صدر التعديل الدستوري الثالث عشر عن مجلس النواب بتاريخ 21 فبراير 2023م مستنداً على ما خلص إليه مجلس النواب في جلسة 07 فبراير 2023م، وأشار التعديل في ديباجاته إلى الاستناد على الإعلان الدستوري وتعديلاته، ومن ضمن هذه التعديلات بالضرورة التعديل الدستوري الحادي عشر الذي ضُمّن بموجبه الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري، كذلك الإشارة إلى القانون رقم 4 لسنة 2014 بشأن النظام الداخلي لمجلس النواب وإلى المشاورات التي تمت مع مجلس الدولة.
ووفقا للديباجة، فإن الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي هما الأطر الحاكمة لهذا التعديل، الأمر الذي يلزمه بمراعاة ما ورد فيها من قيود دستورية وقانونية في اتخاذ أي إجراءات تشريعية سيما الدستورية منها. ويقتضي تقييم التعديل الدستوري المشار إليه مناقشة المسار الإجرائي الذي يبحث مدى التزام مجلس النواب بالإجراءات القانونية فيما يتعلق بإصدار التعديل الثالث عشر، والمسار الموضوعي الذي يعنى بتقدير مدى انسجام مضمون التعديل الدستوري مع القواعد التشريعية الموضوعية.
من الناحية الإجرائية يحتكم إصدار أي تعديل دستوري إلى نصوص دستورية وأخرى قانونية. النصوص الدستورية هي المادة 30 من الإعلان الدستوري وكذلك الاتفاق السياسي المضمن في الإعلان الدستوري، وهذه الوثائق نصت صراحة على عدة إجراءات يجب اتخاذها قبل إصدار أي تعديل دستوري، ومن هذه الإجراءات:
- أن تنعقد السلطة التشريعية (مجلس النواب – مجلس الدولة) في جلسة صحيحة النصاب.
- أن يتحصل التعديل الدستوري على أغلبية مائة وعشرين صوتاً وفق المادة 30 من الإعلان الدستوري.
- أن يتم التشاور بين مجلسي الدولة والنواب للوصول إلى توافق بشأن هذا التعديل.
- أن لا يتعارض مع الاتفاق السياسي كما جاء بالمادة 60 من الاتفاق السياسي.
وحيث إن أيا من هذه الإجراءات لم يتم مراعاتها، فيرى أهل الاختصاص أن التعديل الدستوري الثالث عشر مشوب بعيب جسيم مما يعدم أي أثر قانوني له، فمجلس النواب الذي قام منفرداً بإصدار التعديل الدستوري لم ينعقد في جلسة كاملة النصاب، والجلسة بهذا تكون في حكم المعدومة طبقاً لنص المادة 97 من القانون رقم 4 لسنة 2014 بشأن النظام الداخلي لمجلس النواب التي نصت على الآتي: “توضع قوائم الحضور تحت تصرف الأعضاء قبل موعد افتتاح الجلسة بنصف ساعة على الأقل ليوقعوا عليها عند حضورهم. ومتى حل موعد افتتاح الجلسة يطلع الرئيس على القوائم، فإذا تبين أن النصاب القانوني لم يكتمل، له أن يؤخر افتتاح الجلسة ساعة واحدة، فإذا لم يكتمل النصاب بعد ذلك أعلن الرئيس عدم انعقاد الجلسة لعدم اكتمال النصاب”. أضف إلى ذلك أن مجلس الدولة لم يعقد أي جلسة أساساً لمناقشة هذا التعديل قبل إصداره، وهو خلاف ما يقرره الاتفاق السياسي.
أما عن نصاب التصويت الذي اشترط الإعلان الدستوري أن يكون 120 صوتا فهو بالضرورة لم يتحقق، ذلك أن انعقاد الجلسة يتطلب النصف + 1، وهذا النصاب لم يتحقق، عليه فإن نصاب التصويت لم يتحقق الأمر الذي يقدح في صحة التعديل.
