في السابع من أكتوبر المنصرم نفذت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، عملية نوعية في مستوطنات غلاف غزة، كانت فارقة في تاريخ المقاومة الفلسطينية، إذ استطاعت مفارز القسام أن تخترق الحواجز المنيعة التي يُعتقد أنها عصية أمام الاختراق، هذا بالإضافة لحجم الخسائر التي تكبدتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، إذ أُخرجت فرقة غزة من الخدمة خروجا كاملا بعد الإجهاز على 70 أو 80% من قوام القوة، وهو ما يمكن أن يُعد في الميزان الإستراتيجي للمعركة تأرجحا هائلا بل نقلة غير مسبوقة في ميزان الصراع مع الاحتلال، لهذا كانت ردة الفعل الإسرائيلية عنيفة جدا، وتجاوزت كافة الحدود القانونية والإنسانية.
تداعيات الحدث على المنطقة
تنذر عملية طوفان الأقصى بتغيرات لم تشهدها المنطقة منذ 10 سنين، إذ أشعلت ردود الأفعال الدولية والإقليمية المنطقة ووضعتها على صفيح ساخن، خصوصا مع تحريك الولايات المتحدة الأمريكية لحاملتي طائرات نحو شرق المتوسط وإشرافها إشرافا مباشرا على دعم الكيان الصهيوني بالعتاد اللازم والمعونات الاقتصادية، بالإضافة إلى دور غير محدود في إدارة العمليات العسكرية وتوجيهها في محاولة لكبح تهور “نتنياهو” وعدم تحويله مسار المعركة من حرب بين الكيان وحركة حماس إلى حرب إقليمية شاملة بين ما يعرف بمحور المقاومة بأذرعه وجغرافيته الممتدة وعلى رأسه إيران وبين الاحتلال ومن خلفه أمريكا التي أثقلتها الحرب الأوكرانية الروسية، وقبلها حروب أفغانستان والعراق.
من جانب آخر، فإن تنامي حالة الغضب الشعبي والسخط والإحباط تجاه ما يجابهه سكان قطاع غزة من إبادة جماعية على مرأى ومسمع العالم من شأنه أن يتسبب في موجات من الاحتجاجات الغاضبة التي تهدد استمرار حلقة الاستبداد في مصر بالتحديد التي يقع عليها الضغط الأكبر لعدم تعاطي النظام تعاطيا إيجابيا مع مطالب فتح معبر رفح الذي تغلقه السلطات المصرية وتفرض من خلاله حصارا خانقا بأوامر مباشرة من دولة الاحتلال.
على صعيد مساحة المفاهيم والمواقف، فإن تنامي حالة العداء للغرب والدول الغربية باتت مشاهدة ومرصودة في الأوساط الشابة نتيجة للموقف الغربي الفج في دعمه لمجازر الاحتلال العلنية باسم حق الدفاع عن النفس، كما أن الدعم الأمريكي الذي يبدو الأكثر حماسة في تأييد إسرائيل في حربها على قطاع غزة ضاعف ردود الفعل تجاه الولايات المتحدة وتسبب في استهداف المصالح الأمريكية في كل من سوريا والعراق واليمن، ما يشي بأن المنطقة بالفعل قد تشهد تطورات ربما تفضي إلى تغيرات كبرى.
الموقف الليبي الرسمي
يأتي الموقف الليبي الرسمي الداعم لفلسطين والمناهض للعدوان الصهيوني وداعميه الغربيين بشكل واضح من قبل المستويات المختلفة في الدولة سواء مجلس النواب، أو المجلس الرئاسي، أو حكومة الوحدة الوطنية.
فقد استنكر مجلس النواب في بيان له العدوان على غزة مطالبا سفراء الدول الأجانب الداعمة للكيان الصهيوني بمغادرة البلاد فورا دون تحديدهم، ما يعد موقفا غاية في تصعيد.
كما خرج رئيس حكومة الوحدة الوطنية في بيان متلفز تحدث فيه بوضوح بوقف استمرار ظلم الشعب الفلسطيني مباركا عملية الطوفان الأقصى، بشكل غير مباشر، إذا عدّها نتيجة طبيعية للضيم الواقع على الشعب الفلسطيني منذ عقود.
من جانب آخر، لم يكن موقف المجلس الرئاسي بعيدا سياق الرؤية الليبية عموما ولا مختلفا عن موقفي الحكومة ومجلس النواب، إذ شارك رئيس المجلس محمد المنفي في قمة القاهرة داعيا إلى هدنة إنسانية عاجلة لإغاثة سكان غزة مطالبا بوقف الأعمال العدوانية من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
كما أن المجلس الأعلى للدولة أكد في بيان له دعمه للمقاومة ولحق الشعب فلسطيني في أرضه، هذا عدا استقبال رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة لوفد ممثل لهيئة علماء فلسطين.
