شهدت، ولا تزال، العاصمة طرابلس وبعض مدن الغرب الليبي حالة متفاقمة من الاضطراب الأمني الناتج عن تعدد التشكيلات المسلحة واختلال تبعيتها وتعاظم نفوذها، وهو ما أدى إلى اندلاع مواجهات متكررة، في العاصمة طرابلس وصبراتة والزاوية. وقد تصاعدت وتيرة الاشتباكات المسلحة بين تشكيلات نافذة، في ظل ارتباك الحكومة وعدم سيطرتها على الوضع، وهو ما يُنذر بانزلاق العاصمة نحو صراع مفتوح يكون أثره وخيم.
الاشتباكات تكررت بين قوات تتبع الحكومة أو تواليها كالأمن العام وبين عناصر من جهاز الردع، حيث استخدمت الأسلحة المتوسطة وتسببت في ترويع السكان، وإغلاق الطرقات، وتوقف الحركة في بعض الأحياء. كما أعادت الأحداث إلى الأذهان اشتباكات مايو الماضي التي اندلعت عقب مقتل عبد الغني الككلي، القائد السابق لجهاز دعم الاستقرار. أما في صبراتة، فقد تحولت أول أيام عيد الأضحى إلى ساحة حرب، بعد هجوم تشكيلات من الزاوية على مواقع تابعة للقيادي أحمد الدباشي، المعروف بـ “العمو”. وقد أدانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الاعتداءات المتكررة، ودعت إلى التهدئة واحترام حقوق المدنيين، واتخذت سلطات الغرب بعض الإجراءات لاحتواء الوضع، إلا إن الغموض والتربص ما يزال هو سيد الموقف، بحسب عديد من المراقبين.
تحليل المشهد وفق مدرسة يارغر
من خلال إطار يارغر الاستراتيجي القائم على الغايات والوسائل والسبل، يمكن تحليل الوضع في غرب ليبيا حيث يتبدى للمتابع أن الغاية المعلنة لحكومة الوحدة الوطنية هي ضبط الفوضى الأمنية، وتفكيك الكيانات المسلحة التي تأخذ شكليا نظاميا إلا إنها تملك نفوذا خارج إطار كل السلطات، وتوفير بيئة مستقرة تمكّن من إجراء الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة، ولخصوم الحكومة نظرة مختلفة، إذ يعتبرون الحكومة جزء من الإشكال وأنها تتحمل جزء من المسؤولية بدعمها لتلك التشكيلات بعد وصولها للحكم.
المجلس الرئاسي اتخذ عدد من السياسات والقرارات لاحتواء الاحتقان وضبط الوضع الأمني، ويمكن ان يكون لهذه الإجراءات تأثير إيجابي يمنع تفجر الوضع، إلا إن مراقبين يرون أن أثرها سيكون محدودا وقصير الأجل. وتحاول الحكومة فرض الأمن والاستقرار من خلال تحريك قوات نظامية محدودة الولاء، واستمالة الدعم الدولي المتردد أصلا، وتوظيف الأدوات القانونية والسياسية التي في الغالب يكون أثرها محدودا. ويبدو أن مسار الحكومة يتراوح بين الدمج التدريجي للتشكيلات المسلحة، واحتوائها عبر مسارات سياسية، أو مواجهتها بالقوة في حال تعذر الحلول السلمية.
العوامل المؤثرة في معضلة التشكيلات المسلحة: المشهد الأمني والعسكري شديد التعقيد خاصة في الغرب الليبي، وهناك مجموعة من العوامل المؤثرة يمكن إيجازها في الآتي:
محليًا:
- غياب شرعية موحدة: حيث تتوزع ولاءات التشكيلات المسلحة بين الحكومة، والمجلس الرئاسي، وأمراء التشكيلات بالاضافة الى تداخل الاختصاصات بين القوات الشرطية و العسكرية التابعة للحكومة والاخرى التابعة للمجلس الرئاسي .
- التداخل الجغرافي والاجتماعي: تُعد التشكيلات المسلحة امتدادًا للتركيبة الاجتماعية والمناطقية، ما يعقّد أي محاولة للتفكيك.
- حالة جهاز الردع: يُعد من أقوى التشكيلات المسلحة وأكثرها تنظيمًا، ويتمركز في وسط طرابلس حيث المقرات السيادية للدولة. ويحظى بغطاء اجتماعي و ديني في منطقة سيطرته ، ويُنظر إليه كجهة أمنية عقائدية تكافح الجريمة والتطرف.
- بروز ألوية جديدة تابعة للمناطقة العسكرية بعد انتهاء الحرب على العاصمة طرابلس استوعبت عناصر عديد التشكيلات و اشرف على تدريبها خبراء اجانب اتراك و غيرهم تنفيذاً لاتفاقات امنية تضمنت تدريب بعض القوات.
إقليميًا:
- تتنافس قوى مثل تركيا وروسيا ومصر على النفوذ في الغرب الليبي من خلال دعم أطراف محلية مختلفة.
