دخل النظام السابق في عدة مواجهات مباشرة وغير مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية خلال عقد الثمانينات، حيث كان “العنف الثوري” في أوجه، فقد شكَّل النظام، حينها، فرقاً للتصفية والاغتيالات التي جالت العالم، بهدف القضاء على المعارضين الليبيين، ودخل في مواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين أخذت سبلا عديدة منها دعم الحركات التي تعدها تلك الأنظمة انفصالية.
في مرحلة متقدمة تحول التراشق إلى مواجهات مباشرة منها إغراق الولايات المتحدة الأمريكية زورقا تابعا لخفر السواحل الليبي قبالة خليج سرت في شهر أبريل من عام 1986، تبع ذلك تفجير في ملهى ليلي في برلين يرتاده الجنود الأمريكان حيث قُتِل اثنان منهم وجُرِح نحو 230 شخصاً، بينهم 79 جندياً أمريكياً.
اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية ليبيا بالضلوع في هذا التفجير، لتغير بعد الحادث بعشرة على مدينتي طرابلس وبنغازي، حيث سقط ما بين 15 إلى 30 شخصاً قتلى، وكان مقر إقامة القذافي بين الأهداف التي قُصفت مباشرة.
تطورات القضية
بعد مرور سنتين على الغارة الأمريكية على ليبيا، وبالتحديد في 21 ديسمبر 1988، انفجرت طائرة الركَّاب الأمريكية، رحلة رقم 103 التابعة للخطوط الجوية PAN AM، فوق قرية لوكربي الأسكتلندية لتودي بحياة 270 شخصاً. وبعد التحقيقات أصدر المكتب الفيدرالي الأمريكي FBI أوامر بالقبض على اثنين من المواطنين الليبيين.
رفض نظام القذافي التهم الموجهة إليه وامتنع عن تسليم المتهمين للسلطات الأمريكية. استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية نفوذها وعلاقاتها الدولية لإصدار قرار من مجلس الأمن سنة 1991 يفرض حصاراً جوياً وبحرياً على ليبيا، كما مُنع عليها تطوير القطاعات الحيوية في البلاد مثل قطاع النفط والطيران. وبعد نحو 8 سنوات قبلت الولايات المتحدة الأمريكية شرط النظام الليبي بتسليم المتهمين لبلد ثالث تتمُّ فيه المحاكمة، لتأتي الأحكام في 31 يناير 2001 بإدانة أحد المتهمين وتبرئة الآخر.
رفض النظام الإقرار بتورطه في التفجير، لكنه قبل بالمسؤولية القانونية، وعبر تسوية أبرمت مع الحكومة الأمريكية في 2008 دفعت الخزانة الليبية 2.3 مليار دولار كتعويضات لأسر الضحايا، وينص الاتفاق على إغلاق ملف القضية تماما.
في حوار لشبكة الـBBC عام 2021 فاجأت وزيرة الخارجية الليبية، نجلاء المنقوش، المشاهدين بقولها: إن الحكومة الليبية مستعدة للتعاون مع الجانب الأمريكي في ملاحقة المتورطين في حادثة طائرة الركاب 103 PAN AM مُثيرةً موجة عارمة من الاستياء والغضب الشعبي والرسمي؛ ما دفع المجلس الرئاسي لاستدعائها بغية التحقيق وإيقافها مؤقتا عن ممارسة مهامها.
استطاعت الحكومة الليبية امتصاص الغضب واعُتبر أنه خطأ من جانب الوزيرة في حينه، غير أن المفاجأة كانت في 12 ديسمبر 2022 عندما صدر بيان عن وزير الخارجية الأمريكي يعلن فيه مثولَ ضابط المخابرات الليبي أبوعجيلة المريمي أمام المحاكم الأمريكية لضلوعه في التفجير الذي أودى بحياة 270 شخصاً في العام 1988، بحسب نص البيان.