المادة 60 من الاتفاق السياسي قد نصت على الآتي: “تلتزم كافة الأطراف بالامتناع عن اتخاذ أي إجراءات أو قرارات تتعارض مع بنود هذا الاتفاق، بأي شكل من الأشكال، وأن يعملوا على دعمه بكافة الوسائل والسبل الممكنة”، أيضا ورد فيها: “تلتزم كافة الأطراف باحترام المؤسسات المنبثقة عن هذا الاتفاق وتتعهد بدعمها وعدم المساس باستقلاليتها والصلاحيات الممنوحة لها”. وحيث إن الخطوة أحادية الجانب التي اتخذها مجلس النواب تصادم هذا النص الدستوري الأمر الذي يؤدي إلى بطلانها لما لهذه الخطوة من مساس بمشروعية الأجسام المنبثقة عن الاتفاق السياسي بما فيها مجلس الدولة.
أما فيما يتعلق بالمسار الموضوعي فالتعديل المشار إليه يلغي بشكل صريح وكامل كافة النصوص الدستورية المتعلقة بنظام الحكم والمنصوص عليها في المواد من 17 حتى 30 من الإعلان الدستوري، كما أنه يلغي بشكل ضمني الاتفاق السياسي المضمن في الإعلان الدستوري بالإضافة إلى إلغاء مخرجات لجنة الحوار السياسي التي وإن لم تضمن صراحة في الإعلان الدستوري، إلا أنه جرى العمل بها واعتبرت إطارا دستوريا حاكما للسلطة التنفيذية.
وحيث إن كلا من الاتفاق السياسي ومخرجات لجنة الحوار السياسي قد أعادا تنظيم نظام الحكم في الإعلان الدستوري بشكل ضمني وحلا محل العديد من بنوده فيما وقع فيه تعارض بينهما، الأمر الذي يجعل من التعديل الثالث عشر يحل محلهما ضمناً، هذا بالإضافة إلى الإلغاء الصريح الذي نص عليه هذا التعديل فيما يتعلق بالمواد من 17 حتى 30 من الإعلان الدستوري، وطبقاً للقواعد العامة للتشريع فإن الإلغاء إما أن يكون صريحاً أو ضمنياً وهذا ما نصت عليه المادة 2 من القانون المدني الليبي بقولها “لا يجوز إلغاء نص تشريعي إلا بتشريع لاحق ينص صراحة على هذا الإلغاء أو يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع القديم، أو ينظم من جديد الموضوع الذي سبق أن قرر قواعده ذلك”.
أما عن النصوص الواردة في هذا التعديل فهي وإن كانت في مجملها تكاد تكون متطابقة مع ما ورد في مشروع الدستور الذي أعدته الهيئة التأسيسية لوضع الدستور، إلا أنه أُدخلت بعض التعديلات الجوهرية على هذا الباب مما أفقده قيمته القانونية. ومن هذه التعديلات عدم النص على أي شروط لترشح الرئيس وإحالة ذلك إلى قانون الانتخابات، بخلاف ما تم في الاشتراطات الواردة في عضوية كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ ورئيس الحكومة وأعضاء الحكومة، وحيث إن منصب رئيس الدولة هو أعلى منصب تنفيذي في البلاد، فمن باب أولى أن يشتمل على شروط أشد من تلك التي اشترطت فيمن هم أقل منه درجة كرئيس الحكومة وأعضاء الحكومة، ومعلوم السبب وراء عدم تضمين شروط الترشح لمنصب الرئيس في التعديل الدستوري والنزاع الشديد حولها، وأنها تأتي لصالح أشخاص مترشحين بعينهم، الأمر الذي يجعل من هذا النص مصادما لقاعدة العمومية والتجريد التي ينبغي مراعاتها عن إصدار أي نص تشريعي وإلا صار مطعونا فيه.
