Skip to main content

انفرد البرلمان بقوانين انتخابات 2021 فصاغها بمقاس كتلته، وبعدما فشلت انفرد أيضا بتشكيل حكومة ثانية، ونتائج الخطوتين لم يضيفا إلى المشهد خطوات للأمام أكثر مما أخذتاه إلى الوراء، وثبتت له هو نفسه هشاشة جدواهما محليا ودوليا، غير أن للخطوتين أثرهما طبعا بالساحة وقطعا في قوانين 2023 في أبوزنيقة في المغرب بمشاركة ستة من ممثليه ومثلُهم من مجلس الدولة (6+6)، عندما لم يعد الانفراد خيارا.

نعم، أعاد البرلمان -بضغط دولي ربما أكثر منه محلي- الكرة بعد عامين: انتخابات وسلطة تنفيذية جديدة، وهذه المرة بشراكة الأعلى للدولة وربطهما ببعضهما وجعل الأخيرة قبل الأولى توقيتا، وأولوية في نظر البعض، والعلن الصناديق هي الغاية والحكومة الجديدة الوسيلة، والمضمر العكس في نظر آخرين، وفي ظاهر سلوك الاثنين، وسنبرز في الأسطر المقبلة المختلف بين قوانين العام 2021م ونسخة بوزينقة الاخيرة المثقلة بتجربة السنتين الماضيتين.

مادة غير مسبوقة

في قوانين الانتخابات المؤجلة يحسم الفائز بـ٥٠% زائد واحد المنافسة من الجولة الأولى وحال التعذر يذهب للثانية المرشحان الأكثر أصواتا خلافا لقوانين لجنة 6+6 فالجولة الثانية حتمية على الاثنين الأكثر أصواتا أيا كانت نسبة أحدهما وإن تجاوت الـ50%، وهذه مادة غير مسبوقة، والغاية مرتبطة بقضية بمزدوجي الجنسية كما سيتضح لاحقا.

المادة المحور

مواد مزدوج الجنسية تكاد تحتل نسخة أبوزنيقة شروطا وإجراءات وطعونا وتكاد تدور قوانين غير قليلة في مدار معالجة هذه القضية وسنعرض لها في كل مرحلة منذ نشأتها حتى وصولها للمغرب.

اشترطت قوانين 2021م على المتنافس ألا يكون حاملا جنسية دولة أخرى عند ترشحه ولم تتغير هذه النفطة منذئذ وأضيف إليها تعديل في العام نفسه يسمح بترشح مزدوج الجنسية إذا كان “مأذونا له من الجهات المختصة حسب القوانين واللوائح المعمول بها في الدولة”، وللتعديل غرضه ولسنا بصدد تقصّيه أو الاستدلال على الدوافع، والجديد أن هذا الاستثناء اختفى في نسخة 2023م، واستبدلت به طريقة أخرى تسمح لمزودج الجنسية بالترشح كما سيتضح في الفقرات المقبلة.

الشروط تمنع والإجراءات تسمح

 إجراءات قوانين 2021 تلزم المترشح بتقديم إقرار بأنه بأنه لا يحمل هو أو أي من والديه أو زوجته جنسية دولة أخرى ثم عدل لاحقا وتوسع الإقرار -عطفا على الاستثناء المذكور بخصوص الجنسية- إلى أنه ليبي من أبوين ليبيين وبأنه لا يحمل هو أو أي من والديه أو زوجته جنسية دولة أخرى “ما لم يكن مأذون له بذلك من الجهات المختصة .. إلخ”، ولم يفصل القانون آنذاك طبيعة هذا الإقرار، وفي نسخة بوزنيقة جُعل المُتنافس في حِلّ من تقديم أي وثائق تنفي عنه ازدواجية جنسيته، فكأن الشرط يمنعه والإجراءات تسمح له.

 ولذا ألزمت قوانين لجنة 6+6 المتنافسين بوثائق الجنسية في الجولة الثانية كما أشرنا، أيا كانت نسبة الفوز، فالجولة الأولى تسترضي مؤيدي ترشح مزدوج الجنسية والثانية توافق مطالب الرافضين، فهي تشترط على المتنافس التقدم إلى المفوضية خلال أسبوعين من الجولة الأولى بإقرار كتابي مصدق بعدم حمله جنسية دولة أجنبية أو إفادة مصدق عليها من سفارة الدولة المانحة بتنازله عن الجنسية الثانية، وهذا الشكل الجديد من التعامل مع القضية لا ينتهي هنا بل يمتد إلى مرحلة الطعون لحماية هذا الإجراء، وسنعرض له لاحقا عند الحديث عن الطعون بوصفها مرحلة مؤثرة في انتخابات 2021م وكيف انعكست التجربة السابقة على الأخرى المزمعة في قوانين بوزنيقة.

