حلت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجينا ميلوني صحبة وزير خارجيتها ورئيس شركة إيني للطاقة ضيفة على العاصمة طرابلس، وقدمت ميلوني إلى طرابلس بعد جولة عنوانها الرئيس هو تعزيز دور إيطاليا في إمدادات الطاقة في أوروبا.
الزيارة تعد نوعية بالنظر إلى الملفات التي حوتها، فالظروف التي تمر بها ليبيا لم تمنع رئيسة الوزراء من الحضور ورعاية اتفاق مع المؤسسة الوطنية للنفط قيمته ثمانية مليارات يورو ، وهو أكبر استثمار خارجي في البلاد خلال العقدين الماضيين، بحسب رئيس المؤسسة الوطنية للنفط.
الاتفاق وقع في ظروف استثنائية حيث تواجه أوروبا تراجع حاد في إمدادات الغاز الروسي البالغة 59.2 مليار متر مكعب، وتعتمد إيطاليا بشكل أساسي على الغاز الروسي وبنسبة تصل إلى 46% بعد ألمانيا التي تستورد 49% من الغاز من روسيا .
بالنظر إلى حجم ونوع الاستمثار فإن إيطاليا تبدو في حاجة ماسة له خصوصا وأن اتفاقا مشابها قد وقع عام 2008 إلا أن تراخي الطرفين الليبي والإيطالي حال دون إتمام الصفقة، وكان رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة قد أعلن أواخر عام 2021 عن استثمارات إيطالية بقيمة عشرة مليار يورو في نفس الاتجاه إلا إنها تعثرت حتى جاءت الظروف التي فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية لتعجل به.
الاتفاقية والفوائد الاقتصادية بالأرقام
شركة إيني هي أكبر الشركات المستثمرة في قطاع الطاقة في ليبيا وأكبر مستوردي النفط الليبي. وتنتشر إيني اليوم في أكثر من 85 دولة في العالم وهي شركة ذات نفوذ واسع في استخراج والتنقيب واكتشاف النفط والغاز، وبحلول عام 1992 أصبحت شركة مساهمة بعد أن طرحت 70% من أسهمها للبيع في البورصة العالمية، وتعاني شركة إيني كغيرها من الشركات النفطية في العالم من تراجع أرباحها منذ عام 2013 نتيجة إنخفاض أسعار النفط عالميا.
الاتفاق الذي وقعته إيني مع المؤسسة الليبية من شأنه أن يرفع صادرات الغاز الليبية إلى إيطاليا بنسبة 500%، فصادرات ليبيا التي تبلغ 149 مليون قدم مكعب ستتضاعف لتصل إلى 750 مليون قدم، مع التنبيه إلى إن احتياطي ليبيا يصل إلى ستة تريلون قدم مكعب، ويحقق لها عوائد تتجاوز 13 مليار دولار أمريكي.
الاتفاقية المبرمة بين مؤسسة إيني والمؤسسة الوطنية للنفط تضمنت إستثمارا قيمته ثمانية مليارات يورو، ولم يوضح الطرفان المتعاقدان ما إذا كان الاستثمار إيطاليا بالكامل، أو أن المؤسسة شريك فيه، فقد ذكرت مصادر إيطالية أن ليبيا شريك في التمويل بأربعة مليارات دولار، فمعرفة حصص الاستثمار تساعد في تقدير قيمة حصص الطرفين في العوائد، وإذا ما كانت حصة العوائد مجحفة لأحد الطرفين.
من جانب آخر فإن إيني بحصولها على 750 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا فإنها تلبي أكثر من حاجاتها بأضعاف كثيرة وهو ما يؤهلها لتكون مركز توزيع للغاز في أوروبا، وستكون في وضع يسمح لها بالتربح من من الأزمة التي خلفتها روسيا في حال نجح هذا الاستثمار في تأمين تدفق الطاقة إلى أوروبا بشكل منتظم، مما يجعلها المستفيد الأكبر من مقاطعة أوروبا للغاز الروسي الذي يمثل مصدر الطاقة الأول عند دول كألمانيا وبلجيكا وفرنسا بنسبة أقل.
آثار سياسية مهمة للاتفاقية
زيارة ميلوني جاءت في وضع سياسي متغير أسهم في تحريكه زيارة رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وليام بيرنز الذي تضمنت أجندته ملف الطاقة وتأمين تدفق النفط والغاز الليبي وإخراجه من دائرة التدافع السياسي وتوظيفه في الصراع .
هناك دلالات لتوقيت زيارة الوفد الإيطالي والذي جاءت بعد أيام من قدوم رئيس المخابرات الأمريكية، وبالنظر إلى طبيعة العلاقة الأمريكية الإيطالية بشكل عام وفي الملف الليبي تخصيصا، حيث كثيرا ما تكون روما وكيلا عن واشنطن في إداراته، قد لا يكون من المبالغة القول أن تعظيم حصص إيطاليا في قطع النفط والغاز الليبي يندرج تحت زيادة نفوذ واشنطن وضمن خطط الولايات المتحدة لتأمين الطاقة في ظل التنافس الدولي الراهن، وإحباط المخطط الروسي الذي اتجه ليس فقط لخنق أوروبا بل خلخلة اتحادها وإبعاد بعض دولها عن دائرة النفوذ الأمريكي. وبصيغة أخرى، يمكن القول إن الاستثمار الإيطالي في هذا المجال يأتي مصحوبا بشعور بالأمان والأمن السياسي الذي باتت الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إليه بعين الاهتمام.
