Skip to main content

تمهيد

منذ العام 2014، صعد الجنرال خليفة حفتر كأبرز فاعل عسكري في ليبيا، بعد إطلاقه عملية “الكرامة” لمحاربة الإرهاب، ونجح في لفت الأنظار إليه محليا ودوليا، حتى أصبح الرقم الصعب أو رجل ليبيا القوي، حسب عديد الصحف والتقارير الدولية، وتحول بعد العام 2017م، وبعد إعلان القضاء على الإرهاب في الشرق، إلى مشروع سياسي–عسكري متكامل؛ يهدف إلى حكم كامل البلاد تحت سلطة “الجيش الوطني الليبي”. وفي أبريل 2019 هاجم العاصمة بقوات مدعومة إقليمياً ودولياً، لكنه لم ينجح في السيطرة عليها. إن من أبرز علامات تحول المشروع العسكري إلى نموذج سياسي للحكم، هو انخراط القيادة في كافة الأنشطة الحيوية التي تتطلبها العلمية، من خلال بناء نموذج اقتصادي تنموي يترأسه بلقاسم خليفة حفتر، وقاعدة اجتماعية عبر المصالحة الوطنية، يشرف عليها الصديق خليفة حفتر، وقبل ذلك تمكين صدام خليفة حفتر وخالد خليفة حفتر من مفاصل عسكرية وأمنية حيوية جدا.

ورغم نجاحه في فرض سيطرة أمنية مركزية منضبطة إلى حد كبير في شرق وجنوب البلاد، إلا أن طموحه لم يتوقف عند هذا الحد، إذ اتجه إلى بناء تحالفات خارجية؛ تؤمن له الدعم المالي والعسكري والسياسي اللازم لتوسيع نفوذه غرباً، في ظل الانقسام الذي تشهده البلاد.

البنية الأمنية في الشرق والجنوب – دولة داخل الدولة

  • مركزية القرار العسكري وشخصنة المؤسسة

يقوم نموذج القيادة العامة الأمنية على المركزية المطلقة في اتخاذ القرار، حيث تتحكم الرجمة في جميع مفاصل القوة. الجيش، الأمن الداخلي، المخابرات، وزارة الداخلية بمكوناتها، وحتى القضاء العسكري.

وتظهر جرعة التسييس في البنية العسكرية، بحيث تدين بالولاء الشخصي لا للمؤسسة، بل للقائد نفسه وأبنائه، ولا سيما صدام وخالد حفتر، باعتبارهما يتوليان مهام قيادية على مستوى القيادة العامة، ورئاسة الأركان العامة، فالأول عين نائبا للقائد العام، والثاني رئيسا للأركان العامة، فضلاً عن الصلاحيات الميدانية والمالية الحساسة.

هذا النموذج، بحسب تقارير مجموعة الأزمات الدولية، ومركز كلينغنديل الهولندي (Clingendael)، يعيد إنتاج تجربة “النظام العسكري السلطوي”، حيث يُدار الأمن بمنطق السيطرة، لا بمنطق بناء مؤسسات احترافية ضمن إطار مدني متماسك.

  • الضبط الأمني مقابل غياب الحوكمة

تسود مناطق الشرق الليبي وجنوبه حالة من الاستقرار الأمني، بفضل القبضة الحديدية “للقوات المسلحة العربية الليبية”، لكن هذا الاستقرار يتحقق على حساب الرقابة المدنية والحريات العامة، ففي بنغازي وأجدابيا ودرنة وسبها، ما تزال عمليات الاعتقال والاختفاء القسري مستمرة بحق ناشطين وصحفيين، وفقًا لتقارير هيومن رايتس ووتش وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

إن النظام الأمني في الشرق يقوم على معادلة “الأمن أولاً”؛ أي أن الولاء السياسي يُكافأ بالاستقرار، بينما يُعاقب النقد والحياد بالاستبعاد أو القمع. هذا الأسلوب أوجد استقراراً ميدانياً، لكنه هش من حيث العمق المجتمعي، لأنه لم يُبنَ على عقد اجتماعي يبين حدود الصلاحيات والمسؤوليات، بل على هيمنة أمنية مدعومة بقوة السلاح.