- مخاوف من أن يؤدي أي انفجار أمني في غرب ليبيا إلى تدفق اللاجئين وتوسع نشاطات التهريب على الحدود الجزائرية والتونسية.
دوليًا:
- ضعف التأثير الدولي: لا تملك بعثة الأمم المتحدة أدوات فرض حلول نتيحة قرار انشاءها كبعثة للدعم والمشورة ، لذلك تكتفي بدور الوسيط والمُراقب. كما لا يوجد موقف دولي موحد، وقد أبانت جلسة الأمن الاخيرة ضعف البعثة وغياب رؤية لمعالجة الوضع المأزوم في البلاد، وانشغال الأطراف الدولية بملفات أكثر إقليميا ودوليا.
- وجود ضغوط دولية متزايدة لإجراء الانتخابات في بيئة آمنة، ما يدفع بعض الأطراف لتأييد إصلاحات أمنية غير ناضجة.
- التخوف من أن تفكك التشكيلات المسلحة دون بديل قد يؤدي إلى فراغ أمني تملؤه جماعات متطرفة أو إجرامية.
السيناريوهات المحتملة
- احتواء محدود دون تفكيك أو دمج حقيقي حيث يتم استيعاب بعض التشكيلات الصغيرة أو دمج عناصرها في الأجهزة الأمنية النظامية بشكل رمزي، دون أن تُمس التشكيلات الكبرى. ويبقي الوضع الأمني هشًا، لكن يُجنب العاصمة والمدن القريبة صدامًا واسعا.
- انفجار أمني وصدام جهوي في حال استهداف تشكيلات مثل جهاز الردع دون توافق مجتمعي، قد تندلع حرب بين مناطق طرابلس ومصراتة أو الزاوية، نظرًا لحساسية الاصطفافات الجهوية والعقائدية، وهو سيناريو خطير يُعيد العاصمة إلى الانقسام ويُقوض أي عملية سياسية.
- مجابهة التشكيلات الصغيرة غرب العاصمة طرابلس لتفكيكها بالقوة خصوصاً التشكيلات التي قادتها مطلبون للمثول امام القضاء المحلي او الدولي.
- تسوية سياسية محلية تتم بالتوافق بين الحكومة و المجلس الرئاسي برعاية دولية حيث تتم بلورة حل سياسي بدعم من بعثة الأمم المتحدة لدعم أو شركاء دوليين، يشمل تحصين بعض القادة مقابل إدماج تدريجي، مع منحهم أدوارًا شكلية. يُهدئ الوضع مؤقتًا، لكنه لا يعالج المشكلة من جذورها.
الترجيح الاستراتيجي
يوجد اكثر من سيناريو قابل للترجيح، فسيناريو تفجر الوضع وخروجه عن السيطرة محتمل في حال تمت محاولة تفكيك جهاز الردع بالقوة ، وذلك استنادًا إلى المؤشرات التالية:
- تعاظم نفوذ التشكيلات المسلحة في المشهد الأمني والاقتصادي والاجتماعي، مما يجعل تفكيكها أو دمجها أمرًا معقدًا للغاية.
- افتقار الحكومة إلى الأدوات التنفيذية والسياسية اللازمة، بالإضافة إلى غياب التنسيق مع المجلس الرئاسي ومجلس الدولة، والتشكيك في نوايا الحكومة وسلوكها.
- اعتماد التشكيلات على حواضن اجتماعية قوية تربط بين الهوية الأمنية والدينية والعائلية، فهذا يجعل التدافع أكثر تعقيدا.
- تزايد الضغوط الدولية لإحداث اختراقات أمنية دون وجود خارطة طريق واقعية، ولم يظهر على الساحة أي مشروع برعاية البعثة والمجتمع الدولي يحتوي الوضع المأزوم في العاصمة والمدن المجاورة.
- مؤشرات الانفجار ظهرت بالفعل في الاشتباكات الأخيرة بين أجهزة الردع والأمن العام، وفي صراع بعض تشكيلات الزاوية وصبراتة.
سينايور ثاني قابل للوقوع ولو لفترة مؤقته متمثل في ايجاد تفاهمات تؤدي الى الاستجابة للخضوع لمؤسسات الدولة الامنية تشكلت ملامحه بعد الأحداث الخاصة بجهاز دعم الاستقرار و القتال الذي حصل بين اللواء 444 و جهاز الردع في طرابلس و مؤشراته الاتي:
- مع وجود خلل ومظاهر تفتلت أمني، إلا إنه لم ينتج عن الأحداث الخاصة بجهاز الاستقرار المتمركز ببلدية ابو سليم لاكثر من 14 عام فوضى امنية في نقاط تمركزه بالعاصمة او بالمناطق التي كان يوجد بها فروع للجهاز دعم الاستقرار خارج طرابلس.