أثار هذا الخبر موجة شديدة من الغضب الشعبي والرسمي داخل ليبيا، وتعددت المطالبات للحكومة بالكشف عن ملابسات الأمر، ليظهر بعدها بأيام عبد الحميد الدبيبة معلناً أمام الملأ قيام حكومته بتسليم ضابط المخابرات السابق للسلطات الأمريكية، معلِّلاً ذلك بأنَّ أبوعجيلة متهم بضلوعه في إعداد القنبلة التي أدَّت إلى انفجار الطائرة الأمريكية PAN AM 103 حسب اعترافاته في تحقيقاتٍ سابقةٍ.
السيناريوهات المحتملة
فتحت قضية تسليم ضابط المخابرات السابق للسلطات الأمريكية باب التكهنات على مصراعيه أمام عدد من السيناريوهات المحتملة لتداعيات هذه الخطوة ومآلاتها التي أقدمت عليها حكومة الوحدة الوطنية، كما يلي:
- تجاوز الحكومة لموجة الغضب واستمرارها في أداء عملها بدون عوائق تذكر، ويستند هذا الطرح إلى:
- دأْبُ رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة على تجاوز المشاكل التي تواجه حكومته بالتعاطي المباشر مع المخالفين، واستمالتهم بالوسائل المتاحة.
- لذلك، من غير المتوقع أن يرقى السخط الشعبي والرسمي -الذي ظهر عندما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية مثول (أبوعجيلة المريمي) أمام محاكمها- إلى خطر يهدد بقاء الحكومة.
- وبالرغم من اعتراض مجلسي الدولة والنواب على هذا التسليم، إلا أن هذا الاعتراض يأتي في سياق المناكفة السياسية وليس من باب الاعتراض المبدئي.
- أعلن الجانب الأمريكي أنَّ العملية تمَّت بالتنسيق مع الجانب الليبي وعلمه بذلك، وهذا ما أكده رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة في لقاء متلفز.
عوائق حدوث هذا السيناريو: لا توجد أي عوائق حقيقية لأن رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة لن يتوانى عن استمالة خصومه، ومن غير المتوقع أن يقف أي طرف ليبي في حالة مواجهة مع الإرادة الأمريكية خصوصا مع حالة الضعف المحلي والسياسي الليبي، كما يظهر أن موجة السخط تتراجع تدريجيا.
2.اعتراف (أبوعجيلة المريمي) بالتورُّط في تفجير طائرة الركَّاب الأمريكية PAN AM 103 ومطالبة الحكومة الأمريكية بتسليم المتورطين في التفجير وعلى رأسهم عبد الله السنوسي. ويستند هذا الطرح إلى:
- أنَّ إستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية في التحقيقات هي الضغط على الحلقة الأضعف في السلسلة، وذلك للوصول إلى الرأس المدبِّر، والتلويح بالعفو أو تخفيف العقوبة في حال التعاون والاعتراف، لذلك لن يجد أبوعجيلة مفرًّا من الاعتراف بالحقيقة.
- عبد الله السنوسي هو عديل معمر القذافي وصندوقه الأسود ورئيس الاستخبارات العسكرية، وتتهمه أطراف عدة بتورُّطه في أعمال عنف مثل مذبحة سجن بوسليم الذي ذهب ضحيتها أكثر من 1200 شخص، وقد خضع لمحاكمة لم تنته إلى تبرئته، فالحكم الصادر استند على حجة تقادم القضية وليس براءة المتهمين، ويبدو أن الحكومة الأمريكية طالبت بتسليمه وأُعدّ نقلُه للولايات المتحدة، فيما تراجعت حكومة الوحدة الوطنية بعد زيادة الضغط داخليا.