الدعم الخارجي

أولاً: روسيا. العمق الاستراتيجي

منذ العام 2019، عززت روسيا حضورها في الشرق والجنوب الليبي عبر شركة فاغنر، التي تحولت لاحقاً إلى وحدات تابعة لوزارة الدفاع الروسية، بعد إعادة هيكلتها عام 2023 تحت مسمى “فيلق أفريقيا”. وتنتشر هذه الوحدات في قواعد جوية استراتيجية، في الجفرة، وسرت، والكفرة، وبراك الشاطئ، وتوفر لحفتر خدمات تتجاوز التدريب، إلى التخطيط الميداني، والتأمين اللوجستي للعمليات جنوباً.

تشير تقديرات مركز الدراسات الأمنية الأوروبي (EUISS) إلى أن موسكو ترى في حفتر حليفاً جيوسياسياً؛ يضمن لها نفوذاً في البحر المتوسط وشمال أفريقيا، مقابل تزويده بالسلاح والخبرة العسكرية والدعم السياسي في مجلس الأمن.

ثانياً: الإمارات الممول الرئيسي للمشروع العسكري

دولة الإمارات العربية المتحدة تعدّ الداعم المالي والسياسي الأبرز لحفتر منذ العام 2016، مع بداية العملية “عملية الكرامة” حيث قدمت له دعماً عسكرياً مباشراً (طائرات Wing Loong الصينية، ومدرعات النمر الإماراتية)، إضافة إلى تمويل شبكات تجنيد المرتزقة من السودان وتشاد. وهدف أبو ظبي لا يقتصر على دعم حفتر كشخص، بل هو جزء من رؤية إقليمية أوسع تهدف إلى:

  1. منع تمدد التيارات الإسلامية في الغرب الليبي.
  2. إقامة محور استقرار عسكري موالٍ للإمارات يمتد من الشرق الليبي إلى البحر الأحمر.
  3. خلق توازن إقليمي مع تركيا وقطر الداعمتين لطرابلس.

ثالثاً: مصر. الحاضنة السياسية والأمنية

تمثل مصر العمق الاستراتيجي لقيادة الرجمة، حيث توفر تدريباً مستمراً لعناصر “الجيش الليبي” التابع لحفتر في الأكاديميات العسكرية المصرية، إضافة إلى دعم استخباراتي متبادل. فالقاهرة، رغم تجنبها الظهور كطرف صريح في الصراع، إلا أنها تسعى إلى تأمين حدودها الغربية ومنع أي نفوذ تركي في المنطقة.

لكنها في الوقت نفسه تمسك بخيوط الاتصال مع حكومة الوحدة في طرابلس للحفاظ على مصالحها الاقتصادية، وهو ما يضعها في موقع “الداعم الحذر” لحفتر، لا “الحليف المطلق”. إذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة علاقة رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، بالقاهرة.

الجنوب الليبي – منطقة النفوذ الاستراتيجي

  1. السيطرة على الحدود والموارد

تتعامل القيادة العامة مع الجنوب الليبي باعتباره المجال الحيوي الاستراتيجي لمشروعها الوطني، فهو مصدر الثروات (النفط والذهب واليورانيوم)، ومعبر حيوي للتهريب والتجارة غير الرسمية.

في فترات سابقة تولى اللواء المعزز 128 بقيادة حسن معتوق الزادمة بمساندة الشرطة العسكرية، بأوامر من صدام حفتر، مهمة تأمين الطرق من مرزق إلى تجرهي، إضافة إلى السيطرة على معبر إيسين الحدودي مع الجزائر. تم حل اللواء وإعفاء الزادمة من مهامه على خلفية صلاته برموز النظام السابق، وانتقل هذا الدور إلى الكتيبة 101 بقيادة أحمد الشامخ، وهي أحد الكتائب التابعة للواء المعزز طارق بن زياد. هذا الانتشار ليس فقط لأغراض أمنية، بل يهدف أيضاً إلى إحكام السيطرة على موارد الجنوب وربطها بالمركز في بنغازي، ما يقطع الطريق أمام أي استقلال إداري، أو نفوذ منافس من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، أو قبائل ومكونات ثقافية.

رابعاً: القيادة والنزاع السوداني

تشير تقارير استخباراتية متعددة – منهاBBC Africa Eye، وReuters إلى أن المثلث الحدودي ليبيا–السودان–تشاد استُخدم أكثر من مرة لنقل الأسلحة والذخائر إلى قوات الدعم السريع في دارفور. ويُعتقد أن الرجمة تستخدم هذا التدخل المدعوم إماراتياً لخلق نفوذ عسكري عابر للحدود، يضمن للإمارات دوراً إقليمياً بوصفها “فاعل حدودي مهم” في شمال أفريقيا. لكن هذه السياسة تحمل مخاطر استراتيجية على ليبيا نفسها، إذ تهدد بجعل الجنوب الليبي بشطريه الشرقي والغربي ساحة صراع إقليمي بالوكالة، وتُضعف سيطرة الدولة المركزية على أطرافها، وتفتح الباب أمام رد فعل سوداني أو تشادي مضاد داخل الأراضي الليبية.

