Skip to main content

مقدمة

شهدت الأزمة الليبية بالرغم من الجمود السياسي الذي اكتنفها طيلة المدة الماضية  أحداثا متسارعة، منذ منتصف أبريل الجاري، لفتت انتباه المعنيين بالأزمة الليبية دولياً و محلياً، تمثلت بإصدار المجلس الرئاسي ثلاثة مراسيم  لم تنل حظها من النقاش؛ بسبب اندلاع أزمة أمنية بالعاصمة طرابلس، أعقبها حراك مدني مجتمعي، عبّر عن تطلعاته بتظاهرات حملت شعارات و مطالب سياسية مختلفة، إلا أنها توحّدت حول مطالبة المجلس الرئاسي بصفته رئيساً للدولة الليبية بالتدخل؛ لوضع حد للفوضى السياسية الناتجة عن تشبث الأجسام السياسية الحالية بالسلطة .

ما هو مفهوم المراسيم الرئاسية؟ وما طبيعة ما أصدره الرئاسي من مراسيم؟

تعرف المراسيم الرئاسية بقوة القانون بأنها أوامر يصدرها رئيس الدولة أو الملك، تكون لها قوة قانونية ملزمة دون الحاجة لمرورها عبر العملية التشريعية، وتصدر عادةً في حالات استثنائية، أو عندما لا يكون البرلمان قادراً على إصدار قانون في وقت مناسب.

بالرجوع للمراسيم الثلاثة التي أصدرها المجلس الرئاسي، و بإخضاعها للواقع السياسي الليبي، نجدها لم تنتج مراكز قانونية، فالمرسوم رقم ( 3 ) متعلق بمفوضية الاستفتاء و الاستعلام، ولم ينازع أو يسلب المفوضية الوطنية العليا للانتخابات اختصاصها، و المرسوم رقم ( 2 ) متعلق ببعض أحكام قانون إنشاء مفوضية المصالحة الوطنية التي هي اختصاص أصيل للمجلس الرئاسي ، أما المرسوم رقم ( 1 ) يعتبر كاشفاً لحكم الدائرة الدستورية، القاضي ببطلان القانون رقم 5 لسنة 2024 الذي بموجبه أنشأ  البرلمان محكمة دستورية ، وكون  المراسيم لم تنشئ مراكز قانونية لا يقلل من أهميتها، فهي ضرورية للتمهيد لإصدار مراسيم لاحقة، فتبيان بطلان إنشاء محكمة دستورية عليا يحتاجه المجلس الرئاسي إذا ما قرر إصدار مرسومٍ و عجز عن تحصينه، فمن المؤكد سيواجه بالطعن عليه لدى القضاء الدستوري، خصوصاً من رئاسة البرلمان التي تعتبر أن مراسيم الرئاسي تنازع البرلمان اختصاصه التشريعي؛ لذلك وجب على المجلس الرئاسي تأكيد و تبيان بطلان قانون إنشاء المحكمة الدستورية العليا ، بالتالي تنحصر الرقابة القانونية على مراسيمه لدى الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا.

 أما أهمية مرسوم تعديل بعض أحكام قرار إنشاء مفوضية الاستفتاء والاستعلام، في حال أتمت المفوضية هيكلها الإداري، وأصبحت جاهزة للعمل باستفتاء أو استعلام الشعب عن قضية معينة؛ تكون نتائجه ضاغطة على البعثة والأجسام التشريعية والتنفيذية الحالية، وتسهم بتحديد مآلات العملية السياسي.   

 ما المراسيم المتوقع صدورها؟ وما الأسس والأسانيد التي تجعلها مقبولة محلياً ودولياً؟

 من خلال متابعة ما صدر من مراسيم عن الرئاسي، نجدها تتجه إلى عدم انتهاك الإعلان الدستوري، و لا مصادمة قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالأزمة الليبية، بالتالي لن يجنح إلى منازعة بعثة الأمم المتحدة للدعم بليبيا تيسيرها للحوارات بين أطراف الأزمة الليبية، فعلى سبيل المثال نتوقع عدم إصداره لمرسوم يقضي بتجميد البرلمان و مجلس الدولة، وهما اللذان استمدا شرعيتهما من اتفاق الصخيرات المضمن بالإعلان الدستوري، وبالتالي يقوّض بهكذا مرسوم الأساس الذي تقوم عليه العملية السياسية بليبيا، التي أرساها المجتمع الدولي عبر قراراته، ناهيك عن صعوبة نجاح مراسيم من هذا النوع في حلحلة الأزمة الليبية من الناحية الواقعية؛ لذلك من المتوقع أن يلجأ المجلس الرئاسي إلى التدرج بإصدار المراسيم، بحيث يمهد كل منها لما بعده حال نجاح كل مرسوم بتحقيق آثاره، مع الأخذ بالاعتبار ما يتحتم على المجلس الرئاسي قبل إصداره لأي مرسوم مستقبلاً، أن يعززه بأسس و أسانيد متينة؛ تبرر الحاجة الملحة لإصدار المراسيم، و تبعده كجهة مُصدرة عن النقد أو الطعن، و من أبرز الأسس و الأسانيد الضرورية  ( الملكية الليبية للحل ، حالة إعلان الطوارئ ، حالة الضرورة القصوى ، تجاوز البرلمان لاختصاصه المؤقت ، عجز البرلمان و مجلس الدولة على الوفاء بالتزاماتهما، ما أسند للمجلس الرئاسي باتفاق جنيف بالمحافظة على المسار السياسي . مثل هذه الأسانيد وغيرها ضرورية لقبول صحة أي مرسوم، وهي من تهيئ لاستطلاع الشعب أو استعلامه،

