Skip to main content

مقدمة

عقد رؤساء مجموعة العمل المعنية بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، التابعة للجنة المتابعة الدولية المعنية بليبيا، ضمن عملية (برلين) وهم: (بعثة الأمم المتحدة للدعم بليبيا، هولندا، سويسرا) اجتماعاً مع محكمة الجنايات الدولية، ثم أصدرت المجموعة بياناً بتاريخ 7/3/2025 بعنوان: (المحاسبة على الجرائم ضرورة لتحقيق العدالة والسلام الدائم في ليبيا).

بعثة الدعم لليبيا عضو بمجموعة العمل الدولية، المعنية بالقانون الدولي وحقوق الإنسان في ليبيا، التي أصدرت بيانها الداعم لمحكمة الجنايات الدولية، والبعثة مفوّضة بقرارات صادرة عن مجلس الأمن لدعم ليبيا للتغلب على أزماتها الحالية؛ بهدف وصولها للاستقرار والسلام الدائم؛ لذا البعثة أثناء تيسٌيرها لحوارات السياسية لا يمكنها دعم مخرجات سياسية أو قانونية،  مثل: قوانين الانتخابات تصادم القانون الدولي الإنساني، و قرارات محكمة الجنايات الدولية؛ لذا توجب تحديد مراد مجموعة العمل الدولية من بيانها، و هل أطلقته للاستدراك على ما وقع بخصوص ملف العدالة و المصالحة الوطنية، وهل له آثار على العملية السياسية عامةً، ومقترحات اللجنة الاستشارية خاصة، مع التذكير بأن اللجنة الاستشارية الوليدة حديثاً تحصلت على تأييد دولي. بيان مجموعة العمل الدولية  قام على ركيزتين:

أ) دعم كامل لمحكمة الجنايات وتثمين جهودها.

ب) تأكيد التزامهم (بحقوق الإنسان والعدالة والمحاسبة، وفق القانون الدولي كأساس لتحقيق المصالحة وسلام دائم؛ لينتقل البيان إلى تحديد المطالب التالية: 

1) تحقيق العدالة، يجب أن يظل نزيهاً وخالٍ من التدخلات السياسية.

2) عدم الإفلات من العقاب، يجب أن لا يكون خياراً مطروحاً، بما في ذلك تنفيذ أوامر الاعتقال.

3) التحقيق في الجرائم المرتكبة في ليبيا ومقاضاة مرتكبيها.

4)  العدالة للضحايا وضمان وصول المحققين لهم، من صميم المرحلة الانتقالية.

5) حث جميع الأعضاء في الأمم المتحدة على التعاون مع محكمة الجنايات الدولية.

6) تعزيز الأطر القانونية المحلية للمحاسبة.

ليختم البيان بتأكيد أن المحاسبة على الجرائم السابقة، أساسية لبناء السلام بليبيا، وليست عائقا أمام سعي الليبيين لتحقيق المصالحة الوطنية و (الحكم الديمقراطي).

الدلالات القانونية والسياسية لبيان مجموعة العمل الدولية

يعتقد كثيرون أن  ملف المصالحة سيّسته أطراف الصراع الليبي بالرغم من أن اتفاق الصخيرات نظّم كيفية تناوله، و قد أسند الحوار السياسي الليبي (تونس-جنيف) ملف المصالحة حصراً للمجلس الرئاسي، إلا أن البرلمان شكل لجنة مصالحة موازية للمجلس الرئاسي، و سبق له إصدار قانون عفو، و يعكف على إصدار قانونٍ للمصالحة، والقيادة العامة من جهتها كلّفت أحد أبناء قائدها بملف المصالحة.

