Skip to main content

عقب زيارة مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، ويليام بيرنز، للبلاد لتكون الزيارة الفارقة في المشهد السياسي الليبي؛ شهدت المنطقة الشرقية نشاطا لافتا للقائم بأعمال السفارة الأمريكية، ليزلي أوردمان، ورافقه نائب قائد القوات الجوية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم” إذ التقيا بقائد عام الجيش التابع لمجلس النواب، خليفة حفتر، في مدينة بنغازي عقب أيام من لقاء الأخير بمدير السي أي أيه. 

كما التقى أوردمان برئيس مجلس النواب عقيلة صالح في مقر المجلس بمدينة بنغازي وأكد أوردمان عبر حساب السفارة الأمريكية أنه تباحث مع عقيلة صالح ضرورة رأب الصدع وبناء الوحدة الوطنية عبر السماح بالشعب الليبي بتحقيق مطلبه في اختيار قادته وهو مطلب طال انتظاره حسب تعبيره. 

نشاط أمريكي وتحركات سريعة 

تحركات القائم بالأعمال الأمريكي، ليزلي أوردمان، تأتي متصلة مع زيارة بيرنز والتي يمكن النظر إليها كتأسيس وتوجيه للنشاط الذي يقوم به أوردمان اليوم والذي من المحتمل جدا أنه يهدف إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي الليبي وفق رؤية الإدارة الأمريكية  العليا الساعية لتحجيم الوجود الروسي في ليبيا عبر عدة إجراءات أهمها توحيد سلطة الدولة من خلال إجراء الانتخابات في أقرب فرصة وهو ما ترجح الرؤية الأمريكية أنه بالإمكان البناء عليه لاستئصال الوجود الروسي أو تحجمه على الأقل، وهذا لا يقع إلا من خلال تغيير في السلطات الحالية في البلاد، أو تغيير جذري في موقف السلطات الحالية من الوجود الروسي. فموسكو تحاجج بأن قدوم خبرائها وعناصر الفاغنر لليبيا بناء على رغبة السلطات العليا في الدولة ممثلة في مجلس النواب، كما أن التعاون الروسي على الأرض يجري مع القائد العام للقوات المسلحة المعين من قبل مجلس النواب، وهم بهذه الرواية السياسية عن قانونية الوجود الروسي يضعون الأمريكان في حرج، فالقانون الدولي ومبدأ سيادة الدول في صالح الروس، ثم إن هذه المبادئ تحظى بتقدير الديمقراطيين. 

الجانب الآخر هو تركيز تحرك السفارة الأمريكية في بنغازي واللقاء بحفتر قبل عقيلة صالح والذي يأتي لعدة اعتبارات أهمها كون حفتر قد أبدى تعاونه منذ البداية مع التوجهات الأمريكية المتعلقة بمكافحة الإرهاب والتحالفات الأمنية التي أبرمها، كما إن تقاربه مع الروس في حرب طرابلس لم يأت انحرافا عن خط واشنطن لصالح موسكو بل جاء في سياق التمدد الروسي إبان إدارة ترامب التي لم تكن صاحبة موقف عدائي تجاه هذا التمدد، فترامب نفسه إجرى اتصالا هاتفيا بخليفة حفتر واعطاه ضوء أخضر في الهجوم على العاصمة طرابلس في الوقت الذي كان التعاون بينه وبين فاغنر في أوج قوته. 

المدير الحالي للسي أي إيه قاد التحول في العقيدة الأمنية الأمريكية توجيهها ضد روسيا وأنها من يمثل التهديد للأمن القومي الأمريكي وأن الخطر الصيني بعيد المدى بالنظر إلى المخاطر الآنية قريبة المدى التي تمثلها روسيا ومنها تهديد أمن الطاقة وإمدادتها والتي تعدها الاستراتيجية الأمريكية ضمن أولويات الأمن القومي الأمريكي.