الطموح نحو السيطرة الكاملة

تدلّ التحركات السياسية والعسكرية للقيادة العامة، على أن حفتر لا يكتفي بالشرق والجنوب كقاعدة نفوذ، بل يسعى إلى توسيع نطاق سيطرته لتشمل كامل ليبيا، عبر ثلاث مراحل مترابطة:

  1. تثبيت السيطرة الإدارية والعسكرية شرقاً وجنوبا،ً من خلال بناء مؤسسات موازية، ممثلة في حكومة أسامة حماد، حيث قام جهاز الأمن الداخلي التابع للحكومة “من الناحية الشكلية” بإلزام كافة المؤسسات والبلديات شرقاً وجنوباً، التابعة لمنطقة نفوذ القيادة العامة، بعدم التواصل بأي شكل من الأشكال مع حكومة الوحدة الوطنية بطرابلس.
  2. اختراق المشهد السياسي في الغرب عبر تحالفات مع شخصيات محسوبة على النظام السابق، وقبائل من المنطقة الغربية، واستمالة بعض قادة التشكيلات المسلحة عن طريق المال، أو الوعود بأن يكون لها دور فيما لو سيطر حفتر على العاصمة طرابلس.
  3. تسويق الجيش دولياً كجسم وحيد قادر على توحيد البلاد وضمان تدفق النفط، ومكافحة الإرهاب، والهجرة غير النظامية.

التقييم والتحليل

  1. الهيمنة العسكرية كخطر استراتيجي

رغم ما يحققه من استقرار، فإن مشروع الجيش يُهدد المسار الديمقراطي وبناء مؤسسات الدولة المدنية، لأنه يستند إلى القوة لا إلى الشرعية وفق قنواتها وأدواتها المعروفة، كما أن استمرار الاعتماد على الدعم الروسي والإماراتي يُفقد القرار الليبي استقلاله، ويُدخل البلاد في دائرة الارتهان الجيوسياسي، حيث تُصبح ليبيا منصة لمشاريع نفوذ الأطراف دولية متصارعة.

  • احتمالية التصعيد

أي تحرك لحفتر نحو الغرب سيقود إلى مواجهة مباشرة مع القوات الداعمة لحكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا، وقد يُعيد البلاد إلى حرب واسعة النطاق، خصوصاً إذا تراجعت التفاهمات الإقليمية بين أنقرة والقاهرة.

الاستنتاجات

  • الجيش لا يتمثل مجرد مشروع عسكري محلي، بل أصبح فاعلًا إقليمياً متشابك المصالح مع روسيا والإمارات ومصر.
  • استقرار الوضع في الشرق قائم على مزيج من الانضباط العسكري والدعم الخارجي، لا على مؤسسات حكم حقيقية ضمن إطار مدني ديمقراطي.
  • تدخل الجيش في السودان يُعدّ تحولًا من “الطموح الوطني” إلى “التورط الإقليمي”، ما يهدد الأمن القومي الليبي.
  • سعي القيادة العامة إلى الهيمنة الكاملة يضع مستقبل العملية السياسية على المحك، ويفرض معادلة جديدة بين الاستقرار القسري والسيادة المنقوصة.

التوصيات استراتيجية

  1. فرض رقابة فعّالة على الحدود الجنوبية، وفق آلية وطنية توافقية بدعم الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة.
  2. الحد من التدخلات العسكرية الخارجية عبر آلية مراقبة أممية مستقلة، تشمل مراقبة الطيران العسكري والدعم اللوجستي.
  3. تسريع عملية توحيد المؤسسة العسكرية تحت إشراف اللجنة المشتركة “5+5”، دون خضوع لأي نفوذ إقليمي أو دولي.
  4. إعادة بناء القطاع الأمني المدني في الشرق والجنوب، بتمكين السلطات المحلية من إدارة الأمن العام.
  5. تحصين القرار الليبي من الارتهان الجيوسياسي، بتفعيل دور مجلس الأمن القومي الليبي كجهاز تنسيقي سيادي مستقل.