لازال الوجود الروسي في ليبيا يثير قلق الدول الغربية، التي تبدي تحفظها وتعبر عن مخاوفها من الوجود الروسي العسكري، المتعدي للحالة الليبية إلى الساحل والصحراء الإفريقية. ومنذ اشتعال الصراع في البلاد جراء الانقسام السياسي العام 2014، وجدت روسيا موطئ قدم لها بفعل المساحات الفارغة، فتمددت فيها بشكل تدريجي، حتى وصلت إلى مرحلة من النفوذ الميداني، الذي مكنها من الاشتراك في محاولة اقتحام العاصمة طرابلس، دعما لقوات حفتر عام 2019.
التمدد الروسي أسبابه ومحفزاته:
هناك ما يشير إلى تضمين ليبيا للخطة الاستراتيجة الروسية؛ لتعزيز النفوذ وتوسيع مكتسبات موسكو خارج حدودها، ويبدو أن روسيا الاتحادية تسعى للوصول للمياه الدافئة في سواحل البحر الأبيض المتوسط، وهو ما كان الاتحاد السوفييتي يخطط له زمن الحرب الباردة، وقد عرضت روسيا على نظام القذافي الحصول على موطئ قدم على الساحل الليبي دون استجابة، إلا إنها ظلت حليفا له، ومصدرا رئيسيا للسلاح والعتاد والتدريب.
ويعد الوجود في الساحل الإفريقي للبحر المتوسط هدفا استراتيجيا لروسيا، وتعزز هذا المطلب في ظل تحركات حلف شمال الأطلسي نحو شرق أوروبا، والاقتراب من الحدود الروسية، خلافا لما تم الاتفاق عليه فترة تفكيك الاتحاد الروسي، وتأسيس روسيا الحالية، فكان الضغط الغربي الأمريكي الأوروبي أحد الأسباب الرئيسية للحرب الروسية على أوكرانيا. كما أن القيادة الروسية قد أخذت إجراءات أكثر جدية في منتصف العقد الماضي، عبر تعديلات في العقيدة الروسية العسكرية، وتعريف الأعداء والأصدقاء والحلفاء، والتي رأى مراقبون أنها ردة فعل مباشرة، على تمدد حلف الناتو شمال غرب أوروبا.
من أبرز أسباب الوجود الروسي في ليبيا، الاعتقاد الروسي باستفراد أوروبا بالكعكة في ليبيا، بعد تدخل حلف شمال إفريقيا؛ ما عرّض المصالح الروسية في ليبيا إلى خسائر فادحة، خصوصا في قطاع النفط والغاز الذي كانت الشركات الروسية تنظر إليه باهتمام بالغ، كما أن العلاقات الروسية الليبية في مجال الدفاع والتسليح كانت علاقة أساسية منذ سبعينات القرن الماضي، وقد تعرضت لنكسة كبيرة بعد عام 2011.
ويأتي الوجود الروسي في المشهد السياسي الليبي على عدة أوجه، أهمها الوجه الميداني، وهو ما مثّلته قوات شركة فاغنر التي جاء بها حفتر أول عام 2016 ؛لتأمين الحقول النفطية والموانئ بحسب تقارير صحفية، ولكن تنامي الدور الروسي جاء بفعل الإنفاق الإماراتي على شركة فاغنر، حسب تقرير صحف أمريكية، وقد تطور الوجود الروسي في البلاد وتوسعت غاياته بدعم الحليف الجديد، خليفة حفتر، في خطة السيطرة على العاصمة ومن ثم قيادة الدولة، ولا شك أن فاعلية قوات فاغنر كان لها الدور الأبرز في ميدان المعركة، إذ أن عمليات التشويش اللاسلكي، والتخطيط العسكري،والأسلحة الفعالة، كانت محصورة في يدها في هذه الحرب.