- أيضا، من خلال التجارب السابقة والمواقف المتكرِّرة، نهجت الولايات المتحدة الأمريكية في تتبع الأشخاص أو الكيانات التي خطَّطت أو شاركت في الاعتداء على المصالح الأمريكية أو المواطنين الأمريكان، منها خطف ثلاثة مواطنين ليبيين، هم نزيه الرقيعي المعروف بأبي أنس الليبي الذي قُبض عليه في أكتوبر 2013، بتهمة الضلوع في تفجير سفارتي الولايات المتحدة الأمريكية في كينيا وتنزانيا، وأحمد بوختالة، آمر كتيبة (أبو عبيدة بن الجراح) في بنغازي الذي قُبض عليه في 18 / 6 / 2014 من قِبَل القوات الخاصة الأمريكية بتهمة التورط في مقتل السفير الأمريكي و3 أشخاص آخرين في 2012م، ومصطفى الإمام، الذي قُبض عليه سنة 2017 في مدينة مصراتة بتهمة المشاركة في الهجوم على القنصلية الأمريكية في بنغازي في 2012م.
- أوردت صحيفة الجارديان البريطانية خبراً مفاده أنَّ عملية تسليم عبد الله السنوسي ألغيت في الساعات الأخيرة بعد ظهور خبر تسليم (أبوعجيلة المريمي) في الإعلام الأمريكي والعالمي، ويبدو أن السبب هو خشية حكومة الوحدة الوطنية من ردود الأفعال.
- محاولة حكومة الوحدة الوطنية التسويق لنفسها بأنها حكومة يمكن للولايات المتحدة الأمريكية الاعتماد عليها في محاربة الإرهاب، ممَّا قد يطيل فترة بقائها في الحكم ومنحها فرصة أخرى من خلال جولات الحوار القادمة لتكون خيار واشنطن المفضل.
- زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لليبيا بتاريخ 13 يناير 2023م، بعد أقل من شهر على تسليم (أبوعجيلة المريمي) في زيارة هي الأولى من نوعها منذ عقود لمسؤول أمني رفيع، إذ من المحتمل أن يكون ملف التحقيقات ضمنَ أجندة زيارته.
عوائق حدوث هذا السيناريو:
- حسابات عديدة دفعت حكومة الدبيبة بعيدا عن التورُّط في تسليم عبد الله السنوسي للولايات المتحدة الأمريكية، لما في ذلك من خطورة قد تقود إلى تفجّر الأوضاع في الجنوب.
- هذا لن يمنع الولايات المتحدة الأمريكية من الوصول إلى الليبيين المتورِّطين في أي أعمال إرهابية تمسُّ أمريكا وأمنها ومواطنيها بطرقها الخاصة!.
3.براءة (أبوعجيلة) من التهم المنسوبة إليه أو موته في السجن وإغلاق ملف الملاحقات لعدم كفاية الأدلة، ويستند هذا الطرح إلى:
- اعترافات أبوعجيلة بأنه ضالع في التفجير من خلال تصنيع القنبلة لم تكن في ظروف ملائمة أو مناسبة، لذلك سيكون من السهل إنكارها من قبل المتهم، لا سيّما إن كانت تحت الإكراه.
- المحكمة الأمريكية ستعيد التحقيق مرَّة أخرى مع (أبوعجيلة)، وله الحق في إنكار أي تهمة دون دليل لا سيما أنَّ المتهم الرئيس، عبد الباسط المقرحي، قد مات في 2012م.
عوائق حدوث هذا السيناريو:
- أبوعجيلة بلغ من العمر 80 عاماً وصحته لا تسمح له بالمكوث في السجن لسنوات ومواجهة حكم بالإعدام، لذلك من المرجح أنه سيدخل صفقةً مع الحكومة الأمريكية مفادها الاعتراف الكامل بجميع ما يعرفه عن تفجير طائرة الركَّاب الأمريكية PAN AM 103، وبالأشخاص المتورطين.
