مقدمة
أولت الإدارة الأمريكية الحالية اهتماماً ملحوظاً بالأزمة الليبية، على عكس الإدارات السابقة؛ بيد أن تبنيها الحلول العاجلة لأزمات سياسية أو أمنية لبعض الدول أثر على مقاربتها لحل الأزمة الليبية طويلة الأمد، وما نتج عنها من انقسام في أغلب مؤسسات الدولة. فأطلقت مبادرة انتهجت حلولاً عاجلة، قائمة على توحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية؛ لتحقيق الاستقرار اللازم لإجراء الانتخابات، وتشكيل سلطة تنفيذية، والمهم أيضاً -بحسب تصريحات بولس- لمصالح البلدين، لا سيما الاستثمار في مجال التنقيب وتطوير استخراج النفط والغاز
خطة مبادرة بولس
كرست خطة بولس اهتمامها المعلن على جانبين من الأزمة الليبية (الأمني والاقتصادي)؛ فعلى الصعيد الأمني تبادل قادة عسكريون من البلدين الزيارات وأجروا عديد اللقاءات، أبرزها توجه نائب قائد “الأفريكوم” إلى طرابلس وبنغازي وسرت، وإشرافه على تنفيذ تدريب مراقبين جويين عسكريين من الشرق والغرب، ثم زيارة السفينة (يو إس إس ماونت ويتني) في أبريل 2025 لمينائي طرابلس وبنغازي، وعلى متنها نائب قائد الأسطول السادس لمناقشة تعزيز جهود توحيد المؤسسة العسكرية. وفي منتصف أبريل 2026، شاركت قوات عسكرية من الشرق والغرب بجزء من التدريب الأمريكي السنوي (Flintlock) “فلينتلوك”
أما على صعيد المسار الاقتصادي، تولى مسعد بولس إدارة المبادرة بجانبها المعني بتوحيد المؤسسات الاقتصادية؛ فتركزت جهوده -بحسب متابعين للشأن الليبي- على ركيزتي الاقتصاد الليبي: المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، بالإضافة لتوسطه بجمع ممثلين عن الأطراف الفاعلة (لقاءات صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة بروما وباريس)، كللت بالتوصل لاتفاق برنامج الإنفاق التنموي والتوقيع على الملحق الخاص به، ومكّنت الدبيبة من إجراء تعديل وزاري على حكومته. كما ساهمت جهوده بالتمهيد لعودة الشركات الأمريكية؛ فجرى التوقيع برعايته على عديد مذكرات تفاهم وعقود استثمار في مجال استكشاف واستخراج النفط والغاز، كمذكرات التفاهم والعقود التي أبرمتها مؤسسة النفط مع شركات “هاليبرتون” و”إكسون موبيل” و”كونوكو فيليبس” و”شيفرون”
مستجدات طرأت على مبادرة بولس
تداولت الأطراف الرسمية بالمنطقة الغربية والأوساط الإعلامية مقترح إعادة تشكيل كامل السلطة التنفيذية (يتولى صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، ويترأس عبد الحميد الدبيبة حكومة تدير كافة شؤون البلاد)، قُدّم لممثلي حكومة عبد الحميد الدبيبة بجلسات الحوار المختص بتوحيد المؤسسات. ونتيجة لعدم الإعلان الرسمي عن المقترح من جميع الأطراف المنخرطة بالحوارات، تباينت آراء المراقبين حول المقترح المستجد؛ فبعضهم رجح أن المقترح يمثل تعديلاً طرأ على المبادرة الأمريكية، بينما يعتقد غيرهم أن المقترح طرحه أحد أطراف الحوار وليس تطويراً لمبادرة بولس.
