Skip to main content

مع الجمود السياسي الذي تشهده البلاد منذ إعلان خطة عبد الله باتيلي وتشكيل لجنة 6+6، باتت الأوضاع الميدانية هي الحدث الأبرز الذي أعاد ليبيا إلى دائرة الاهتمام الدولي، خصوصا التقارير التي تفيد بتورط الجنرال حفتر في السودان والنشاطات التي يبدو أنه يقوم بها نيابةً عن أطراف مركزية إقليمية ودولية. غالب الإشارات تتوجه لروسيا وقوات شركة فاغنر بالتحديد، وهو ما يدفع الأطراف والقوى الغربية إلى توجيه حفتر وإيصال الرسائل المباشرة له عبر مستويات سياسية عُليا.

يعد الانعكاس الإقليمي على الوضع السياسي والميداني في البلاد سمة أساسية من سمات المشهد الليبي عقب التدخل الروسي المباشر عبر شركة فاغنر الأمنية التي لا يبدو أنها استطاعت أن تحافظ على صورتها كشركة أمنية تقوم بأعمال أمنية لقاء مقابل مادي، بل إن الحرب الروسية الأوكرانية أكدت كونَ الشركة تتمع بصلاحيات سياسية وعسكرية واسعة تبدأ من إدارتها المعارك وجبهات القتال في أوكرانيا وتنتهي إلى صلاحياتها في تجنيد السجناء الروس ذوي الأحكام الثقيلة عبر استصدار العفو عنهم مقابل القتال في صفوفها.

زيارة حفتر لإيطاليا

زار القائد العام للجيش التابع لمجلس النواب، خليفة حفتر، إيطاليا ليتباحث مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ملف الهجرة غير النظامية، وقد التقى حفتر أيضا بوزير الخارجية ووزير الداخلية ووزير الدفاع بالحكومة الإيطالية. ونقلت وكالة الأنباء الإيطالية “آكي” عن مصادر برئاسة الوزراء قولها “إن لقاء ميلوني مع حفتر كان فرصة لتبادل الآراء حول قضايا أساسية ذات اهتمام مشترك بما في ذلك النمو غير المسبوق لظاهرة الهجرة عبر مياه البحر المتوسط نحو إيطاليا”.

وبالنظر إلى الإحصائيات التي تناقلتها مصادر إخبارية نقلا عن الخارجية الإيطالية، فإن العام 2023م شهد قفزة كبيرة في أعداد المهاجرين غير النظاميين بنسبة كبيرة اقتربت من 70% عن العام 2022م، وكان نصيب المنطقة الشرقية بليبيا، حيث يسيطر حفتر، كبيرا بشكل لافت، الأمر الذي أثار انزعاج الحكومة الإيطالية التي تبين لها أن الزيادة غير المبررة وغير المفهومة في ارتفاع المهاجرين الأفارقة القادمين من السواحل الشرقية لليبيا هو عمل خططت له قوات فاغنر إلى درجة وصف وزير الدفاع الإيطالي ما قامت به فاغنر بـ”الحرب على إيطاليا”، لهذا استُدعي حفتر، ولهذا نُوقش ملف فاغنر معه.
ووفق الوكالة الإيطالية، ذكرت المصادر أن “اللقاء كان لتأكيد الدعم الإيطالي لعمل الأمم المتحدة لدى ليبيا في إعادة تنشيط العملية السياسية التي تهدف إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مع نهاية 2023”.

تمثل إيطاليا بالنسبة للولايات المتحدة الحليف الأوروبي الأقرب في ليبيا، إذ تلتقي المصالح الأمريكية والإيطالية في نقطتين رئيستين هما تدفق الطاقة تدفقا منتظما إلى أوروبا، إذ تمثل إيطاليا المستورد الأول للغاز والنفط الليبي، وضرورة الاستقرار لكبح جماح الهجرة غير الشرعية بالنسبة لإيطاليا ومكافحة الإرهاب بالنسبة للولايات المتحدة.

كما أن الموقف من الحضور الروسي يمثل نقطة لقاء مركزية بين سياسية البلدين تجاه ليبيا، فقد عجزت الولايات المتحدة في عدة مناسبات من إقناع روسيا وألمانيا بخطها المتحفظ تجاه الحضور الروسي والتمدد الذي كانت فرنسا متسببا غير مباشر فيه.