4.تورُّط الدولة الليبية في قضايا جديدة بسبب اعترافات ضابط المخابرات أبوعجيلة، ويستند هذا الطرح إلى:
- خلال فترة حكمه الممتدة لأكثر من أربعين سنة، قام القذافي بعشرات الجرائم داخل وخارج ليبيا. فقد صُنِّفت ليبيا كدولة راعية ومصدِّرة للإرهاب، بسبب ضلوعها في تمويل عدد من العمليات الإرهابية أو تنفيذها عبر منظمات فلسطينية، أو إيرلندية، أو إفريقية، أو جنوب أمريكية، أو عناصر المخابرات الليبية، من هذه العمليات الخارجية على سبيل المثال لا الحصر:
- اغتيال محمد سعيد رمضان المذيع بإذاعة لندن BBC بعد خروجه من صلاة الجمعة وغيره من المعارضين الليبيين في أوروبا وأمريكا.
- الاشتراك مع مجموعات فلسطينية في عمليات إطلاق نار أسفرت عن مقتل 20 شخصا في مطاري روما وفيينا.
- دعم الجيش الجمهوري الإيرلندي وغيره من الحركات الانفصالية بالسلاح وفتح معسكرات تدريب لهم على الأراضي الليبية.
- التورُّط في محاولة اغتيال ولي العهد السعودي في حينها الملك عبد الله آل سعود.
- التورُّط في تفجير ملهى ليلي في برلين يرتاده الجنود الأمريكيون.
عوائق حدوث هذا السيناريو:
- فتحت ليبيا صفحة جديدة مع العالم بعد ثورة 17 فبراير، إذ فَتحُ باب الملاحقات ضد الدولة الليبية سيعيق هذا التحُّول الواعد.
- بناءً على ما سبق ذكره فإنَّ الأقرب إلى التحقُّق هو تحميل المسؤولية للأشخاص المتورطين وليس للدولة الليبية الجديدة، غير أنَّ الدولة الليبية سيكون عليها مسؤولية تسليم المتورِّطين للعدالة.
السيناريو الأرجح
بعد عرض للسيناريوهات الأربعة أعلاه، فمن المرجح أن يعترف أبوعجيلة المريمي بالتورُّط في تفجير طائرة الركَّاب الأمريكية PAN AM 103 ومطالبة الحكومة الأمريكية بتسليم آخرين بتهمة التخطيط والتدبير للتفجير وعلى رأسهم عبد الله السنوسي (السيناريو 2) لأنه كما سبق وذُكر بأنَّ الولايات المتحدة الأمريكية لن تتوانى عن ملاحقة أي شخص أو كيان تورَّط في أعمال إرهابية ضد المصالح الأمريكية أو الرعايا الأمريكان، طال الزمن أم قصر، وقد رأينا ذلك في كثير من المواطن سواء في ليبيا أم غيرها من البلاد. فالولايات المتحدة الأمريكية لا تنتظر الإذن لجلب من تتهمهم بالإرهاب، سواء أكانت الطريقة عبر القنوات الرسمية أم غير الرسمية أم عبر عمليات خاصة سريَّة أو علانية.
توصيات
سيكون من الضروري تفعيل القضاء الليبي ومحاكمة المتهمين من الليبيين في ارتكاب جرائم ضدّ الشعب الليبي أو ضدّ غيره من الشعوب أو البلدان، والقصاص حال ثبوت إدانتهم، وذلك حسبما ينصُّ عليه قانون العقوبات الليبي.
الغرض من هذه التوصية: هو تجنيب الدولة الليبية الوقوعَ في الإحراج أو وقوعها تحت الضغط الشعبي الذي قد يتسبَّب في خلق فوضى أو انقسام داخلي، البلاد في غنى عنه. فمن الضروري التفكير الجديّ في هذا الخيار لأنَّ -كما ذُكر سابقاً- الولايات المتحدة الأمريكية لن تتوانى عن ملاحقة أي شخص أو جهة تتهمها بالإرهاب، والأمثلة والشواهد كثيرة، وفي متناول الأيدي والأبصار.



