Skip to main content

بعد لقاء تشاوري جمع بين رئيس مجلس النواب ومحافظ مصرف ليبيا المركزي هو الأول من نوعه منذ سنين، أقرّ مجلس النواب الميزانية العامة للبلاد بقيمة 179 مليار دينار ليبي، تضمنت 88 مليارا عُدت قيمة إضافية للميزانية.

يأتي اعتماد الميزانية بعد سبعة أشهر تقريبا من بداية السنة الإدارية والمالية، تخللها ارتفاع كبير في سعر صرف الدينار مقابل الدولار، خصوصا بعد أن فرض المصرف المركزي ضريبته على بيع العملة الأجنبية بسبة 27%. إقرار الميزانية من قبل مجلس النواب جاءت استجابة لطلب من المصرف المركزي في لقاء تونس، الذي حضره ممثلون عن الأطراف الرئيسية في المشهد السياسي، برعاية المبعوث الأمريكي وسفارة الولايات المتحدة، والذي أحال رسالة رسمية ممهورة باسم المحافظ إلى المجلس في فبراير الماضي بهذا الخصوص.

مجلس النواب واعتماد الميزانية

بحسب عديد المراقبين للشأن الليبي فإن إقرار الميزانية العامة للدولة من قبل مجلس النواب، هو نتيجة من نتائج التقارب بين رئيس مجلس النواب ومحافظ مصرف ليبيا المركزي، الذي دخل في خلاف مع حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والتي توقف مصرف ليبيا المركزي عن التعامل معها بشكل واضح في غير أبواب المرتبات والنفقات التسييرية والدعم، وذلك منذ نهاية العام المنصرم، ووصلت الخصومة إلى حد تأخير صرف كثير من أذونات الصرف، التي أحالتها وزارة المالية بحكومة الوحدة الوطنية للمصرف المركزي، الأمر الذي قلص من نشاط وحركة الحكومة، وأسهم في تراجع حضورها في فترة الستة أشهر الماضية.

من جانب آخر فإن اقتراب الصديق الكبير محافظ مصرف ليبيا المركزي مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، يبدو أنه وصل إلى مرحلة متقدمة من التناغم والوفاق، بعد قطيعة كبيرة، خصوصا وأن إقرار الضريبة على سعر الصرف جاء بناء على مذكرة من المصرف المركزي موجهة لمجلس النواب، كما سبقت الإشارة.

إقرار الميزانية وتعهد محافظ المصرف المركزي بتوفير التمويل لها، كما جاء على لسان عدد من مجلس النواب، يعني الصرف على حكومتين، أي توفير التمويل لحكومة الشرق بقيادة أسامة حماد،  وصندوق إعمار ليبيا الذي يرأسه بلقاسم حفتر، وهو الصندق الذي استصدر مجلس النواب قانونا خاصا لتأسيسه، ومنح رئيسه صلاحيات واسعة في إدارته وتوجيه أمواله، تتجاوز صلاحيات رئيس الحكومة، الذي ليس من مسؤولياته التدخل في إدارة الصندوق، كون الأخير معين من قبل البرلمان، ويتمتع بنفوذ كبير كونه ابن الشخصية الأقوى، ولوزنه السياسي داخل مجلس النواب عبر الكتلة المؤثرة التي تدعمه.

بعض المصادر أشارت إلى وجود تواصل بين المصرف المركزي ورئيس صندوق الإعمار، ووصفت هذا التواصل بـ “المتقدم”، وبالتالي فإنه ليس من المستبعد أن أن تكون هذه العلاقة هي المرجح لاعتماد ميزانية المجلس، التي تضمنت مخصصات كبيرة للتنمية والإعمار المقسم بين سلتي الغرب والشرق، وقد أكد هذا أسامة حماد في بيان لحكومته قائلا: إن الميزانية العامة التي أقرت هي ميزانية لكامل التراب الليبي، وراعت ملاحظات كل الأطراف السياسية في المشهد السياسي، إشارة لاعتبار أن هذه الميزانية ترسخ وتعترف بوجود الحكومتين في الشرق والغرب، حيث تقسم أبواب الميزانية بينها.

موقف المجلس الأعلى للدولة

عبر رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة عن رفضه مشروع قانون الميزانية للعام 2024. وعد تكالة في خطاب موجه إلى رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ماجاء في الجلسة وماصدر عنها من قرارات، غير قانونية وهي والعدم سواء، باعتبارها لم تستوف قواعد إقرار قانون الميزانية طبقا للتشريعات النافذة. وقال تكالة إن مجلس النواب تمادى في تجاوزاته واختار اتخاذ إجراءات منفردا، وهذا لن يقود إلا إلى مزيد من الانقسام على حد تعبيره. وحذّر تكالة من خطورة هذا القانون وتداعياته، محملا في الوقت ذاته القائمين عليه المسؤولية عن آثاره السلبية على البلاد.  تكالة أكد في رسالته طعنه فيما صدر عن مجلس النواب من قوانين بالمخالفة أمام القضاء المختص؛ للفصل في قانونية مشروع الميزانية.

موقف تكالة اتكأ على مسألة اعتماد الميزانية لجسم غير دستوري، إذ أن الحكومة التي تقدمت بطلب الميزانية تعد حكومة غير دستورية، أو بالمخالفة للاتفاق السياسي الليبي الذي يجعل المجلس الأعلى للدولة شريكا رئيسيا في اختيار الحكومة، ولكن إقرار الميزانية هو اختصاص أصيل لمجلس النواب، حسب الاتفاق السياسي. مع التنبيه على أن موقف رئيس المجلس الأعلى للدولة ليس داعما لحكومة الوحدة المتحالف معها، بل هو للتعبير عن تحفظه على إستبعاد المجلس الأعلى للدولة من المشهد وترتيب علاقته مع مجلس النواب في شكل دعائي لا أكثر.

