مقدمة
ما تزال قضية الموارد المالية والخلاف حول عائدات النفط تظهر للعلن بين الحين والآخر كدلالة على تفاقم الأزمة السياسية في البلاد. فقد رفضت دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف بنغازي الطعن المقدم من المؤسسة الوطنية للنفط بشأن الحجز الإداري على إيرادات النفط وحسابات المؤسسة المعلن عنها من قبل رئيس الحكومة المكلفة من قبل مجلس النواب أسامة حماد، وهو قرار يهدف إلى حصار حكومة الوحدة الوطنية والمصرف المركزي بعد فشل الحكومة المكلفة من مجلس النواب في الحصول على الميزانية والتمويل الذي تطالب به.
رغم أن القرار بدا في طابعه العام قانونيا وضمن صلاحيات الحكومة المكلفة من مجلس النواب، إلا أن تصريحات رئيسها بعد لقائه برئيس المؤسسة الوطنية للنفط وضحت مغزى هذا الإجراء ومساره حين تحدث عن لجنة تقاسم العائدات النفطية بما يضمن التوزيع العادل للثروة وهو مسار ذو بعد سياسي وورقة ضغط تأتي لصالح مجلس النواب وقيادة الجيش التابعة له التي باتت تواجه أزمة مالية خانقة.
حفتر يطالب بتشكيل لجنة توزيع العوائد
في كلمة ألقاها أمام جمع من الضباط العسكريين تحدث القائد العام للجيش التابع لمجلس النواب، خليفة حفتر، عن الفساد وإهدار المال العام وعن التجاوزات التي تقوم بها حكومة الوحدة الوطنية، كما عرج حفتر على دور مصرف ليبيا المركزي مشيرا إلى الاعتمادات المستندية متهما المصرف بالفساد وتهميش مناطق الشرق وجنوب البلاد، إلا أنه أشاد برئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك، ووصفه أنه “رجل من رجالات الوطن” حسب تعبيره، مستندا على بيانات تقرير ديوان المحاسبة بخصوص الفساد وهدر المال العام.
خطاب حفتر الذي كان مضمونه اتهام مؤسسات الدولة التي لا تتعامل معه بالفساد والانحياز لم يكن سوى مقدمة في حديثه حول تشكيل لجنة لتقاسم الموارد المالية وإمهاله الأطراف السياسية حتى شهر أغسطس المقبل، وأنه سيتدخل في حال عدم الاستجابة لهذا المطلب.
وعرج حفتر في كلمته على الوسطاء الدوليين وذكر السفير الأمريكي بالاسم واتهمه بالتدخل السلبي في الشؤون الليبية الداخلية وعدم الإيفاء بتعهداته، ويأتي هذا الموقف السلبي بعد تصريحات نورلاند تعليقا على قرارات رئيس الحكومة المكلف من مجلس النواب أسامة حماد، وقد تحدث نورلاند لأول مرة عن حفتر كونه مَن جلب المرتزقة في حرب طرابلس مضيفا أن إقفال النفط ليس في صالح الليبيين.
ورقة توزيع العائدات النفطية
برز الحديث عن لجنة عليا لتوزيع عائدات النفط لأول مرة على لسان رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في إطار الضغط السياسي على المؤسسات التي ترفض التعامل مع مجلس النواب كالمصرف المركزي والحكومة في طرابلس، وقد تفاعل السفير الأمريكي حينها مع الفكرة وأطلق مبادرة “مستفيد” للإشراف على توزيع موارد النفط توزيعا عادلا حسبما صرح حينها، إلا أن البرنامج لم يرَ النور حتى يومنا هذا لعدة أسباب، أهمها أن عوائد النفط تذهب بنسبة تقترب من 90% في شكل الإنفاق العام على المرتبات وتسيير الجهاز الحكومي والدعم، حتى بات الإنفاق العام يشكل حفرة تبتلع الإيرادات، بل إن الإنفاق العام مقابل العائد السنوي قد وصل في عدة سنوات إلى مستوى العجز.
هيكلية الاقتصاد الليبي لا تسمح بتغيير جذري في بنيته خصوصا مع تكدس العمالة في الجهاز الحكومي ما يجعل الدولة في التزام لا فكاك منه تجاه مواطنيها خصوصا بعد أن تخطى عدد موظفي القطاع العام 2.3 مليون، واعتماد الاقتصاد الوطني على الخزانة العامة بشكل كامل تقريبا.
فالحديث عن لجنة عليا لإدارة العائدات وتقسيمها توزيعا عادلا والزج به في الصراع بين الحين والآخر هو في حقيقة الأمر ورقة سياسية للضغط على الأطراف المتحكمة في قرار الإنفاق العام التي يبدو أن التفاوض بينها وبين حفتر قد وصل إلى طريق مسدود، وذلك بعد فشل المقاربة التي كانت بينهما لتشكيل حكومة بعد رفض حكومة الوحدة طلبات حفتر الوزارية التي بدت بالنسبة للدبيبة غير ممكنة التحقيق.
محرك حفتر الأساسي في هذه الخطوة يأتي نتيجة للأزمة المالية الخانقة التي يعانيها وتحول دون الاستمرار في مشروعه، بعد أن رفضت حكومة الوحدة الوطنية التعامل مع حفتر والجيش التابع له كجسم مستقل خارج كادر الدولة يستلم ميزانية خاصة، وهو ما لم يرق حفتر وأدى إلى القطيعة بين الجانبين، كما أن رهانه على الحكومة المكلفة من قبل مجلس النواب بقيادة فتحي باشاغا لم يحقق المراد لعدم تعاون مصرف ليبيا المركزي مع مجلس النواب وحكومته، وهو ما دفع حفتر لهذا الاتجاه الجديد من الضغط والتهديد.
