Skip to main content

أعلن رئيسا مجلسي الأعلى للدولة والنواب في مؤتمر صحفي بالقاهرة عن اتفاقهما  على وضع خارطة طريق واضحة ومحددة يعلن عنها لاحقًا وذلك لاستكمال كل الإجراءات اللازمة لإتمام العملية الانتخابية سواء التي تتعلق بالأسس القانونية أو المتعلقة بالإجراءات التنفيذية وتوحيد المؤسسات. كما أعلن المشري وعقيلة في المؤتمر الصحفي المشترك بينهما  عن إحالة القاعدة الدستورية إلى المجلسين للتصويت عليها. 

تأتي هذه التطورات بعد أن رفض المجلسان تلبية دعوة المجلس الرئاسي لوضع قاعدة دستورية في اللقاء الذي كان من المفترض أن يجمع بين الرئاسي والنواب والدولة، وقد كفى تصويت الأعلى للدولة برفض دعوة الرئاسي مجلس النواب مؤنة الرد . 

ردود الفعل الدولية على توافق القاهرة

حثت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مجلسي النواب والدولة على سرعة الاتفاق على ترتيبات كاملة ونهائية ومحددة زمنياً لإجراء الانتخابات في العام الجاري 2023، مؤكدة أنه يجب على القادة السياسيين البناء على الاتفاقات السابقة للمجلسين لحل الأزمة السياسية بإجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن.

كما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية تأييدها  بشدة دعوات الممثل الخاص للأمين العام والمبعوث الأممي عبد الله باتيلي، للتوصل إلى توافق وطني في ليبيا بشأن وضع جدول زمني واضح للانتخابات، مؤكدة أنه لا توجد طريقة أخرى لتأمين الاستقرار والسلام على المدى الطويل.

المبعوث الأمريكي الخاص ريتشارد نورلاند أعلن أن اختتام النقاشات بين رئيسي مجلسي النواب والدولة في القاهرة لا يترك أي سبب لتأجيل وضع تاريخ مبكر لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية.

فرص التوافق ومستقبل الانتخابات

بالإضافة إلى إحالة الأساس الدستوري (أسماها المشري قاعدة دستورية، وأطلق عليها صالح وثيقة دستورية) إلى مجلس النواب والدولة لإقرارها، توافق عقيلة صالح وخالد المشري على خارطة طريق تشتمل على مواعيد للانتخابات وترتيب وضع الحكومة المعنية بتنفيذها دون إيضاح لماهية هذه الخارطة، ومعلوم من مصادر موثقة من بينها النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للدولة، ناجي مختار، أن اتفاقا توصل إليه صالح والمشري منذ بضعة أسابيع يقضي بإعادة تشكيل السلطة التنفيذية برمتها، مجلس رئاسي ورئيس حكومة، على أن يتولى عقيلة صالح رئاسة المجلس الرئاسي ويسند للمشري عضوية النائب عن المنطقة الغربية ويعين رئيسا للحكومة من المنطقة الغربية ويمنحه الثقة مجلس النواب.

فهل سيكون هذا هو مضمون خارطة الطريق التي سيعلن عنها من طبرق في الاجتماع الذي سيجمع صالح والمشري قريبا، وهل سيتم تمرير الأساس الدستوري من قبل المجلسين، خاصة وأن مسألة شروط الترشح للانتخابات ما تزال محل نزاع.

الإجابة عن هذين السؤالين يقتضي النظر في سلوك صالح والمشري، إذ لم يكن اتفاق القاهرة الأول بخصوص التوافق وحل الاشكالات وتذليل الصعوبات أمام الملفات العالقة بينهما، إذ لا تلبث الأوضاع أن تتغير لتمضي الأمور إلى طريق مسدود مرة أخرى.