الاستقالة بقوة القانون

يعد العسكري والمدني في قوانين 2021م متوقفا عن العمل قبل الانتخابات بثلاثة أشهر وإذا لم ينتخب يعود لمهامه وتصرف له مستحقاته ثم عدلت الصيغة في العام نفسه إلى “يشترط لصحة الترشح أن يتوقف المترشح مدينا أو عسكريا عن العمل قبل موعد الانتخابات المقررة في ٢٤ ديسمبر بثلاثة أشهر.. إلخ”، والفرق بين الصيغتين بشكل تقريبي أن الأولى تبطل صلاحياته المدنية والعسكرية فور ترشحه والثانية تبطل ترشحه إذا ثبت عدم توقفه، وذهبت نسخة بوزنيقة إلى مستوى أكثر حزما فاعتبرت المترشح للانتخابات الرئاسية “مستقيلا من وظيفته أو منصبه بقوة بقوة القانون سواء أكان مدنيا أو عسكريا بعد قبول ترشحه”، وهذا تطور لافت ومستغرب مروره من لجنة 6+6 في أيام معدودة.

السن والسوابق.. إجراءات متساهلة

اشترطت قوانين واحد وعشرين الأربعين سنا للترشح ثم عدلتها إلى خمسة وثلاثين قبيل الانتخابات ولسنا بصدد الخوض في الغاية على أنها واضحة لكثيرين، وفي مسألة السوابق اشترطت ألا يكون محكوما بحكم نهائي في جناية أو جريمة مخلة بالشرف والأمانة وتتشدد الإجراءات درجة عن الشروط عندما حتمت على المتقدم إقرارا بأنه لم يسبق الحكم عليه في جناية دون أن تقيد الحكم بأنه نهائي وهذا ربما يزيح شخصية جدلية بعينها لكن ذلك لم يحدث في الانتخابات الفاشلة عامئد، وإن كانت القوانين تداركت في التعديل الثاني قبل الاستحقاق، وأضافت كلمة نهائي في مساحة الإجراءات، وفي نسخة بوزنيقة لم تطلب إطلاقا الإجراءات إقرارا ينفي سابقة الحكم النهائي في الجولة الأولى أو الثانية.

حرب الطعون جغرافية

قوانين 2021م أوكلت للسلطة القضائية تشكيل لجان من قضاة المحاكم الابتدائية للنظر في الطعون ضد المترشحين، وللاستنئناف على الطعون أوكلت لها تشكيل لجنة استئناف من قضاة المجلس الأعلى للقضاء وتركت للأخير إنشاء آلية تعيين وتحديد مهام لجان الطعون والاستئناف وكذلك قواعده، والأهم تحديد أماكن تقديم الطعون والاستئناف.

ثم عدلت القوانين وحددت لجان الطعون في نطاق كل محكمة استئناف مؤلفة من قضاة المحاكم الابتدائية، وللاستئناف أوكلت للسلطة القضائية إنشاء ثلاث لجان استئناف خاصة في كل من محاكم استئناف طرابلس وبنغازي وسبها مؤلفة من قضاة تلك المحاكم.

قوانين 2021م لم تكتف بذلك فصعّبت المهمة أكثر على الطاعنين قبل الاستحقاق في تعديلها الثاني عندما ألزمتهم بتقديم طعونهم أمام لجنة الطعون الواقع في “نطاقها المواطن المختار للمرشح المطعون ضده”، ومعلوم أن مكان الطعن والاستئناف بالغ الأثر في جغرافية ليبيا المنقسمة تحت سيطرة أكثر من جهة، وهو ما أثر في قبول ورفض مرشحين جدليين بعينهم عامئذ، وقد تركت هذه التجربة أُثرها في قوانين 2023م.

إقحام لجنة 5+5 ومعاقبة رافضي النتائج

قوانين 2023م ببوزنيقة جاءت ببدع قانونية تحتاج رأيا متخصصا أكثر كمنع الطعن في ترشح مزدوج الجنسية في الجولة الأولى ويأتي هنا استطرادا وسيكون بيانه في الفقرات التالية، غير أن تلك المواد الصادرة عن 6+6 لم تشترط للطعن مكانا وتركته متاحا أمام محاكم الاستئناف عموما في الجولتين باستثناء ما أشرنا أليه.