دولياً لم تحرز وثيقة الاتحاد الإفريقي الموقّع عليها بأديس أبابا تقدماً لتحقيق العدالة وصولاً للمصالحة، بل اعتبرها البعض وثيقة مصالحة سياسية منحازة لأنصار النظام السابق، حين طالبت بإطلاق سراح السجناء الماثلين أمام القضاء الليبي. والظاهر أن مطالب مجموعة العمل الدولية  تصادم أطراف النزاع الليبي، و وثيقة أديس أبابا من حيث تشديدهم على ضرورة إنصاف الضحايا، و وقف حلقة الإفلات من العقاب، و تنفيذ أوامر القبض على المطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية  لمحاكمتهم، و هذا التصادم واقعيا يعني أن مجموعة العمل الدولية، عندما طالبت بمنع التدخلات السياسية بالعدالة و المصالحة، تدعم محكمة الجنايات الدولية بملاحقة الجناة، و هذا ما اعتبره البعض رسالة سياسية في إطار قانوني، مفادها أن الملكية الليبية للعملية السياسية لا ينبغي أن تصون حقوق الإنسان، وتحترم القانون الدولي الإنساني، وقرارات محكمة الجنايات.

مقاربة البعثة للعملية السياسية والتفويض الأممي لمحكمة الجنايات الدولية 

  فوض مجلس الأمن محكمة الجنايات الدولية بموجب قرار  1970 ، بالملاحقة القانونية لمن ارتكبوا جرائم تدخل في نطاق اختصاصها، مع ملاحظة عدم ملاحقتها لمن قاموا بجرائم قبل تاريخ تأسيسها النهائي يوليو 2002 ، بتصويت الأمم المتحدة على ميثاق روما الصادر شهر يوليو 1998؛ لذلك أصدر مدعي عام محكمة الجنايات، بعد تحقيقات التي أجراها، أوامر القبض بحق أفراد بارزين في النظام السابق، عن جرائم ارتكبت إبان قمع ثورة فبراير، و أوامر قبض بحق أفراد محسوبين على ثورة فبراير بالمنطقة الغربية، اعتبرتهم محكمة الجنايات منتهكين لحقوق الإنسان، وكذلك قادة بعملية الكرامة العسكرية؛ لارتكابهم جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية.

 مسار القضاء الدولي كان يوازيه مسار سياسي برعاية البعثة الأممية؛ هدفه إنهاء المراحل الانتقالية عن طريق إجراء الانتخابات العامة، غير أن الأجسام المختصة عجزت عن إصدار التشريعات اللازمة لإجراء الانتخابات، بل أصبحت مداولات صياغة القوانين الانتخابية، و بالأخص قوانين الانتخابات الرئاسية، أداة صراع بين الأطراف السياسية والتشريعية لإقصاء الخصوم، وضمان ترشح أشخاص بعينهم؛ مما أثر بشكل سلبي على مضامين ما تم إصداره من قوانين انتخابية ما بين عامي (2021 / 2024 ) حتى وصفها مختصون بالركاكة وافتقادها لمعايير ومتطلبات القوانين الانتخابية للمراحل الانتقالية، بالإضافة لعدم احتوائها الاشتراطات الضرورية، التي تتوافق والقانون الدولي الإنساني، وقرارات محكمة الجنايات الدولية، فعلى سبيل المثال تمكّن سيف الإسلام القذافي، المطلوب تسليمه لمحكمة الجنايات الدولية من الترشح للانتخابات الرئاسية، وفق القانون ر 1 لسنة 2021 الصادر بتاريخ 8 سبتمبر 2021 ، الأمر الذي أزعج بعض المنظمات الدولية، في مقدمتها الاتحاد الأوروبي، أهم داعم لمحكمة الجنايات الدولية. وبالرغم من فشل تنفيذ انتخابات 24 ديسمبر 2021، استمرت معارضة بعض القوى السياسية والمدنية، محاولات إصدار قوانين الانتخابات الرئاسية طيلة الأربع سنوات الماضية، متحججين بأنها تسمح لمنتهكي حقوق الإنسان، ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية بالترشح لرئاسة الدولة؛ مما أطال من حالة الجمود السياسي، الأمر الذي دعا البعثة إلى الإعلان عن تشكيل لجنة استشارية لحلحة مختنقات الأزمة الليبية عامة، وأزمة القوانين الانتخابية خاصة، ولموائمة الملكية الليبية للحل ومتطلبات قرارات مجلس الأمن، التي من بينها قرار تفويض الجنايات الدولية. 