عزز هؤلاء اعتقادهم بأن مبادرة بولس -منذ عرضها على الأطراف الفاعلة وانخراطهم بحوارات حولها، مروراً بتصريحاته التي أوضح من خلالها هدف خطته المرحلي إلى إفصاحه عنها بكلمته أمام مجلس الأمن بجلسة 18 فبراير الماضي- لم تتناول توحيد كامل السلطة التنفيذية ضمن مساري توحيد المؤسسات؛ تفادياً -بتقديرهم- لعدم مقاربة حل سياسي يستهلك كثيراً من الوقت لإحداث توافقات ضرورية تتطلب عملية سياسية تستند إلى الاتفاقات الليبية القائمة وقرارات مجلس الأمن بالخصوص. ويرجح هؤلاء قبول بولس مناقشة المقترح مع ممثلي رئيس الحكومة وإمكانية ممارسته الضغط لتمريره إذا لم يعمق قبول المقترح النزاع الدائر حالياً أو يسهم بتقويض الاستقرار المرجو تحقيقه بمبادرته. بالتالي، بحسب اعتقادهم، فإن المقترح لم يتطور ليتحول إلى جزء لا يتجزأ من مبادرته، مسترشدين بعدم ربط قبول أو رفض المقترح بتنفيذ مساري مبادرة بولس، ومستدلين بإتمام -دون تأخير- التوقيع على الملحق رقم (1) للإنفاق التنموي الموحد المتضمن اعتماد الجداول العامة للإنفاق بالدولة الليبية.
ردود الأفعال على المقترح
1) المنطقة الشرقية: لم يصدر عن مجلس النواب أو رئيسه ونائبه الأول أي قرار أو بيان داعم أو رافض لمقترح إعادة تشكيل السلطة التنفيذية، وما رُصد من بيانات رحبت بتوقيع ملحق البرنامج التنموي الموحد. أما فيما يتعلق بالنائب الثاني لرئيس البرلمان، فبالرغم من إصداره لبيان بتاريخ 1 أبريل داعياً لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية، إلا أنه لم يعلن موقفه من المقترح. والملفت للانتباه ما صدر عن (رئيس الأركان خالد حفتر) بدعوته لرفض عقد الصفقات السياسية التي تعيق إجراء الانتخابات؛ أرجع مراقبون موقفه إلى الخلاف وعدم التنسيق بين القيادات العسكرية، بالإضافة إلى أن المقترح سيخضع المناصب العسكرية للمحاصصة المناطقية؛ إذ لا يمكن الجمع بين منصبي القائد الأعلى للجيش ورئاسة أركانه بإقليم واحد، الأمر الذي يفقده رئاسة الأركان حال تمرير المقترح المستجد.
2) المنطقة الغربية: اتسمت مواقف المنطقة الغربية على المستويين الرسمي والأهلي تجاه المقترح بالرفض.
أ) مجلس الدولة: تبنى المجلس موقفاً واضحاً وعلنياً برفض المسارات السياسية الموازية بجلسته المنعقدة 6 يناير الجاري، حيث صدر عنها بإجماع المجلس القرار رقم (4) لسنة 2026 بشأن رفض أي تسوية سياسية تتم بالمخالفة لنصوص الاتفاق السياسي الليبي، وعدم اعتداده بأي تمثيل للمجلس بأي تسوية أو مفاوضات إلا بتفويض من المجلس مجتمعاً. وبجلسة 22 أبريل صوت المجلس على تجميد عضوية أي عضو يشارك بإبرام صفقات أو اتفاقات سياسية دون تفويض المجلس. مقربون من مجلس الدولة نقلوا عن رئيسه دعمه لمساعٍ يقوم بها رئيس المجلس الرئاسي لعقد لقاء يجمعه برئيسي مجلس النواب والدولة، واتصالات أجراها مع بعض ممثلي البعثات الدبلوماسية الأوروبية والإقليمية أطلعوه بعدم دعمهم لصفقات سياسية ضيقة لا تحقق التوافق والإجماع الوطني.
ب) المجلس الرئاسي: اقتصرت مواقفه على ما صرح به رئيس المجلس عبر حسابه الشخصي على منصة “إكس” (الدولة أو الصفقة)، وعبر لقاءات جمعته بقيادات مدنية وأمنية أحاطهم بعدم قبوله للصفقات السياسية. وبكلمته بملتقى دعم المسار الوطني لمكافحة الفساد الذي أقامه المجلس الرئاسي بتاريخ 12 أبريل، طالب بالعودة للشعب وتمكينه من اختيار سلطة تشريعية وتنفيذية جديدة عبر صناديق الاقتراع بأسس قانونية عادلة لإنهاء العبث السياسي. كما أكد لرئيسة البعثة تحفظه على تشكيل مجموعة مصغرة (4+4) وآليات عملها، وضرورة استناد الاستحقاق الانتخابي على أسس قانونية ودستورية، وأن ملفات المفوضية وقوانين الانتخابات تعد من صميم الاختصاصات الحصرية للمؤسسات التشريعية.