غير أن الطعن في الأحكام الصادرة عن محاكم الاستئناف يجري أمام هيئة خاصة من مستشاري المحكمة العليا بقرار عن الجمعية العمومية وتعقد جلساتها بتأمين من لجنة 5+5 في أي مكان تحدده اللجنة ثم تصدر المحكمة أحكامها خلال 72 ساعة من إعلام الخصوم ويكون حكمها غير قابل للطعن بأي وجه ويتعين على المفوضية تنفيذه، وفيما يتعلق بنتائج الانتخابات عموما تنص المواد على قبول نتائج الانتخابات بعد انتهاء مرحلة الطعون وخضوع المخالفين للملاحقة القانونية، ويبد كما أسلفنا أن لنتائج قوانين الانتخابات المتعثرة أثرها في هذه الصياغة، غير أن معركة الطعون تأخذ شكلا غير مألوف فيما يتعلق بمزدوجي الجنسية.

تحصين ذوي الجنسيتين

تنص قوانين بوزنيقة على السماح بالطعن في المترشحين بعد إعلان المفوضية للقوائم الأولية غير أنها تنص صراحة على أنه لا يجوز رفع الطعن إلى المحاكم بشأن مزدوج الجنسية خلال التنافس على الجولة الأولى وتنص أيضا على أنه بعد تقدم المترشح بوثائقه المتعلقة بالجنسية إلى المفوضية وإطلاعها لسائر المترشحين عليها يحق لهم حينها الطعن فيها أمام محاكم الاستئناف!!

موعد الانتخابات توافقي

في قوانين 2021م أوكل البرلمان لنفسه مهمة تحديد موعد الاقتراع بناء على اقتراح للمفوضية وبعدما سار لاحقا في إنشاء حكومة جديدة منفردا دون الجدوى المرادة لهذه الخطوة، صار التشارك إلزاما لا اختيارا عليه مع مجلس الدولة في قضيتي الانتخاب وتشكيل حكومة.جديدة إذا أراد المضي في أي من هذين المسارين بغية نتائج مختلفة، وفي نسخة 2023م لبوزنيقة نجده يقرر تحديد موعد الاستحقاق بالتوافق مع مجلس الدولة وبالتنسيق مع المفوضية. خلال مائتين وأربعين يوما من صدور قوانين الانتخابات وتجرى انتخابات مجلس الأمة مع الجولة الثانية لانتخاب الرئيس خلال مدة 35 يوما من تاريخ انتهاء الطعون وصدور الأحكام القضائية بشأن الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية.

ربط الانتخابات بحكومة جديدة

لم تنص قوانين واحد وعشرين على حكومة جديدة طبعا لأن حكومة الوحدة كانت شكلت في جنيف لهذا الغرض، وبعدما شكل البرلمان بنفسه حكومة أخرى عقب فشل الانتخابات كما أسلفنا، سعى لحكومة ثالثة مع مجلس الدولة، وطرحها بصيغ عدة رآها كثيرون غاية لا وسيلة، فمرة يتحدث عنها بوصفها حكومة موحدة تجمع بين الاثنين لتكون قادرة على الإشراف على الانتخابات، ومرة يتحدث عنها بوصفها حكومة انتخابات فقط، وفي قوانين 6+6 تحدث عنها بوصفها حكومة جديدة دون أي تفاصيل عنها وأوكل لها مهمة تأمين الانتخابات والإشراف عليها بل إنه ربطها بالعملية عندما صاغ ما دته كالتالي: “تجرى الانتخابات في ظل حكومة جديدة.. إلخ.

الخلاصة

صبت تجربة الماضي في نسخة الحاضر وأخذت قوانين بوزنيقة من سابقتها قبل عامين وأضافت لنفسها حلولا فيها شيء من الجدية كمكان الطعون واستقالة العسكري والمدني والملاحقة القانويية لغير القابلين بنتائج الصنايق وتساهلت ربما في مسألة “الحكم النهائي”، كما أضافت لموادها مواد قابلة للانفجار في أي مرحلة من الانتخابات وتدمير العملية برمتها كربط مصير البرلمانية بالرئاسية وجعها من رأسها إلى رجلها منشغلة بحل قضية مزدوجي الجنسية مهما كلفها من بدع قانونية قد لا يتحملها المشهد وقد تكون عرضة للطعن في الدائرة الدستورية كمنع ترشح مزدوجو الجنسية شرطا والسماح له إجراء بل وتحصينه من الطعن ومنع ذوي المصلحة من هذا الحق في الجولة الأولى.