موقف المجلس الرئاسي

وجه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي دعوة إلى رئيس المجلس الأعلى للدولة ومحافظ مصرف ليبيا المركزي للعمل على توحيد الميزانية العامة للبلاد، مؤكدا أهمية الالتزام بالمرجعية الدستورية، واحترام التشريعات النافذة.

وأوضح المنفي خطوات اعتماد الميزانية، والتي تبدأ بتقديم مشروع من السلطة التنفيذية المختصة، بدلا من الشخصيات أو الكيانات غير الدستورية أو بالمخالفة لأحكام القانون المالي للدولة، بحسب قوله.

ولفت المنفي إلى ضرورة التشاور الملزم من السلطة التنفيذية مع المجلس الأعلى للدولة، قبل تقديم مشروع القانون إلى مجلس النواب لإقراره، منبها إلى أن موافقة مجلس النواب تكون بالأغلبية الدستورية الموصوفة على مشروع قانون الميزانية. ويفهم من كلام المنفي تحفظا على الميزانية، خاصة وأنه ما يزال متمسكا باللجنة المالية العليا التي يترأسها، والتي أدار لها مجلس النوب وحكومة حماد ظهرهما لها.

وقد جاء موقف النواب في البيان الذي صدر عن المجلس عقب إقرار الميزانية، باعتبار اللجنة المالية العليا التي يرأسها رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي تجاوزا للقانون، وجسما موازيا غير قانوني، يخالف مبدأ الفصل بين السلطات.

موقف حكومة الوحدة الوطنية

اللافت هو عدم صدور بيان أو تصريح من قبل حكومة الوحدة الوطنية بخصوص الميزانية محل النقاش، وتحدثت مصادر عدة عن تفاهم بين ممثلين عن حكومة الوحدة وأخرين من سلطات الشرق بخصوص الميزانية الجديدة. كما أورد مراقبون أن الميزانية أخذت في الاعتبار تسهيلات ومخصصات بقيم كبيرة لحكومة الوحدة، ربما كانت سببا في عدم معارضة حكومة الوحدة الوطنية لها، ويظل الموقف رهنا ببيان أو تصريح أو توضيح من الدبيبة أو ممثل له، وإذا لم يصدر موقف فإن السكوت علامة الرضا كما يقال.

ماذا يعني إقرار الميزانية في هذا الوقت؟

يُعد إقرار الميزانية العامة للدولة من قبل مجلس النواب تهدئة للوضع السياسي في البلاد حتى نهاية العام، خصوصا وأن إقرار الميزانية قد أدى لارتياح كافة الأطراف الأساسية في المشهد، أولها المصرف المركزي الذي ضمن محافظه موقعا متقدما، بعد أن فرض شروطه بإقرار الميزانية والمحافظة على سعر الصرف الذي أقره، كما ضمن أيضا إنهاء دور اللجنة المالية العليا، التي أثارت حفيظته من اليوم الأول لتأسيسها.

حكومة مجلس النواب ضمنت أن الإنفاق العام في بنود التنمية والنفقات التسييرية قد دخل في الإنفاق العام للدولة، دون الحاجة للاقتراض والاستدانة من جانب آخر، ذلك أن التقارب بين مجلس النواب والمصرف المركزي بعد أول لقاء بين المحافظ ورئيس مجلس النواب، قد عُد خطوة متقدمة في التفاهم بين الأجسام التنفيذية في الشرق، الحكومة وصندوق الإعمار، وهو تقارب يأتي على حساب العلاقة مع حكومة الوحدة، التي يبدو أن الخناق السياسي يضيق حولها شيئا فشيئا.

وبالرغم من عدم تعليق الحكومة على الميزانية العامة وإقرارها، إلا أن صمتها يؤكد بيان حماد وما تضمنه من معاني، لا يمكن أن تفهم في غير سياق التراضي الذي شمل حكومة الوحدة الوطنية. إن إقرار الميزانية يمكن تسميته بالاستقرار المؤقت إلى حين انقضاء السنة المالية والإدارية الحالية، لكن الخطر أن يتحول تقاسم الميزانية إلى عرف دائم في إدارة المال العام؛ مما يعني التقدم خطوة أكبر في اتجاه الانقسام.

خلاصة

يعد إقرار مجلس النواب لقانون الميزانية العامة متأخرا في التوقيت، لكنه تحصيل للحقائق على الأرض، أبرزها الإنفاق خارج الإطار الرسمي والحكومي؛ ما سبب في تردي الوضع الاقتصادي، وارتفاع نسبة التضخم، وتدني سعر الدينار في السوق الموازي، على صعيد السياسي فإن إقرار الميزانية العامة من قبل النواب، يبدو قد ضمن تقاسم كعكة التنمية بين حكومة حماد والدبيبة، متجاوزا للجنة المالية العليا متمثلة في المجلس الرئاسي، كما يمكن اعتبار قانون الميزانية انعكاسا للتقارب بين الأطراف والاتفاقات التي تمت في جلسات تونس قبل شهر تقريبا، برعاية السفارة والمبعوث الأمريكي إلى ليبيا، وهي اتفاقات سعت لضمان التسوية بين المتنازعين كخطوة تسبق استئناف العملية السياسية.