كما أن باب نظام الحكم المستنسخ أُخرج من سياقه العام الوارد في مشروع الدستور الذي يجب أن يكون وحدة واحدة، فباب نظام الحكم الوارد في مشروع الدستور مدعم بعدد من الأبواب التي تضمن سلامة تطبيقه وضمان عدم استخدامه للوصول والانفراد بالسلطة، ومن هذه الأبواب باب السلطة القضائية وباب الحقوق والحريات وباب الهيئات المستقلة. إن اجتزاء الباب المتعلق بنظام الحكم بدون الضمانات المصاحبة يجعل منه مجردا من الضمانات الدستورية، ناهيك بمنح صلاحيات واسعة للرئيس ينال من الحقوق والحريات بدون ضوابط كتلك الممنوحة له لإعلان حالة الطواري أو حل السلطة التشريعية وإصدار مراسيم بقوانين تصادم المبدأ الدستوري المتعلق بالفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وفوق كل ذلك فإن هذه التعديل يضرب عرض الحائط بمشروع الدستور الذي وضعته هيئة تأسيسية منتخبة واستمد مشروعيته من انتخاب الشعب لهذه الهيئة، إذ لا سلطة لمجلس النواب على هذه الهيئة ولا مخرجاتها، ومهمة مجلس النواب هي التشريع وهي المهمة التي انتخب لأجلها، أما السلطة التأسيسية فهي مناطة بالهيئة التأسيسية وبالتالي ما كان ولا يحق لمجلس النواب أن يقترب من مشروع الدستور، فحدود صلاحياته مقيدة بإصدار قانون الاستفتاء والمصادقة عليه بعد الاستفتاء وما عدى ذلك فهو خارج عن صلاحياته، وهذا ما نصت عليه المادة 23 من الاتفاق السياسي بقولها:
“1 – دون الإخلال بالصلاحيات التشريعية لمجلس النواب، يقوم مجلس النواب ومجلس الدولة بتشكيل لجنة مشتركة بينهما، قبل شهرين من انتهاء عمل الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، مهمتها اقتراح مشروعي قانوني الاستفتاء والانتخابات العامة الضروريين لاستكمال المرحلة الانتقالية والتشريعات الأخرى ذات الصلة، وتقدم مشاريع القوانين لمجلس النواب لإقرارها. 2 – يلتزم مجلس النواب ومجلس الدولة وحكومة الوفاق الوطني بتعزيز التعاون والتنسيق فيما بينهم لتوفير أجواء مناسبة لإجراء الاستفتاء على الدستور وإجراء الانتخابات العامة والتداول السلمي للسلطة”.
عليه فإن التزامات مجلس النواب تجاه المسار الدستوري محددة على سبيل الحصر بإصدار قوانين الاستفتاء والانتخاب دون المساس بمشروع الدستور .
كل ما سبق يقود إلى نتيجة واحدة وهي وجود خلل قانوني ودستوري جسيم بالتعديل الدستوري الصادر عن مجلس النواب من حيث الإجراءات الشكلية والموضوعية. ورغم أن القضاء من حيث الأصل لا رقابه له على جوهر النظام الدستوري وتقتصر مهمته على مراقبة سلامة القوانين من حيث تطابقها مع النظام الدستوري إلا أن سلامة الإجراءات المتبعة في إصدار التعديلات الدستورية تخضع لرقابة القضاء، فإن كان التعديل الدستوري قد صدر بالمخالفة للإجراءات التي نص عليها الدستور أو القانون فإن القضاء يملك سلطة الرقابة على سلامة هذه الإجراءات، وهذا بالفعل ما قامت به الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا عندما قامت بإلغاء التعديل الدستوري الثالث الصادر عن المجلس الوطني الانتقالي، حيث عزت هذا الإلغاء لكون هذا التعديل لم يتحصل على النصاب القانوني المنصوص عليه وهو الثلثان. بهذا المبدأ الذي قامت بإقراره المحكمة العليا صار لزاما على السلطة التشريعية مراعاة الإجراءات القانونية فيما يتعلق بإصدار أي تشريعات، سيما الدستورية منها، وإلا صارت باطلة.