عقيلة صالح وخيارات مجلس النواب 

لم يبالغ من وصف تصريحات رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، عند افتتاحه جلسة المجلس الاثنين الماضي بالانقلاب على التوافقات بينه وبين رئيس مجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، فنتائج التوافق تم الإعلان عنها بشكل رسمي في مؤتمر صحفي في القاهرة، وكان من ضمن ما تم الاتفاق عليه خارطة طريق توصل للانتخابات العامة.  عقيلة صالح تحدث بلهجة سلبية عن التوافق وقلل من تفاهمات القاهرة بل تراجع عما صرح به هو في المؤتمر الصحفي، فقد ذكر أن القاعدة الدستورية للانتخابات هي اختصاص أصيل لمجلس النواب دون وجود وأن الأعلى للدولة مجرد جسم استشاري، وأن مجلس النواب سيتحمل مسؤوليته دون انتظار غيره من الأجسام معرضا بالمجلس الأعلى للدولة ورئيسه خالد المشري الذي علق على تصريحات عقيلة أن يده ستضل ممدودة للتوافق وأن من يتنكبون طريق التوافق سيحصدون نتاج سوء نواياهم. ومن المؤكد أن من بين دوافع قبول المشري التصالح مع عبدالحميد ادبيبة وظهوره معه، بمعية رئيس جهام المخابرات التركي وفاعلين محليين أخرين، بمثابة رد سياسي على تصريحات عقيلة صالح.

أيضا ظهر جليا أن كلمة عقيلة صالح تخللتها إشارات واضحة تكشف عن ضغط كبير ربما يكون قد تعرض له، ومن ذلك قوله أن على مجلس النواب أن يحسم مسألة الإنتخابات بتحديد تواريخ محددة وإقرار قوانين قبل بداية شهر مارس، وإلا فإن البلاد مقبلة على كارثة حسب وصفه، مشيرا إلى احتمال حل المجلسين ( الدولة-النواب)، وكلامه يتفق مع معلومات تشير إلى  اتجاه غربي بقيادة أمريكية لدعم خيار بديل لوضع قاعدة دستورية وقوانين للانتخابات. 

نبرة وحديث عقيلة صالح جاءت مختلفة هذه المرة خصوصا فيما يتعلق بالانتخابات وكلامه لأول مرة عن السخط الشعبي تجاه مجلس النواب، وهو ما يفيد بفشل مسار التعطيل وتمطيط الحوار مع المجلس الأعلى للدولة وهو المسار الذي يلجأ إليه عقيلة صالح للمناورة والتفلت من الضغوط، ويبدو أنه قد أيقن أن جدية الضغط الأمريكي القادم من أعلى الهرم ينشد نتيجة محددة وهو توجه لا يسع عقيلة صالح وداعميه أن يجابهوه. 

من جانب آخر فقد زاد الاتجاه الجديد من ضعف رئيس المجلس الأعلى وأنصاره، وهو الذي أبدى حماسة بالغة في المراهنة على التوافق مع عقيلة صالح، فانقلاب الاخير أحرج المشري أمام الجبهة الغربية وأمام رئيس حكومة الوحدة الوطنية، الذي ناصبه المشري العداء وكان مستهدفا بالإسقاط ضمن تفاهمات القاهرة، هذا الإحراج كان كافيا لأن يتناسى المشري تصريحاته النارية ضد ادبيبة، ويحل ضيفا عليه في بيته.  

أمام تصريحات عقيلة صالح الأخيرة، تبدو الخيارات أمام المجلس الأعلى للدولة محدودة خصوصا في ظل الانقسام الذي شهده المجلس والسخط الذي يواجهه رئيسه، أما بالنسبة لادبيبة فهو اليوم في وضع أكثر قوة من ذي قبل، وزيارة بيرنز ربما تكون عززت من قوته. 

زيارة هاكان فيدان رئيس الاستخبارات التركية لطرابلس  

ربط مراقبون بين زيارة مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لطرابلس والزيارة التي قام بها رئيس جهاز الاستخبارات التركية، هكان فيدان، للعاصمة والتقى خلالها برئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة ورئيس المجلس الرئاسي ورئيس جهاز المخابرات الليبية ورئيس المجلس الأعلى للدولة.