من الجيد الإشارة إلى أن تسريبات تحدثت عن لقاء جمع حفتر بمسؤولين أمريكيين كبار، وهو ما يمكن أن يكون أهم حدث في الزيارة التي لا تبدو مجدولة أو معلومة مسبقا لدى الأطراف السياسية، بل يمكن اعتبارها قد جاءت بناء على التطورات الميدانية في المنطقة خصوصا السودان وعدم القدرة الأمريكية حتى الآن على إقناع الأطراف الميدانية الليبية لمواجهة فاغنر وإخراجها من ليبيا.

لماذا حفتر؟

يمكن النظر إلى زيارة حفتر لإيطاليا من زاويتين اثنين، إحداها كون حفتر قد أصبح طرفا مزعجا للرغبات والتوجهات الغربية في المنطقة بعلاقة غير مفضلة مع قوات فاغنر التي باتت تستخدم حضورها في ليبيا كنقطة حركة وانطلاق رئيسة في دول الساحل والصحراء، وهو ما يدعو الأطراف الغربية المنشغلة بالحرب الروسية على أوكرانيا إلى أن تنظر إليه كمشكلة. إلا أن حفتر من زاوية أخرى هو الطرف المفضل للتعامل من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين إذ إنه يمثل نموذجا عمليا ومريحا بالنسبة للغربيين الراغبين في ضمان مصالحهم في ليبيا عبر بوابة التفاهم مع رجل واحد يحكم بالعصا الغليظة بعيدا عن التشظي والرؤوس الكثيرة والمؤسسات المفتتة في باقي البلاد.

لقد رد وزير الدفاع الإيطالي على دعوة حفتر الذي يدور حوله جدل كبير حتى في الأوساط السياسية الإيطالية باعتباره الأقوى في المنطقة الشرقية، وهذا كافٍ بالنسبة لروما التي تشعر بالتهديد لازدياد أعداد المهاجرين من هناك وتورط فاغنر، حلفاء حفتر، في الملف.

يمكن ملاحظة أن المسار الأمريكي في ليبيا وخطته في إخراج روسيا يعتمد اعتمادا أساسيا على استمالة حفتر وإقناعه بترك الجانب الروسي ومحاولة ضمان حضوره  في الانتخابات القادمة دون إقصاء، وهو ما صرح به المبعوث الأمريكي الخاص ريتشارد نورلاند في أكثر من مناسبة بأن الانتخابات يجب أن تضمن عدم إقصاء أي طرف من العملية السياسية.

تنظر الولايات المتحدة إلى الجنرال حفتر باعتباره شريكا ويتحدث المسؤولون الأمريكان عن الدور الذي لعبه حفتر في بنغازي بشكل من الإشادة والاحتفاء باعتباره “حربا على الإرهاب”، إلا أن المسارات التي يمضي فيها حفتر اليوم سواء في ليبيا أو السودان يمكن اعتبارها مجابهة مباشرة للتوجه الأمريكي ورؤيته للمنطقة.

وكما تحمل الزيارة الحديث عن الهجرة ومشكلاتها ومتابعة العملية السياسية؛ تحمل كذلك -في طياتها- رسائل واضحة نحو حفتر لكبح جماحه وتخفيف شدة ارتباطه بفاغنر.

الوضع الدولي في ظل تعثر الإجراءات والاستعدادات للانتخابات

لا يزال الحديث عن الانتخابات وإجرائها هذا العام مستمرا من الأطراف الدولية المهتمة بالشأن الليبي رغم خفوت هذا الصوت هذه الأيام، كما أن نشاط لجنة 6+6 بدا غير مجدٍ. وقد أعلنت البعثة الأممية في أكثر من مناسبة أن تجاوز المجلسين خيار مطروح في حال استمرار حلقة التعطيل التي يقودها رئيسا المجلسين اللذان زارا القاهرة وأكدت تسريبات سعيهما لتشكيل حكومة جديدة رغم التحفظ الدولي على هذا المسار.