ج) المنظمات المدنية والمجتمعية: قوبل مقترح تولي نائب القائد العام صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي برفض بعض تجمعات الأحزاب ومنظمات مدنية ودار الإفتاء، بما لها من أنصار ومكونات مجتمعية بمدن مصراتة والزاوية وطرابلس والساحل الغربي، عبر إصدارهم بيانات معارضة للمقترح داعية لعدم قبوله ومحذرة من تداعياته، معربين عن تمسكهم بمدنية الدولة والمسار الدستوري وتجديد الشرعية بالانتخابات.
د) الحكومة: لم يصدر عن رئيس الحكومة أو ممثليه موقف رسمي تجاه المقترح. مقربون من الحكومة أفادوا بأن رئيسها تجنب تبني موقف رافض للمقترح ليقينه بأن المقترح سيلاقي رفضاً مجتمعياً مدنياً وأمنياً واسعاً، وأن موقف مجلس الدولة الرافض للمقترح غير متناقض مع موقف رئيس الحكومة غير المعلن؛ فالتمسك بالاتفاق السياسي الليبي كأساس للحل السياسي وعملية برلين والحوار السياسي (جنيف، تونس) يعتبر الرد الأمثل برفض مقترح توحيد السلطة التنفيذية، خصوصاً مع تعالي موجة الرفض للمقترح بالمنطقة الغربية.
تعاطي البعثة مع المقترح المستجد
واجهت خارطة البعثة انسداداً أمام تقدم المرحلتين الأوليين نتيجة إخفاق المجلسين؛ فأعلنت للمجلس بإحاطتها الأخيرة عن آلية بديلة من خطوتين: عقد اجتماع لمجموعة مصغرة لوضع الحلول اللازمة لمعالجة المعوقات (بإطار الانتخابات وتنظيم مفوضية الانتخابات وتشكيل حكومة)، وإذا لزم الأمر اجتماع أوسع استناداً للاتفاقات السياسية الليبية القائمة، مع ملاحظة أن البعثة بإحاطتها أعلنت تسليمها بوجود تحفظات بشأن المضي قدماً بالمجموعة المصغرة. يُذكر أن المجموعة المصغرة -وفق ما أعلنته- تضم أعضاءً يمثلون (القيادة العامة وحكومة الدبيبة والمجلسين)؛ ويرى مهتمون بشؤون البعثة أن آلية البعثة مستوحاة من جمع بولس لممثلين عن القيادة العامة وحكومة الدبيبة بحوارات أثمرت إبرام اتفاقات متعلقة بالإنفاق العام للدولة ومشاركة قوات من شرق البلاد وغربها بتمرينات عسكرية برعاية أمريكية دولية
ختاما
مقترح تقاسم كامل السلطة التنفيذية يصعب تمريره لكونه أثار جدلاً واسعاً لمجرد طرحه؛ فالمرجح أن لا تمارس الإدارة الأمريكية ضغوطاً لتمريره لتجنب تقويض استقرار هش سعت مبادرة بولس لتماسكه تمهيداً للوصول إلى حل ينهي الأزمة الليبية. إن توجه البعثة للفاعلين الرئاسيين شرقاً وغرباً كبديل للمجلسين لإنجاز الخطوتين الأوليين من خارطتها يشي بوجود دعم أمريكي لانفرادها بالحل السياسي، بالتوازي مع متابعة الإدارة الأمريكية لمدى وفاء الأطراف الفاعلة بما التزموا به بمساري الأمن والاقتصاد؛ فاستدامة الاستقرار ضرورية للوصول إلى حلول تفضي إلى إجراء الانتخابات، ومهمة أيضاً للاستثمارات الأمريكية بليبيا لزيادة إنتاجها من النفط والغاز وسلاسة تدفقه للأسواق العالمية المتأثرة سلباً بالحرب الأمريكية الإيرانية، التي أبانت عن عزم الإدارة الأمريكية على عقد شراكات مع دول بها احتياطيات مهمة من النفط والغاز وتواجدها بطرق وممرات عبورها