تأتي هذه المواقف المنسجمة مع بعضها في دعم المقاومة وشجب العدوان واستنكاره على غزة في الوقت الذي استأنف فيه الحكم في قضية ما يسمى بخلية حماس التي حُكم فيها على أفراد الخلية بأحكام بين تتراوح بين 10 أعوام و20 عاما عاما بتهمة التهريب وإفشاء أسرار الدولة وتأسيس تنظيم محظور، وقد صدر حكم الاستئناف بوقف هذا الحكم إلى حين صدور الحكم النهائي من المحكمة العليا ما يعد موقفا إيجابيا في ظل السياق الذي تمر به المنطقة عموما وليبيا خصوصا.
كما أن الاتهامات التي طالت حكومة الوحدة الوطنية المتعلقة بالتطبيع مع الكيان الصهيوني -عبر لقاء وزير الخارجية نجلاء المنقوش مع وزير خارجية دولة الاحتلال إدي كوهين قبل عدة أسابيع- جعل موقف الحكومة أكثر وضوحا في هذه الأزمة الذي يمكن أن يعد فرصة سياسية لها لتحسين صورتها أمام الرأي العام الليبي والعربي الذي عبر عن استيائه من موقف الحكومة آنذاك، وخرج في مظاهرات منددة بتصرف الوزيرة والحكومة التي تورطت في قضية التطبيع، كما أن التفاعل مع أحداث غزة في أوساط الشارع الليبي يمكن أن ينظر إليه بإيجابية خصوصا التظاهر وجمع التبرعات والتعاطف الشعبي العام الذي ظهر بقوة عبر منصات التواصل الاجتماعي وتغطيات القنوات الفضائية.
ليبيا وسط منطقة متوترة
من غير الممكن الجزم بمآلات الأحداث في غزة وما حولها، إلا أنه في حال تفجر الوضع في المنطقة وانتقال حالة الحرب من غزة وتخومها إلى مستويات أوسع فإن تأثر ليبيا -وإن كان طفيفا من الناحية الميدانية- سيكون انعكاساته السياسية كبيرة خصوصا مع تدخل دول كمصر وتركيا في الملف الليبي التي قد تتأثر بشكل مباشر في حال اشتعلت الحرب الإقليمية التي حذر الأمريكيون من وقوعها.
تطور الأحداث واتساع رقعة التوتر خارج غزة سينعكس على دور مصر المباشر في الملف الليبي، ومن المحتمل أن يتراجع النفوذ والفعل المصري حال فرض تهجير سكان قطاع غزة إلى داخل حدودها، الذي عدته القاهرة تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري، ما يعني أن التركيز على إدارة الأزمة السياسية في ليبيا سيتراجع لصالح الأولية المصرية في التعامل مع ملف التهجير الذي يسوقه الاحتلال في الأوساط الدولية بشكل صريح.
كما أن الانشغال العالمي عن ليبيا سيعطي مساحات واسعة للأطراف المحلية في المضي قدما نحو حالة أكثر تغولا ومحاولات حثيثة للهيمنة على المشهد من قبل أطراف بعينها كما جرى في غريان حين تسلل رتل سيارات مسلحة يتبع مجموعة قدمت من خارج المدينة للسيطرة عليها ما أدى لاستهدافها من قبل حكومة الوحدة الوطنية بالطيران المسير وإعادة السيطرة عليها من قبل قوات غرفة العمليات التابعة لوزارة الدفاع.
بحسب مصادر مطلعة، فقد كانت الخارجية الأمريكية تتجهز لتنشيط دبلوماسيتها في ليبيا عبر الضغط على القادة السياسيين لتفكيك النزاع القائم وتمرير الانتخابات، غير أن التصعيد الخطِرَ في غزة والانشغال الأمريكي بأزمة المنطقة المشتعلة قد يعطي الفرصة لدور سياسي أكبر لروسيا وحلفائها في البلاد، خصوصا تيار النظام السابق الذي بات زعيمه سيف الإسلام يتجول في الجنوب الليبي بحرية في ظل حالة السيولة الأمنية والعسكرية جنوب غرب البلاد، ما قد يعطي فرصا لتمدد التأثير السياسي للتيار الأخضر في أوساط اجتماعية أوسع تشعر بالمظلومية والقمع من قبل الرجمة.
على جانب آخر، فإن وضعا يتشكل ليوفر فرص نمو التنظيمات الجهادية وحركتها في المساحات الفارغة، وذلك في ظل المجازر والإبادة في غزة والموقف العدائي تجاه الغرب، فهذا الوضع يعد بيئة مناسبة للتأطير والتجنيد والتحرك لمثل هذه الجماعات التي تنشط في مثل هذه الظروف التي تختصر وقتا ومجهودا كبيرا للإقناع في التجنيد وتبني الأفكار، فالعاطفة المتخمة بالكراهية والإحباط والعجز تسد فجوة واسعة من فجوات الإقناع والتأطير الفكري.