بهذا التوصيف والتحليل يمكن اعتبار الاتفاق مكسبا لليبيا، فهو إلى جانب زيادة التدفقات المالية وتعزيز الاحتياط النقدي من خلال تحصيل عوائد إضافية تتجاوز 13 مليار دولار، كما سبقت الإشارة، قد يسهم في استقرار البلاد خاصة قطاع الطاقة، ويدفع باتجاه إنعاش السوق الليبي الذي يواجه موجة كساد.
الاتفاق في ظل التنافس الاقليمي
اتفاقية استخراج الغاز بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إيني تأتي في فترة تنافس محموم في المنطقة، فقد سبق توقيع هذه الاتفاقية اتفاقا وقعته حكومة الوحدة الوطنية مع تركيا يتعلق بالتنقيب عن النفط والغاز في المياه الليبية.
روما بهذه الاتفاقية تعيد تموضعها في ليبيا بعد أن فقدت بعض نفوذها بفعل التغيير في خارطة النفوذ الاقليمي والدولي الذي وقع كنتجة للحرب على العاصمة التي شنها خليفة حفتر بدعم من أطراف إقليمية ودولية، بعضها أوروبية، فتقدمت أنقرة وأوقفت الحرب فصارت حليفا للسلطات في غرب البلاد ونجحت في تحقيق مكاسب مهمة منها اتفاق التنقيب الأخير.
دخول إيطاليا من جديد على خط المصالح الاستراتيجية المتعلقة بالنفط والغاز ربما يخدم غاية أمريكية أوروبية وهي محاصرة النفوذ التركي في ليبيا بوسائل ناعمة وإعادة ليبيا إلى الحاضنة الأوروبية كون اوروبا هي الشريك التجاري الاكبر لليبيا وتمثل الأخيرة عمقا استراتيجيا لأوروبا.
بالقطع لن يسر هذا التطور تركيا، فهي الأكثر حضورا والأبرز تأثيرا في المشهد الليبي، وما وصلت أنقرة إلى هذا المستوى في التأثير في المعادلة الليبية إلا لأجل تعظيم مكاسبها الاستراتيجية ومضاعفة مصالحها الاقتصادية، ما يعني احتمال ازدياد التوتر الأوروبي التركي ممستقبلا وانعكاسه على ليبيا.
مؤاخذات وزير النفط الليبي
تأتي تحفظات وزير النفط الليبي محمد عون على الاتفاقية على ما اعتبره تجاوزا قانونيا يتعلق بالتراتبية الإدارية في قطاع النفط والغاز، وأن الاتفاقية تضر بالمصالح الليبية، وبحسب مراقبين، فإن هذه التحفظات تأتي في سياق الخلافات المستمرة بين وزير النفط والمؤسسة الوطنية للنفط والإصرار على تولي الوزارة جزء من صلاحيات المؤسسة في إدارة قطاع النفط والغاز.
اعتراضات وزير النفط تركزت أيضا على حصص الأرباح بين الطرفين الليبي والإيطالي والنسبة من العوائد التي تحصل عليها شركة إيني، والتي يبدو أنه شاب الإفصاح عنها غموضا، فبحسب عون فإن إيني استطاعت رفع نسبة ارباحها بعد اعادة التفاوض مع المؤسسة الوطنية للنفط، ولم ترتق تصريحات المؤسسة الوطنية إلى مستوى دفع الغموض وإقناع الرأي العام الليبي أن الاستثمارات كلها إيطالية وأن العائد المقتطع لصالح إيني لم يكن على حساب حصص البلاد من العوائد.
فيما يتعلق باتهام الوزير الحكومة والمؤسسة بالتفريط في السيادة الليبية فالاستشهادات لا تسعفه في ذلك، وتكشف وقائع عديدة منذ اكتشاف النفط أن وجود جسمين سياديين لإدارة النفط والغاز عادة ما يقود إلى مشاكل، وقد دافع البعض عن حق الوزير في الاعتراض بخصوص تجاوز الوزارة في المداولات حول الاتفاقية، فالاتصال بين مجلس الوزراء والمؤسسة الوطنية للنفط لا يتم إلا عبر وزارة النفط وهو ما نصت عليه لوائح مجلس الوزراء والقرار القاضي بانشاء وزارة النفط .
اتفاقية الغاز ..حساب الربح والخسارة للفرقاء اللليبيين
بدأت حكومة الوحدة الوطنية في وضع أفضل في المشهد الليبي وفي التنازع على الشرعية بينها وبين الحكومة الليبية التي كلفها مجلس النواب، فالغرب الذي احتج على توقيعها اتفاقا حول التنقيب عن النفط والغاز مع تركيا بحجة أنها لا تملك الصلاحيات دعم اتفاقها مع إيطاليا، ومن المحتمل أن يدعم اتفاقيات مماثلة مع أطراف أوروبية أخرى. وقد بدا لمراقبين أن المصالح هي الحاكم في تقرير ما هو صحيح ما وهو خطأ بالنسبة للغرب، وذهب البعض إلى القول بأن الدول الغربية استغلت الوضع الهش للبلاد وضعف الحكومة لتمرير صفقات تخدم مصالحها اولا، فهي الدول نفسها التي اعتبرت ان حكومة الوحدة الوطنية تتجاوز ما هي مخولة به من سلطات وتتعدى مهامها الرئيسية التي تتعلق بمرحلة انتقالية، وينبغي ان لا تخوض في اتفاقات وصفقات قد تتورط البلاد فيها لسنين طويلة.



