مقدمة
مع اكتشاف النفط في ليبيا صدر قانون رقم 5 لسنة 1963 ينص على تخصيص 70% من إيرادات النفط لبرامج التنمية، وزاد مستوى التحسن لمستوى المعيشة لأفراد المجتمع الليبي في بداية السبعينات وحتى بداية التسعينات، ولكن مع تدني أسعار النفط الخام في الثمانينات وارتفاع مستويات التضخم وما تبع قضية لوكربي من حصار وتداعيات اقتصادية، بدأ تدني مستوى المعيشة وظهور الفئات الفقيرة والمحتاجة، ما أدى إلى سعي الحكومة إلى حصر من أسمتهم بالمحرومين من ثروة النفط بهدف إعادة توزيع هذه الثروة بشكل عادل لتشمل هذه الفئات المحرومة منها.
قياس الفقر في ليبيا
صندوق التضامن الاجتماعي قام بمسح اجتماعي واقتصادي ميداني شامل شارك فيه 172 فريقا ضم 693 باحثًا اجتماعيًا قاموا بأعمالهم في مختلف ما كان يسمى بالشعبيات لتحديد وحصر ما عرف حينها بشرائح المجتمع المحرومة من ثروة النفط، وذلك لغرض إعادة توزيع ثروة النفط بشكل عادل على أفراد المجتمع حسب الهدف المعلن، باشرت هذه الفرق عملها سنة 2006 بناء على الاستمارات التي أحيلت إليهم من الهيئة العامة للمعلومات التي بلغت 231,306 أسرة، وبلغ عدد الأسر الفقيرة التي حُصرت سنة 2007 مئة ألف أسرة، ارتفع عدد الأسر الفقيرة المحصورة إلى 185 ألف سنة 2008 ثم ارتفع إلى 300 ألف أسرة سنة 2009، اعتمد صندوق التضامن الاجتماعي الأسرة المكونة من ثلاثة أفراد وأكثر التي يقل دخلها عن 200 دينار في الشهر كمقياس لتصنيف الأسر المحرومة من ثروة النفط.
يرى الباحث مصطفى خليفة أن صندوق التضامن الاجتماعي اعتمد متغير الدخل كقيمة مطلقة لقياس الفقر دون اعتبار لمعيار أكثر شمولا يعتبر احتياجات أساسية كالتعليم والصحة والسكن، وانتقد الباحث غياب الاعتبارات الفنية ونقص الكوادر المدربة في تقصي أحوال المعيشة للأسرة الليبية.
في العقد الأخير غابت الجهود الرسمية لرصد ظاهرة الفقر، مما أدى لظهور مبادرات ومنظمات أهلية دولية وإقليمية لمحاولة سد هذا الفراغ ورصد الظاهرة، منها دراسة قامت بها منظمة Reach استطلعت آراء 8871 أسرة ليبية في الفترة ما بين 2 يونيو و2 أغسطس سنة 2021 شملت 45 بلدية. عبرت 53% من الأسر المستطلعة عن آرائها بشكل عام أنها لم تكن قادرة على تحمل جميع احتياجاتها الأساسية بسبب عدم كفاية الموارد الاقتصادية لديها، بالإضافة إلى ذلك، أفاد 28% منها بأن التكلفة تمثل عائقًا رئيسا يحول دون الوصول إلى الرعاية الصحية المناسبة، كما أفاد 42% من الأسر المقيمة بأن الحصول على النقد كان حاجة ذات أولوية بالنسبة لهم، في سنة 2022 استُطلعت آراء 3,757 أسرة ليبية في الفترة ما بين 2 يونيو و 2 أغسطس شملت 15 بلدية، أفاد 61% من الأسر بأنها اضطرت لاستخدام إستراتيجيات لمواجهة الأزمات والطوارئ الاقتصادية، منها القيام بعمل إضافي وتقليل النفقات الصحية باعتبارهما أكثر آليات المواجهة شيوعًا، في حين عبر 46% عن صعوبة تلبيتهم لاحتياجاتهم الأساسية من الغذاء والخدمات الصحية.