أما ما يخص المراسيم المتوقع صدورها عن المجلس الرئاسي،  فمن غير المجدي محاولة توقعها بعدما أعلنت البعثة عن خيارات اللجنة الاستشارية؛ لكون إعلانها عن الانخراط بنقاش مجتمعي يشكل البداية لإطلاق عملية سياسية ليبية، فأي مرسوم  لا يتماهى مع ما تقوم به البعثة قد يعتبر من الأعمال المعرقلة، ووفقاً لما أوردناه من أن مراسيم المجلس الرئاسي لن تكون مصادمة للمجتمع الدولي أو معرقلة لممثلها بعثة الدعم، فنتوقع أن يكون مرسومه القادم- إن عزم على المضي بإصدار المراسيم- هدفه تعزيز و توسيع دائرة  النقاش حول خيارات اللجنة الاستشارية، التي ألزمت  البعثة به نفسها؛  بذلك يتم  استفتاء الشعب -مصدر السلطات-عن الخيار الذي يريده و يقبله من خيارات اللجنة الاستشارية. إن إصدار مرسوم بهذا المضمون يحقق الملكية الليبية، و لا يتعارض مع إعلان البعثة عزمها إقامة نقاش مجتمعي حول مخرجات اللجنة الاستشارية، و لن تجد البعثة مسوّغا لرفض صدور مرسوم بهكذا مضمون، و ما يعزز توقعنا باستطلاع الشعب حول خيارات اللجنة الاستشارية، ما صرح به السيد رئيس المجلس الرئاسي للسيدة هانا تيتيه أثناء اجتماعهما بتاريخ 11 مايو الماضي، عن عزمه استطلاع الشعب حول مخرجات اللجنة الاستشارية، و لا يفوتنا في هذا الصدد أن نذكّر بأن  خيارات الاستشارية غير ملزمة، غير أنه سيصبح خيار الشعب ملزم للبعثة و لكافة الأطراف، حال استطاع الرئاسي تحديده باستفتاء عام، ووفق ما ذكرناه بتدرج المراسيم؛ يمكن للرئاسي إصدار مرسوم يلزم الأطراف السياسية بتنفيذ ما اختاره الشعب لحل الأزمة الليبية.

صعوبات والعراقيل التي قد تعيق إصدار المراسيم أو تمنع تنفيذها 

من الطبيعي أن توجد عراقيل وصعوبات قد تمنع صدور المراسيم، أو تعيق تنفيذها، ويمكن تحديد تنوعها في تركيبة المجلس الرئاسي وما يتعلق بآلية تنفيذ المراسيم، أو بالوضع السياسي والقانوني والدولي:

1 – عراقيل تعيق إصدار المراسيم من داخل المجلس الرئاسي

  تشير بعض التسريبات إلى أن المجلس الرئاسي غير متوافق بإجماع على تدخله بالأزمة الليبية عن طريق إصدار المراسيم،  ما جاء من تسبيب في ديباجة المراسيم ( و بناء على موافقة المجلس ووفقاً لنصابه القانوني ) فذكر النصاب يدلل على عدم وجود إجماع بالإضافة الى تداول بيان منسوب لعضوين من المجلس ينكران فيه موافقتهم على ما صدر من مراسيم،   فإذا أحدثت مراسيم تهدئة مثل هذا الارتباك و التخبط داخل المجلس، فما بالك عند التحضير لإصدار مراسيم معنية بالواقع السياسي بشكل مباشر.

2 -صعوبات متعلقة بآلية تنفيذ مراسيم الاستفتاء

 مفوضية الاستفتاء والاستعلام منذ قرار إنشائها الصادر بتاريخ 11/8/2024 لم يُعلن جاهزيتها لأداء مهامها، وليس معلوماً كم تحتاج من الوقت لإنهاء هيكليتها، ومتى تجهّز منظومتها، فتأخير جهوزيتها يؤخر إصدار أي مرسوم متعلق بالاستفتاء أو استعلامه.

3- صعوبات سياسية و قانونية و دولية من شأنها عرقلة إنفاذ المراسيم

لا شك أن الانقسام العمودي في مؤسسات الدولة،  و حالة عدم الاستقرار السياسي و الأمني، و اعتبار البرلمان نفسه جهة تشريعية وحيدة؛ ستعيق إنفاذ المراسيم، و ستواجه بالرفض في المنطقة الشرقية بحملة يقودها رئيس البرلمان،  يستخدم فيها كافة الطرق  القانونية لمنع إنفاذ المراسيم، و لن نستبعد تعطيل منظومة الاتصالات، في اليوم الذي يفترض أن تتم فيه عملية إجراء استعلام بواسطة الأجهزة الذكية و الإلكترونية، ناهيك عن عدم تحديد البعثة و بعض الأطراف الدولية و الإقليمية المتدخلة في الأزمة الليبية موقفها بشكل واضح، تجاه ما تم إصداره من مراسيم، و ما يتوقع إصداره من مراسيم.

كل هذه العراقيل وغيرها متوقع أن تأخر أو تعيق المجلس الرئاسي عن إصدار المراسيم، التي يعتقد رئيسه أنها لازمة لوضع الأزمة الليبية على سكة الحل، حسب ما تداوله بعض المتابعين للشأن الليبي، خصوصاً مع عدم وجود مطالبات شعبية على شكل تظاهرات بعموم البلاد، كالتي خرجت في طرابلس وطالبت المجلس الرئاسي بإنهاء وتجميد جميع الأجسام السياسية الحالية؛ لذا على رئيس المجلس الرئاسي ومستشاريه أن يعكفوا على حلحلة أغلب ما ذكرناه، إن كان عازماً على إصدار ما تتطلبه المرحلة الحالية من مراسيم رئاسية.