وبالنظر بعين فاحصة، فإن المؤتمر الصحفي الذي عقده المشري وعقيلة في القاهرة لم يشهد أي جديد يذكر سوى الجزئية المتعلقة بإلإعلان عن خارطة طريق بتواريخ محددة، وفيما يتعلق بغيرها من النقاط فقد قال عضو الوفد المرافق لرئيس المجلس الأعلى للدولة بالقاسم قزيط أن  المواد الخلافية انحصرت في مادتين وهي ترشح العسكريين، وترشح مزدوجي الجنسية للانتخابات وهما النقطتان اللتان عصفتا بحوارات القاهرة بين المجلسين وبين رئيسهما في لقاء جينيف، ومن غير المتوقع أن يحسم الأمر عبر تحسين صياغة المواد كما أشار قزيط أو أن تطرح على الاستفتاء كما أشار المشري.  كما أن التصويت على الوثيقة الدستورية المعدة من قبل اللجنة المشتركة قد تم بالفعل على الأقل من جهة المجلس الأعلى للدولة أوائل نوفمبر من العام الماضي دون البت في النقاط الخلافية والتي يبدو الخلاف جوهريا فيها بين مجلسي الدولة والنواب. هذا ما دعا مراقبون للقول بأن اللقاء بين صالح والمشري لا يقدم جديدا في مسار اعتماد القاعدة الدستورية التي ستجري على أساسها الانتخابات ولا يقدم جديدا في تحديد إلتزام واضح بموعد اجراءها. 

وبالنظر إلى تصريحات الأطراف الدولية المعنية بالمسألة الليبية، والمشار إليها أعلى، فإنها تجنح إلى منطق الحذر ولم يقابل ما اتفق عليه رئيسا المجلسين في مؤتمرهما الصحفي بالقاهرة اليومين الماضيين باستبشار، ولعل السبب يعود إلى تحفظ مسبق على مضامين خارطة الطريق وما قد يترتب عليها من تعثر المسار السياسي ودفع الانتخابات إلى المجهول من جديد.

عقيلة والمشري والمسار الموازي 

ليس مستبعدا أن يكون إعلان المشري وعقيلة عن التوصل إلى اتفاق حول اجراء الانتخابات والتوافق على القاعدة الدستورية وتجاوز النقاط الخلافية محاولة لتجاوز  حالة الضغط الدولي ابتداء والشعبي بدرجة أقل، وردود الفعل على اتفاق صالح والمشري الأسابيع الماضية بخصوص على إعادة تشكيل المجلس الرئاسي ليكون الأول رئيسه والثاني نائبه عن المنطقة الغربية، كما سبقت الإشارة، خاصة بعد تصويت المجلس الأعلى للدولة على أن يكون المسار الدستوري سابقا لمسار توحيد السلطة التنفيذية واختيار شاغلوا المناصب السيادية، وكذلك مواقف البعثة وممثلين عن الدول الغربية الفاعلة والتي أبدت تحفظا على محاولة تكييف وتوظيف المسار الدستوري والقانوني لمصلحة أشخاص بعينهم، كما ورد على لسان مندوب الولايات المتحدة الأمريكية في تعقيبه على الإحاطة الأخيرة لمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة الخاص بليبيا، عبدالله باتيلي. 

لم يأت رئيسا النواب والأعلى للدولة بجديد يبدد الشكوك لدى عموم الليبيين حول موقفهما من الانتخابات وحرصهما على الاستمرار في المشهد بأي طريقة كانت، وتساءل البعض عن مبرر ربط إجراء الانتخابات بتغيير مسؤولوا المؤسسات السيادية وتغيير أعضاء المجلس الرئاسي ليكون صالح والمشري هما البديل، إلا أن يكون الدافع هو المصلحة الشخصية الضيقة، وهو الأمر الذي يهدد إجراء الانتخابات، لذا كانت حالة الشك هي الرد على ما صرح به صالح والمشري. 

المبادرات التي تبناها رئيس عقيلة صالح وتابعه فيها خالد المشري لا تسعف في إقناع الرأي العام أن تحولا كبيرا يمكن أن يحصل وأن إجراء الانتخابات سيكون في مدى زمني لا يتعدى بضعة أشهر، فقد طاف عقيلة صالح عدة عواصم عربية مروجا لمبادرته الرامية إلى تغيير المجلس الرئاسي ليكون هو رئيسه، وتحدث أعضاء مجلس النواب والأعلى للدولة عبر تسريبات صوتية ولقاءات خاصة عن عرض خالد المشري نفسه ليكون رئيسا للوزراء.