الطرف الدولي الأبرز الداعم للانتخابات -وهي الولايات المتحدة- بات ينظر بترقب لنتائج لجنة 6+6، وهو المسار الذي يطلق عليه مراقبون مسار الفرصة الأخيرة للمجلسين، الذي سيتبعه حال فشله قيام اللجنة التابعة للبعثة التي أعلن عنها عبدالله باتيلي في إحاطته أمام مجلس الأمن، وهو ما تقف الولايات المتحدة وراءه وقوفا مباشرا، إذ إن مبررات إجراء الانتخابات بالنسبة للأمريكان ترتكز على إيجاد طبقة سياسية جديدة منفصلة الارتباطات الخارجية، ما يسهل عملية التعامل السياسي معها مقارنة بالنخبة السياسية الحالية التي بات كل رأس مؤسسة فيها يمثل توجه دولة متدخلة في الشأن الليبي بحسب التوصيف الأمريكي. 

الانتخابات التركية والمشهد الجيوسياسي في ليبيا

تعد الانتخابات التركية التي ستُجرى في اليومين القادمين من هذا الشهر ذات انعكاس مباشر على الوضع في ليبيا، إذ إن الحضور التركي في ليبيا بات شغل المتنافسين السياسيين في تركيا. وقد قدمت المعارضة وجهة نظرها تجاه القوات التركية والقواعد العسكرية في ليبيا قائلة على لسان رئيس الطاولة السداسية كلشدار أوغلو المرشح للانتخابات الرئاسية “إن الحضور التركي في ليبيا أو في الصومال أو في سوريا لا معنى له وليس مفيدا لتركيا ولا لشعبها” وعليه فإنه من القرارات الرئيسة التي ستتخذها المعارضة حال فوزها هو سحب القوات التركية من خارج البلاد سحبا فوريا.

من جانب آخر، استمرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في السلطة سيعجّل من التقارب التركي المصري خصوصا بشأن ليبيا وهو ما قد ينعكس على الأوضاع انعكاسا واضحا، إلا أن انتصار المعارضة في الانتخابات قد يعني اختلالا في موازين القوى على الأرض ما سيفتح المجال أمام تجدد أحداث العنف والحرب ومحاولة السيطرة على السلطة بالقوة، وهو المسلك الذي انتهجه حفتر في الرابع من أبريل عام 2019 في حملته العسكرية على العاصمة طرابلس التي نتج عنها التدخل التركي المباشر بناء على اتفاقية المجلس الرئاسي آنذاك التي عرفت بالاتفاقية الأمنية العسكرية بين ليبيا وتركيا.

خلاصة
تعد زيارة حفتر للعاصمة الإيطالية روما ولقاؤه برئيسة الوزراء ووزير الخارجية ووزير الدفاع انتعاشة سياسية لحفتر ومظهره العام أمام أنصاره ومناوئيه من الطبقة السياسية، كما يمكن أن تعد زيارة من النوع المستعجل الذي غالبا ما يحمل في طياته رسائل سياسية مباشرة، وفي السياق السياسي والإقليمي من الممكن أن تكون زيارة حفتر في سياق مساعٍ غربية لكبح جماحه ومحاولة تخفيف ارتباطاته بقوات فاغنر ونشاطاتها في إفريقيا.

من جانب آخر، حفتر ما زال يمثل بالنسبة للأطراف الغربية الحليف الأبرز والأقل كلفة والأكثر عملية في التعامل، إذ ما زال ينتهج سياسة العصا الغليظة والقبضة الأمنية في إدارته المناطق التي يسيطر عليها في كل من الشرق والجنوب، كما أن انحياز حفتر للحملة الأمريكية لإخراج فاغنر سيكون ذا أثر فارق حسب وجهة النظر الأمريكية .

على الصعيد الدولي، الانتخابات التركية ستحمل في طياتها التأثير السياسي المباشر على الوضع في ليبيا حال فوز المعارضة أو استمرار أردوغان، إذ بفوز أردوغان ستكون التفاهمات المصرية التركية أكثر جدية وسرعة، كما أن صعود المعارضة سيعني تحولا هائلا في الوضع الجيوسياسي ما قد يفتح خيارات الحرب على مصراعيها استغلالا للظروف من قبل الأطراف السياسية المتحفزة للحكم.

وأخيرا، مسار الانتخابات لا يزال حاضرا رغم الجمود في العملية السياسية وستتجه البعثة الأممية إلى تجاوز المجلسين إذا استمر التعثر في المسار السياسي وأخفق المجلسان في التوافق على قانون الانتخابات.