- فكرة تسليم بعض مؤسسات الدولة التي تخضع للتشكيلات بحجة التامين اصبحت تحوز على دعم و تأييد مجتمعي كبير الامر الذي يحتم على قادة التشكيلات الرضوخ للدولة لعدم قدرة حاضنتهم على مخالفة المطالب الشعبية
- انتهاء اغلب التشكيلات التي تشكلت في العاصمة بعد انهيار النظام السابق و كانت تتقاتل من اجل النفوذ داخل العاصمة طرابلس اما بتطبيق بعض الترتيبات الامنية او بالقتال فيما بينها اذ تبقى من التشكيلات السابقة بطرابلس جهاز الردع و الامن العام بالاضافة الى ما تم انشاءه في منطقة طرابلس العسكرية ما بعد العدوان العام على طرابلس العام 2019م مثل اللواء 444 واللواء 111 واللواء 222 التابع لرئاسة الاركان. العوامل اعلاه من المتوقع ان تدفع جهاز الردع والامن العام للقبول بترتيبات امنية خاصة بطرابلس.
سيناريو ثالث غير مرجح الحدوث على المدى الزمني القريب متمثل باخلاء العاصمة، كما طالب المجلس الرئاسي، من كل تشكيل امني يخفق بالاستجابة للترتيبات الامنية و مؤشراته تتلخص في الاتي:
- القوة والحرفية و الانضباطية التي اظهرها اللواء 444 سواء بانتشاره الواسع في كثير من المناطق الغربية او الوسطى و اقصى مناطق الجنوب الغربي، بالرغم أخطائه أثناء تعامله عسكرياً مع جهاز دعم الاستقرار او حينما واجه جهاز الردع والتي أثرت نسبيا في شعبيته، هذا بالاضافة الى ما يمتلكه من سمعة محلية ناتجة عن عدم اتخاذ سجون خاصة به او السيطرة على اي مؤسسة تابعة للدولة.
- تشكيل الوية في مختلف مدن الغرب الليبي مثل 111 ، 222 ، 51 ، 52 ، 53 تحصلت على تدريب اجنبي و لم تتورط باي اعمال تتعلق بابتزاز الدولة.
- تشكيلات مصراتة المسلحة و التي لم تحل نفسها و لم تندمج في ضمن قوة المنطقة العسكرية الوسطى تحسنت سمعتها في نظر سكان العاصمة نسبيا بعد حادث غرور الشهيرة اذ خرجت من العاصمة بعد أن دافعت عنها الهجوم العام 2019م، بل اصبحت بعض مكونات العاصمة تتمسك بها كقوة فض نزاع بعد ان استطاعت ان توقف القتال بين لواء 444 و جهاز الردع. كل هذه العوامل يمكن ان تجتمع بقوة بقيادة وزارة الدفاع للتعامل عسكرياً مع كل تشكيل لا يخضع لسلطة الحكومة .
التوصيات
- حوار أممي شامل: لكي يمكن الدمج الحقيقي أو تفكيك التشكيلات من المهم ان يقام حوار يضم ممثلي كافة الكتائب والمدن، بإشراف محايد كلجنة للترتيبات الأمنية، ويحدد سقفًا زمنيًا ومرحليًا للدمج أو الحل.
- آلية دمج واقعية: تعتمد على معايير مهنية، وتُشرف عليها لجنة دولية، وتتضمن ترتيبات اقتصادية وتحفيزية، مع إدراج مسارات لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي والاقتصادي للمقاتلين.
- دعم مجتمعي: إشراك المجالس المحلية، وشيوخ القبائل، ومؤسسات المجتمع المدني في دعم الحل الأمني.
- استهداف التشكيلات بالقوة: يجب ان لا يتم بتحرك عسكري دون توافق سياسي ومجتمعي حتى يُفجّر الوضع، خصوصًا في طرابلس.
- مقاربة شاملة للأمن: تشمل أيضًا مكافحة الفساد الاقتصادي داخل الحكومة والمؤسسات التابعة، ووقف تمويل التشكيلات المسلحة من ميزانيات رسمية.
الخاتمة
إن دمج أو تفكيك التشكيلات المسلحة في غرب ليبيا بالرغم من انه تحدٍ أمني واستراتيجي معقد، يرتبط ببنية اجتماعية وسياسية واقتصادية هشّة غير انه يحظى بدعم شعبي محلي و دعم دولي، فقد تم تفكيك بعض التشكيلات زمن حكومة الوفاق الوطني بدعم من البعثة ممثلة بالجنرال باولو سيراـ غير انه ينبغي التنبيه الى عدم التعاطي معه في الظروف الحالية بالقرارات الإدارية أو الحلول الأمنية الأحادية، بل يجب أن يُعالج ضمن إطار وطني شامل، بمساندة دولية حقيقية، وإرادة سياسية ناضجة، وحوار بناء، وتوافق واسع باعتبار أن التصرفات الاحادية قد تؤدي إلى مزيد من التدهور، وربما إلى حرب جهوية تطيح بما تبقى من مؤسسات الدولة.