تأثير بيان مجموعة العمل الدولية على مخرجات اللجنة الاستشارية

باشرت اللجنة الاستشارية أعمالها، بعد الإعلان عن تشكيلها بعقدها لثلاثة اجتماعات، قبل صدور بيان مجموعة العمل الدولية ، أما الاجتماع الرابع، الذي انعقد ببنغازي بتاريخ 9 مارس  أي بعد يومين من إصدار مجموعة العمل الدولية بيانها، ومع شح المعلومات حول ما دار في الاجتماع الذي يسرته البعثة، إلا أنه وبحسب ما نشرته على صفحتها الرسمية، أن الاجتماع خُصص لمناقشة القوانين الانتخابية مع لجنة 6+6 ؛ بهدف تقديم توصيات و مقترحات سليمة قابلة للتطبيق، تعالج بشكل فعٌال كافة العقبات التي تعيق إجراء الانتخابات .

من المرجح أن البعثة بحثت مع اللجنة الاستشارية ولجنة 6+6 ، مسألة منع تعارض مخرجات اللجنة الاستشارية مع قرارات محكمة الجنايات الدولية، وهذا يتطلب اطلاعهم على ركائز و متطلبات بيان مجموعة العمل الدولية،  المتعلقة بتحقيق العدالة في المرحلة الانتقالية، و بصونها عن التدخلات السياسية، و إنهاء استمرار إفلات مرتكبي الجرائم  من العقاب بمقاضاتهم محلياً أو دولياً، حتى لا تُكرر اللجنة الاستشارية مسألة ترشح مطلوبين لمحكمة الجنايات الدولية.

جهات مطلعة توقعت أن يقوم أعضاء من لجنة 6+6 واللجنة الاستشارية اختزال بيان مجموعة العمل الدولية في فشل السلطات الإيطالية تسليم مسؤول أمني من المنطقة الغربية للجنايات الدولية، وحتى في حال التسليم بهذا الافتراض، فإن البعثة ومن منطلق دعمها لقرارات الجنايات الدولية والحفاظ على عدم تضارب قرارات مجلس الأمن قد تطالب اللجنة الاستشارية، في حال اعتمدت الانتخابات الرئاسية، أن يتضمن مقترحها المتعلق بشروط الترشح للانتخابات الرئاسية شرط أن لا يكون المترشح مطلوب للجنايات الدولية.

ختاماً

البعثة بمشاركتها بإصدار البيان مارست نوع من الضغط على البرلمان، و أغلب أعضاء مجلس الدولة، الذين عبروا عن معارضتهم تشكيل لجنة استشارية ، فلم يصدر عنهم أي رد فعل لا إيجابي و لا سلبي تجاه البيان، عليه ليس من المستبعد أن تحث البعثة اللجنة الاستشارية على ضرورة تقديم مقترحات لا تتعارض مع قرارات مجلس الأمن، التي منها قرار تفوٌيض الجنايات الدولية، و لا تستعدي بها أحد أطراف الأزمة الليبية، و تسعى من خلالها لبناء توافق دولي ينهي الأزمة الليبية.

البعثة لكي تظهر أنها حققت تقدم قد تدفع باتجاه أن تتضمن مقترحات اللجنة الاستشارية المتعلقة بقانون الانتخابات الرئاسية ما يفضي إلى إقصاء سيف الإسلام عن الترشح باعتباره الطرف الأضعف عسكرياً وسياسياً ومطلوب للجنايات الدولية. وقد يترأى للبعثة أنها بإقصاء سيف القذافي  ترفع الحرج عن اللجنة الاستشارية في حال عجزت عن إزالة كافة الموانع القانونية والفنية التي تعيق إجراء الانتخابات الرئاسية، لأن البعثة انطلاقاً من ما أعلنته عن عدم إلزامية مقترحات الاستشارية ستقوم بعرض  تلك المقترحات على كافة الاطراف المعنية بالازمة الليبية بغية الوصول إلى توافقات محلية ودولية لإنجاح الانتخابات الرئاسية أو فصلها عن  الانتخابات التشريعية.