زيارة خاطفة لفيدان لم تستغرق ال24 ساعة بدا أنها تأتي في سياق إعادة ترتيب الجبهة الغربية، التي شهدت تصدعا كان من مظاهره الخصومة الشديدة بين المشري وادبيبة، في مواجهة تطورات محتملة في المشهد السياسي الذي يبدو أنه مقبل على تغيرات نوعية في الفترة القريبة القادمة كنتيجة للتحرك الأمريكي الجاد هذه المرة. 

ومن المهم التنبيه إلى أن زيارة فيدان جاءت بعد أسبوع من حكم محكمة ليبية بقبول الطعن في الاتفاقية التركية الليبية للتنقيب البحري ومطالبتها الحكومة بإيقاف العمل بالاتفاقية حتى البت في الحكم، فالنفوذ التركي في الغرب الليبي مرتبط بهذه الاتفاقية لذا تحرص أنقرة على أن لا تُوَاجه بقرارا يلغي الاتفاقية أو يجمدها.

الوجود العسكري التركي في البلاد يمثل مرتكزا مهما من مرتكزات الاستراتيجية التركية في البحر الابيض المتوسط إلا أنه يواجه تحديات كبيرة أولها الخلافات حول ترسيم الحدود البحرية بين دول شرق المتوسط، وثانيها موقف جبهة طبرق-الرجمة، ومن خلفهما القاهرة. كما أن الوجود التركي لا يزال يعتمد على ضمان بقاء السلطة السياسية في يد من تعدهم تركيا حلفاء، ذلك إن أي تغيير في المشهد السياسي عبر انتخابات أو غيرها يمثل تحديا حقيقيا للوجود القانوني للقوات التركية وقواعدها العسكرية في البلاد وهو ما لا تفضل أنقرة المقامرة به في ظل هذه التحديات الإقليمية والداخلية التي تواجه تركيا. 

فعلى ذلك يمكن اعتبار زيارة هاكان فيدان محاولة لاستيعاب التغيير الذي قد يطرأ وإعادة ترتيب وتموضع للموقف التركي في ليبيا  ورص للصفوف ضمن جبهة الحليف الليبي. وبرغم الخلافات بين واشنطن و أنقرة  حول ملفات عديدة من بينها ليبيا، إلا إن تركيا قادرة على ابعاد التوتر وتعظيم مساحة التوافق بينها وبين الولايات المتحدة.

الوجود الروسي يمثل دائرة مهمة من دوائر التوافق الأمريكي التركي، وهذا قد يعطي الأتراك دورا محوريا في أي ترتيبات محتملة قد تفرضها واشنطن خاصة تلك التي تهدف إلى تضييق الخناق على الروس في مناطق وجودهم في وسط وجنوب البلاد، أو الترتيبات الخاصة بالاستقرار السياسي، وإذا أرادت تركيا المحافظة على مكاسبها ومصالحها ينبغي أن تكون منسجمة مع الإرادة الأمريكية في الخيارات الجديدة المرتقبة. 

خلاصة  

يبدو أن المشهد السياسي الليبي يمضي بثبات نحو تغيير في بنيته الأساسية وهو ما استطاع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح استيعابه من خلال موقفه الداعي إلى تدارك بشكل عاجل. كما تأتي زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركية في نفس السياق كمحاولة لترتيب الأوراق والتعامل مع المستقبل لضمان المصالح التركية والتعاطي مع التوجه الأمريكي الرامي إلى التضييق على الوجود الروسي في البلاد وصناعة حالة استقرار عبر الانتخابات. 

يشير نشاط السفارة الأمريكية ولقاء القائم بالأعمال مع حفتر وعقيلة صالح على أن الموقف الأمريكي في درجة عالية من الجدية وأن الرسائل التي أوصلها رئيس السي أي إيه للأطراف الأساسية في المعادلة تجري وفق الرؤية التي بلورتها أعلى الإدارات الأمريكية فيما يتعلق بالأمن القومي الأمريكي لتأمين مصادر الطاقة وتدفقاتها بسلاسة دون انقطاع، محاصرة روسيا وإفشال استراتيجيتها في منطقة البحر المتوسط والقارة الأفريقية.