبية في السوق الموازية، وذلك بعد تعديل سعر الصرف من مجلس إدارة المصرف، إلى أن بدأ الارتفاع مع نهاية الأسبوع الماضي بشكل ملحوظ لم تصل ليبيا إليه منذ نهاية عام 2020.
يعتبر سعر صرف أي عملة هو محصلة تفاعل قوى العرض والطلب، حيث تعد تفاعلات الطلب القوي أمام ضعف العرض هو السبب الرئيس لارتفاع الدولار الأميركي أمام الدينار الليبي، فمن خلال البيانات التي ينشرها مصرف ليبيا المركزي، نلاحظ أن الطلب على النقد الأجنبي خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي ارتفع بمقدار يناهز 3.5 مليار دولار لغرض الاعتمادات المستندية والأغراض الشخصية، أي بنسبة ارتفاع بلغت حوالي 32,4 في المئة. إن زيادة الطلب على النقد الأجنبي خلال الثمانية أشهر من العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2022، ارتفعت ليصاحبها عجز يقدر بحوالي 2.1 مليار دولار.
كذلك لجأ مصرف ليبيا المركزي إلى فرض قيود ضمنية ليست صريحة، تمثلت في بعض التأخير بإتمام عدد من المعاملات المستندية والتعقيدات في بيع النقد الأجنبي لأغراض شخصية مثل: العلاج بالخارج، السفر، التجارة، وهو ما تبين من خلال البيانات التي سبق وأصدرها المصرف المركزي. ونتيجة لهذه القيود تقلصت مبيعات النقد الأجنبي المخصصة للأغراض الشخصية بمقدار 50 في المئة في الشهرين الماضيين مقارنة بالستة أشهر الأولى من العام الحالي، وبالتالي فإنه مع فرض كل هذه القيود أصبح هناك طلب مرتفع يقابله خلل في العرض من المصرف المركزي. لذلك أصبح طلب الليبيين المتزايد على الدولار الأمريكي هو العامل الأساسي لانتعاش السوق الموازية، مع الأخذ في الاعتبار أن الكميات المعروضة في السوق الموازية مصدرها الرئيس هي الاعتمادات المستندية.
وتجدر الإشارة إلى أن كل من تقنين العمل ببطاقات النقد من قبل مصرف ليبيا المركزي، إضافة للقيود التي تمارسها لجان مراجعة طلبات الاعتمادات على المصارف، ورفضها للاعتمادات، وقرار حظر التعامل مع الشركات الإماراتية في ملف الاعتمادات، إضافة لعدم قيام المؤسسة الوطنية للنفط بتحويل أي دولار من حسابات النفط إلى المصرف المركزي، خاصة مع تنامي العجز في النقد الأجنبي داخل المركزي والذي بلغ 9.9 مليار دولار، كل ما سبق ساهم أيضاً في انخفاض قيمة العملة الليبية أمام الدولار.
وقد أدي كل من تضخم الميزانية العامة بنفقات كبيرة، والتوسع في الإنفاق العام بشكل مبالغ فيه إلى فائض في السيولة أكبر من الطاقة الاستيعابية للاقتصاد الليبي، ناهيك عن وجود أكثر من ثلث النقود خارج الإطار المصرفي، حيث يفضل التجار الاحتفاظ بالنقود خارج المصارف خصوصا مع صعوبة الحصول على النقد من المصارف بسب الخوف من عمليات الاختطاف وصعوبة ايصال النقد لبعض الفروع المصرفية.
كذلك، يعود تراجع الدينار الليبي إلى تهريب العملات الصعبة من المصرف المركزي عن طريق الاعتمادات الوهمية ومجموعات الفساد المالي، إذ تباع العملات الأجنبية وعلى رأسها الدولار في السوق الموازية بسعر أعلى بكثير من السعر الرسمي بل ووصلت الزيادة إلى أكثر من 0.6 دينار ليبي.
كما يعزي أسباب التذبذب في سعر الدينار بالدرجة الأولى للظروف الأمنية في البلاد، واستغلال المضاربين في السوق السوداء الظرف لأجل تحقيق مكاسب شخصية، ولاسيما مع ارتفاع سعر الدولار بالأسواق العالمية وهو عامل مساعد لارتفاع الأسعار بالداخل، كما أن المصرف قلق من استمرار حجم الإنفاق العام بمعدلات لا تتناسب مع حجم الإيرادات المحصلة.
وجدير بالذكر أن كل من استشراء الفساد في القطاع العام وانتشار ظاهرة التهرب الضريبي وتقاعس الجهات العامة عن دفع المستحقات، إضافة إلى المبالغة في الإنفاق التسييري وتقديرات خاطئة عن أسعار النفط، أدى إلى الفشل في السياسة المالية.
أما بالنسبة لبيع النقد الأجنبي لبعض المصارف، من الملاحظ أن كميات منها بيعت على سبيل المثال من خلال مصرف الوحدة، وشهدت ارتفاعاً بنسبة حوالي 171 في المئة عما كانت عليه في العام الماضي، وهو ما يلقي بظلاله على وجود بعض شبهات غسيل الأموال في المصارف التجارية.