لماذا رُفضت دعوة المجلس الرئاسي؟

بناء على ما سبق ذكره يمكن القول أن دعوة المجلس الرئاسي ووساطته قد رفضت لعدة أسباب على رأسها خشية رئيسا المجلسين أن يفقدا زمام التحكم في مسار الحوارات من جانب ومن جانب آخر فإن رئيسا المجلسان ينظران للمجلس الرئاسي بصفته طرفا مواليا لحكومة الوحدة الوطنية ومنحازا لها، ينسق مواقفه معها ويلعب دورا سياسيا لصالحها، ومعلوم موقف صالح والمشري من ادبيبة وحكومته.

أيضا كان الحديث داخل أروقة المجلس الأعلى للدولة وبجلسته الأخيرة مركزا  على عدم قيام الرئاسي بالأعمال المنوطة وتصدره لمهام هي من اختصاص المجلسين. وينبغي التنويه أن حضور أعضاء المجلس الأعلى للدولة في اجتماعهم الأخير كان لافتا من حيث العدد إذ افتتحت الجلسة ببضع وثمانين عضوا  وهو أمر لم يقع منذ سنين وهو ما حدى بمراقبين القول أن تحشيدا للأصوات قد وقع قبل الجلسة للوصول إلى النتائج التي يرغبها رئيس المجلس. 

الخلاصة  

بدا لكثيرين أن لقاء عقيلة صالح وخالد المشري في القاهرة مكرر وإعلانهما عن قرب حسم الخلافات للوصول للانتخابات لم يكن الأول وقد وقع في لقاءاتهما المشتركة سواء في القاهرة أو الرباط أو حتى جينيف التي شهدت انهيار سلسلة من الحوارات التي خاضها المجلسان. 

قد يترجح التحليل الذي يجنح إلى اعتبار إعلان رئيسا المجلسين هروبا من الضغوط الداخلية التي يحركها الشك والرفض لتوافقات عقيلة والمشري، والخارجية والتي تكشف عنها مواقف الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإيطاليا وألمانيا والتي دعمت رئيس البعثة الأممية في مقاربته لحل الأزمة الليبية والتي كان من ضمنها احتمال البحث عن بديل مناسب لدفع المسار بالاتجاه الانتخابات  وتجاوز المجلسين بالكلية. 

عليه يمكن القول أن صالح والمشري يقعان بين فكي كماشة الضغوط والمصالح، ووضع كهذا لا يسعف في الوصول إلى اتفاق رصين يمهد لتوافق قوي ويؤسس لمرحلة مستقرة، فمن الواضح أن رئيسا المجلسين، ومن خلال لقائتهما المستمرة، يسعيان إلى إثبات حضورهما في المشهد السياسي، مع التنويه أن كلاهما يواجه تحديات داخلية وخارجية تربك مواقفهما، فعقيلة يواجه الحاكم الفعلي للشرق، خليفة حفتر، والذي لن يقبل باتفاق لا يضمن بقائه في المشهد وتهيئة الظروف ليكون موقعه الأبرز والأقوى في الترتيبات السياسية والعسكرية الجديدة، وهذا المطلب في حد ذاته محل نزاع كبير، وهناك نفوذ القاهرة التي لها حساباتها الخاصة ومصالحها الكبرى في مواجهة خصم إقليمي هو تركيا ينجح في عرقلة أي مسار سياسي أو امني لا يأخذ المصالح التركية في الاعتبار.

بالمقابل، فإن المشري يواجه جبهة عريضة في المنطقة الغربية ترفض تكييف العملية السياسية لمصالح أفراد بعينهم ولها رؤيتها الخاصة لإدارة النزاع الراهن، كما يدرك أنه بدون الرعاية والدعم التركي فإن توافقاته لن تجلب له إلا مزيدا من السخط.