فرص نجاح ضغوط حفتر وتهديداته
يمثل تأمين مصادر الطاقة في ليبيا مطلبا أساسيا في الإستراتيجية الأمريكية للأمن القومي التي تقوم على تدفق النفط والغاز بشكل مباشر ومستمر إلى أوروبا كتعويض عن نقص النفط والغاز الروسي الذي توقف نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية الذي تعتمد عليه ألمانيا وفرنسا وغيرهما من الدول الأوروبية اعتمادا رئيسا كمصدر للطاقة في القارة.
بالنسبة للولايات المتحدة فإن الموقف من استخدام النفط كورقة سياسية في ليبيا صار حادا ولا مرونة فيه، وقد كانت زيارة رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وليام بيرنز إلى ليبيا مطلع العام الجاري تصب في هذا الاتجاه، حيث حذر من استخدام النفط في الصراع السياسي وطالب بضمان استقرار الإنتاج الذي باتت الولايات المتحدة تعده أحد أسلحتها في حربها غير المباشرة ضد روسيا، أي أن النفط وإنتاجه الآن ليسا ملفا محليا، بل باتا بفعل الظروف الدولية ملفا في غاية التعقيد والتشابك.
تصريحات نورلاند كانت مخيبة لآمال حفتر، لهذا انتقده وقلل منه بقوله “المدعو”، ويدرك حفتر أن هناك فسحة لانتقاد ممثل الإدارة الأمريكية، وليس الإدارة ذاتها أو سياساتها بشكل مباشر، وهو يأتي في سياق شعور حفتر بالثقة لتعدد العلاقات والمسارات الدولية التي بين يديه وارتباطاته بعدة أطراف اعتقادا منه أنها توفر له هامش مناورة ومساحة سياسية للحركة.
ورغم تجديد حفتر المطالبة بخروج المرتزقة من ليبيا إلا أن ارتباطاته بفاغنر ما تزال عميقة ويخشى حفتر خسارتها التي قد تؤدي في حال فقدها إلى اختلال في ميزان القوى على الأرض، وهو سبب آخر يضاف إلى أسباب تبرم حفتر من السفير الأمريكي والجرأة في انتقاده خلال خطاب مفتوح.
التوجه الأمريكي العام لا يلقي بالا لتفاصيل الصراع السياسي الليبي وهو ما يدركه حفتر ويمارس ضغطه السياسي لاستغلال هذا الهامش آخذا بالاعتبار أن الحفاظ على الوضع الحالي بالنسبة للولايات المتحدة يمثل أولوية فيما يتعلق بالوضع الليبي.
وقد كانت ردود فعل الأطراف السياسية الليبية التي اتهمها حفتر بالفساد والتمييز في الإنفاق العام أقرب للاستجابة منه للإدانة والاستنكار، فقد اتفق رئيس المجلس الرئاسي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية ومحافظ مصرف ليبيا المركزي ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط في اجتماعهم الأخير على تشكيل لجنة عليا لمراقبة إدارة الإيرادات والنفقات العامة، كما أعلن المجلس الأعلى للطاقة المصادقة على خطة مؤسسة النفط التي تهدف إلى رفع الإنتاج إلى مليوني برميل يوما، وهي لا تتم في العادة بناء عن إرادة محلية خالصة، وتفسره الرغبة الأمريكية في الحفاظ على الوضع الحالي فيما يتعلق باستقرار إنتاج النفط وتدفقه.
الخلاصة
تمثل مهلة حفتر لتشكيل لجنة عليا لإدارة عوائد النفط تعبيرا عن الضغوط التي يواجهها وانعكاسا لتراجع الدعم الداخلي والخارجي الذي حظي به السنوات الماضية، الذي كان من أبرز تداعياته شح الموارد المالية والنقص الشديد في التمويل.
حفتر الذي يطمح إلى كرسي الرئاسة ويتحكم في مساحة واسعة من ليبيا وتخضع لقواته أهم حقول النفط وموانيه يواجه أزمة تمويل إلى جانب صد من قبل السلطة المتحكمة في القرار المالي في العاصمة، ولأن إغلاق النفط لم يعد خيارا متاحا تبنى حفتر فكرة الضغط لأجل تقاسم عوائده.
ردود الفعل لم تأتِ على مستوى التصريحات والمواقف السياسية، فقد اجتمع القادة في الغرب الليبي لبحث أعمال اللجنة المشرفة على متابعة إدارة المالية العامة للدولة، ولا يمكن القطع بأن هذا الاجتماع يلبي مطالب حفتر وتهديداته، ويبدو أنه من قبيل ذر الرماد في العيون، ذلك أن فرض آلية جديدة للإنفاق العام تقوم على تقاسم إيرادات النفط بين طرابلس والرجمة غير قابلة للتطبيق تهلحكومة ومحافظ المرلاكزي ورئيس مؤسسة النفط لبحث اللجنة المشرفة على متابعة في ظل الظرف الاقتصادي والسياسي الذي تمر به البلاد اليوم، ما قد يعني أن استيعاب مطالب حفتر سيتم بطريقة شكلية بعيدا عن خطة ومطالب المنتظم السياسي والعسكري في الشرق.