كما يأتي الوجود الروسي على شكل سياسي ناعم في ليبيا؛ عبر إعادة تجميع أنصار النظام السابق، وهو ما أكدته تحقيقات صحفية بثتها قناة الجزيرة، بعد انتزاع اعترافات من مواطن روسي، تم القبض عليه من قبل سلطات المنطقة الغربية في ليبيا، وتفريغ مراسلاته وبياناته من الأجهزة التي يحملها، والتي حوت على ما قام به باحث علم الاجتماع ماكسيم شوغالي، العامل في صندوق حماية القيم الروسية، إحدى الأذرع غير الخشنة لشركة فاغنر، وقد تضمنت هذه المراسلات تقييم شوغالي لوضع سيف الإسلام القذافي، ومدى أهليته للحكم في ليبيا، والقدرة على إعادة إحيائه من الناحية السياسية، وأنصار النظام السابق بشكل عام، كما تضمنت أيضا معلومات عن عمليات تمويل وإدارة منصات رقمية وإعلامية؛ بغية التأثير في الرأي العام الليبي.
الموقف الغربي من الوجود الروسي:
شعر الغربيون بالخديعة بعد تنامي الوجود الروسي في ليبيا، خصوصا في شرق وجنوب ليبيا، وقد تمدد هذا الوجود نتيجة للفراغ الذي خلّفه الأمريكان بانسحابهم، وتخفيض اهتمامهم السياسي بالملف الليبي، وتحديدا بعد أحداث القنصلية الأمريكية في بنغازي، ومقتل السفير الأمريكي.
كما أن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانكفائية؛ كانت محفزة لملء المساحة من قبل الروس ليس في ليبيا فحسب، بل في معظم دول الساحل والصحراء، ما عده مراقبون تغييرا جيوسياسيا حيويا في المنطقة وفي مناطق أخرى في العالم. واشنطن أهملت هذه التطورات الكبيرة، واعتمدت على حلفائها الأوروبيين الذين لم يصمدوا أمام المخطط الروسي للتغلغل في أفريقيا، ولقد كانت السنتين الماضيتين شديدة الوطأة على أمريكا وحلفائها، بعد سلسلة الانقلابات التي شهدتها النيجر، وبوركينا، فاسو، ومالي، والتي يبدو أنها تسير في اتجاه المصالح الروسية، فيما تعدها واشنطن والعواصم الأوروبية تهديدا استراتيجيا مباشرا لأمن الطاقة في منطقة الشرق الأوسط، وللنفوذ والمصالح الغربية في القارة الإفريقية.
الموقف الأمريكي مركب ومرتبك في ليبيا، فالسياسة الأمريكية تجاه حفتر يكتنفها غموض، وتدرك واشنطن أن الوجود الروسي مقترن بحفتر اقترانا مباشرا، وأنه الحليف الأبرز لروسيا في ليبيا، إلا أنها لم تتخذ تجاهه موقفا متشددا، بل تعاونت معه في بعض محطات مساره الأمني والعسكري منذ العام 2014م؛ ما دفع مراقبون للقول بأن الأمريكان والروس يتقاطعون في عدة ملفات في ليبيا، منها دعم خليفة حفتر.
ولدى من يرفضون فرضية التفاهمات الأمريكية الروسية، أن لواشنطن أسبابها في التغاضي عن أخطاء حفتر، وهناك ما يشير إلى عدم رغبة الأمريكان في مصادمة حفتر أو إضعافه، باعتباره رقما مهما في المعادلة السياسية الليبية لا يمكن التقليل من وزنه ، الأمر الذي يجعل العلاقة معه أكثر عملية، إذ أن التفاهم معه يعني تحييد المنطقة الشرقية والجنوبية الواقعة تحت سيطرته، ومنع عودة الحالة الثورية بجيوبها الإسلامية التي شكلت تهديدا للأمريكان، ويبدو أن هذه الغايات تبرر للأمريكان عدم معاقبة حفتر على التعان مع الروس، وإطلاق أيديهم وسط وجنوب البلاد، وكل ما تقوم به الإدارة الأمريكية، حسب مصادر مطلعة، هو إقناع حفتر بالتخلي عن العلاقة مع الروس، الذين أعادوا صياغة وجودهم في ليبيا بعد مقتل رئيس شركة فاغنر “يفغيني بريغوجين ” عبر علاقة أكثر رسمية مع حفتر، مثّلها نائب وزير الدفاع الروسي يونس بيك يفكيروف.