ومن بين أبرز العوامل الخارجية المؤدية لانخفاض قيمة العملة الليبية ارتفاع مؤشر الدولار الأمريكي، حيث حقق مؤشر الدولار الأمريكي – الذي يقيس أداء العملة الأمريكية مقابل سلة مكونة من ست عملات أجنبية أخرى – ارتفاعا بنسبة 7% واستقر قرب مستوى 106 نقطة خلال آخر 3 شهور من عام 2023، مستفيداً من بعض البيانات الإيجابية، وصعود العوائد على السندات الأمريكية والتوترات الجيوسياسية العالمية ولاسيما في منطقتي الشرق الأوسط وأوكرانيا.

ونتيجة لما سبق، من المرجح استبعاد إمكانية انهيار قيمة الدينار الليبي، باعتبار أن المصرف المركزي ما زال يبيع النقد الأجنبي وذلك رغم القيود التي يفرضها، حيث تتمثل المشكلة الأساسية في صعوبة عودة سعر الصرف للقيمة التي كان عليها في حدود 5.20 دولار خلال الشهر الماضي مع فقدان الثقة في قيمة العملة المحلية، في ظل استمرار ارتفاع العملات الأجنبية، ومن ثم فإن كل مواطن لديه نقد أجنبي سيحجم عن البيع نظرا لتوقعهم عدم قدرة المصرف المركزي على توفير العملة الأجنبية، في المقابل كل مواطن لديه مبلغ مالي كبير بالدينار الليبي سيحاول أن يشتري النقد الأجنبي تحوطاً من حدوث انهيار أكبر للعملة المحلية، وهو ما سيدفع سعر الصرف إلى الارتفاع أكثر، لذا من المتوقع أن تتجاوز قيمة سعر صرف العملات الأجنبية ستة دنانير خلال الفترة المقبلة.
البدائل السريعة لمعالجة تراجع قيمة الدينار الليبي
ينبغي ضرورة المراقبة الفاعلة لعمليات التحويل والاعتمادات المستندية والبطاقات الالكترونية والتي تحتاج الي جهد لتصحيح الخلل الواضح في استخدامها حيث تعتبر أحد الادوات التي تستخدم للتحايل للحصول على النقد الاجنبي واعادة طرحه في السوق السوداء.
ينبغي فتح حسابات بالدولار للأشخاص والشركات باعتبار أن القانون المصرفي الليبي يسمح بذلك حتى تضمن ليبيا بقاء العملات الأجنبية داخل نظامها المصرفي، الأمر الذي سيعزز من احتياطات النقد الأجنبي في مصرف ليبيا المركزي. وإذا ما سمح بفتح حسابات بالعملة الصعبة داخل ليبيا ستكون هناك رقابة مالية من السلطة النقدية في ليبيا المتمثلة في مصرف ليبيا المركزي، مما سيجنب البلد عمليات غسيل الأموال، لأن مواصلة فتح اعتمادات لشركات ليبية خارج الدولة الليبية هو عبارة عن استنزاف لاحتياطات النقد الأجنبي.
ينبغي توفير الحماية للنقد الأجنبي لتشجيع أصحاب رؤوس الأموال على سهولة نقلها من الخارج إلى المصارف الليبية مما سيدعم بدوره الاقتصاد الوطني، وذلك عن طريق توفير كميات أكبر من العملة الصعبة، خصوصاً أن الأموال الليبية بالخارج تتعرض بين الحين والآخر لعمليات استحواذ بسبب عدم قدرة أصحابها على الإفصاح عن مصادرها، بينما في ليبيا يمكن معرفة مصدرها بكل يسر باعتبار أن المنظومة المالية محلية.
ينبغي ضرورة تدخل مصرف ليبيا المركزي لشراء العملة المحلية المعروضة في السوق مما يساهم في انخفاض الدولار إلى أقل من 5.20 دينار حيث أن إيرادات مصرف ليبيا المركزي من مبيعات النفط تفوق 120 مليون دولار يوميا (ما يعادل 3.6 مليار دولار شهريا)، وتصل إلى 21.6 مليار دولار خلال ستة أشهر.
وختاماً، يمكن القول أنه في ضوء تراجع قيمة الدينار الليبي أمام الدولار الأمريكي في غضون الأيام الماضية بسبب تسجيل عجز في الدولار لدى مصرف ليبيا المركزي ورفض مصرف ليبيا المركزي فتح مزيد من الاعتمادات المستندية، ووجود طلب قوي متزايد من المواطنين والمضاربين، وتضخم الميزانية العامة بعجز كبير، وعدم ترشيد الإنفاق العام ووجود شبهات غسيل الأموال لدى بعض المصارف التجارية، وارتفاع سعر الدولار بالأسواق العالمية، وهو ما من شأنه أن يؤدى إلى توقع استمرار تراجع قيمة الدينار الليبي لتصل قيمته إلى حوالي ستة دنانير في المستقبل المنظور، ما لم يقم مصرف ليبيا المركزي باتخاذ إجراءات عاجلة أبرزها سرعة التدخل لشراء العملة المحلية المعروضة في السوق، والمراقبة الفاعلة لعمليات التحويل والاعتمادات المستندية والبطاقات الالكترونية وفتح حسابات بالدولار للأشخاص والشركات وتوفير الحماية للنقد الأجنبي لتشجيع أصحاب رؤوس الأموال على نقلها من الخارج إلى المصارف الليبية.