السيناريوهات المحتملة:
تحدثت مصادر عديدة عن سعي قوات الأفريكوم في ليبيا لتأهيل قوات عسكرية من المنطقة الغربية؛ لمواجهة القوات الروسية في المنطقة الوسطى والجنوبية وإخراجهم منها، ووقع حديث عن خطة معدة بهذا الخصوص، حتى أن بيانا صدر من مركز البحوث التابع لدار الإفتاء في الغربي الليبي، خلص إلى جواز هذا العمل، ولكن يبدو أن العملية لا تسير بالسلاسة الكافية؛ وذلك يعود إلى خشية الأطراف المحلية من الكلفة الباهظة لمثل هذه الحرب، ذلك أن الأطراف الميدانية في المنطقة الغربية ليست قوات عسكرية مقاتلة، كما أن موقف حكومة الوحدة الوطنية من هذا المقترح لا يزال متحفظا.
من جانب آخر، إن سعي الولايات المتحدة للضغط على حفتر عبر العقوبات، أو دفع أحد أبنائه لتولي زمام الأمور، قد يسبب في تغير نوعي في موقف حفتر من الوجود الروسي، والذي لازال يُنظر إليه على أنه مصدر أمان له، في ظل الوجود التركي في المنطقة الغربية، ما قد يعني أن إخراج الروس من قبله سيخل بالتوازن الميداني، بين قواته وخصومه في المنطقة الغربية.
البديل الآخر هو أن يحجّم الأمريكان دور الروس في ليبيا في المنطقة الوسطى والجنوبية فحسب، دون حرب، بل عبر العقوبات أو التفاهم السياسي والصفقات الميدانية، خصوصا في ظل الحرب الروسية الأوكرانية المشتعلة، وهو سيناريو مرجوح بالنظر إلى التصعيد والتحفز الأمريكي لإخراج الروس من البلاد، عبر دعم قوات محلية دعما لوجستيا واستخباريا؛ لتحقيق التقدم الميداني المطلوب، كما سبقت الإشارة.
البعض أشار إلى احتمال أن يدفع الأمريكان الأتراك إلى تحقيق توازن جديد مع الروس في ليبيا، عبر الضغط الميداني من جانب، والتفاوض السياسي من جانب آخر، إلا أن هذا الاحتمال حتى الآن يبدو غير قوي؛ بسبب الارتياح التركي لوضعهم السياسي والميداني في ليبيا، ولأن أنقرة تركز على مد جسور التواصل وتحسين العلاقات مع الجبهة الشرقية بجسميها الأساسيين، مجلس النواب والقيادة العامة منذ فترة، ومحاولات الأتراك لتحقيق اختراق في الجبهة الشرقية لم تتوقف؛ وذلك لتركز مصالحها الحيوية في غاز ونفط شرق المتوسط مع سلطات الشرق الليبي، ما يعني أن الخسائر التركية ستكون فادحة في حال أي تحرك من هذا النوع.
عليه فإن الوضع في ليبيا فيما يتعلق بالتدافع بين الأمريكان والأوروبيين من جهة، والروس من جهة أخرى، في المدى القريب مرشح للمراوحة، والتدافع الفعلي ربما سيكون سياسيا وليس عسكريا، وأي تطورات تأخذ منحى العنف قد تكون في مناطق أخرى ليست ليبيا على رأس القائمة فيها، لكنها ستتأثر في حال التصعيد والدخول في مرحلة جديدة في الصراع في أفريقيا.