بحسب الموقع الإلكتروني لدراسات إفريقيا المستقبلية -المنبثق عن رؤية إفريقيا 2063 الصادرة عن منظمة الاتحاد الإفريقي- فإنه جنبًا إلى جنب مع بلدان أخرى في شمال إفريقيا، حققت ليبيا هدف القضاء على الفقر المدقع (باستخدام معيار 1.90 دولارًا أمريكيًا في اليوم) في عام 2018 وعلى الرغم من ذلك، عند استخدام معيار 5.50 دولارا أمريكيًا في اليوم للبلدان ذات الدخل فوق المتوسط، فإن 1.3 مليون ليبي أي حوالي 20.12% يعاني من فقر مدقع في عام 2019؛ كما أشار الموقع إلى أن هذا المعدل أقل من متوسط معدلات الفقر للبلدان ذات الدخل فوق المتوسط في إفريقيا. كما تشير دراسات أخرى إلى وجود فوارق كبيرة في المستوى المعيشي بين أهل الحضر وأهل الريف ما يشي بغياب العدالة في توزيع الثروة بين المناطق.
بالعموم هناك شح في المعلومات والبيانات المتوفرة حول الدخل والإنفاق والفقر في ليبيا ويرجع ذلك في جزء منه إلى انقسام المؤسسات نتيجة الصراع السياسي الدائر حاليا، ولكنه يرجع كذلك إلى ضعف قدرات هذه المؤسسات من الأساس حتى قبل الصراع الحالي كما سبق، وأسلفنا عند الحديث عن بيانات صندوق الضمان الاجتماعي حيث تفتقر هذه المؤسسات إلى البنية الأساسية لرصد هذه البيانات، إضافة لذلك نادرًا ما تغطي بيانات الدخل جميع المناطق وعندما تتوفر بيانات الدخل حولها، نادرًا ما تأخذ في الاعتبار الفروق الكبيرة في الأسعار عبر هذه المناطق، مما يعقد محاولات تحديد نسبة موضوعية ودقيقة للأسر الفقيرة في ليبيا، علاوة على ذلك غياب خط فقر معتمد ومقبول على المستوى الوطني يزيد من تعقيد هذه المهمة.
مفهوم الفقر
لطالما كان مفهوم الفقر مثيرًا للجدل إلى حد ما، لأن المفاهيم المختلفة للفقر تؤدي إلى تقديرات مختلفة لمدى انتشاره وكذلك يؤدي إلى وضع سياسات اجتماعية مختلفة للاستجابة له. يمكن أن نجد ثلاثة معايير لتعريف الفقر في أدبيات البحث العلمي والدراسات السابقة حول الموضوع. أولاً: المعيار المطلق حيث يقاس الفقر من حيث مبلغ محدد من المال، ويستند تحديد هذا المبلغ إلى مؤشرات معينة كانت موضوع نقاش متشعب بين الباحثين، وهو المعيار المستخدم من قبل صندوق التضامن الاجتماعي.
والثاني، هو المعيار النسبي حيث يتم تعريف الفقر من حيث معايير معينة يتقبلها المجتمع، وبعبارة أخرى الظروف الصالحة للعيش والظروف الاجتماعية التي يعتبرها المجتمع ويشير إليها على أنها حالة الفقر، حيث يعتبر الفرد أو الأسرة التي يقل دخلها أو إنفاقها عن حد معين وفقًا للمستوى العام للمجتمع فقيرًا نسبيًا، الذي سيكون بالطبع تعريفًا عاما جدا ومرنًا.
ثالثًا، هو المعيار الذاتي حيث يتم تعريف الفقر من حيث ما يعتبره الناس هو الحد الأدنى لتلبية الاحتياجات المادية من حيث الغذاء والمأوى وكذلك من حيث الوفاء بحياتهم الاجتماعية.
معيار الفقر النسبي، حيث تحدد أربعة مستويات مختلفة للفقر بناءً على متوسط الدخل والمعيشة العامة، وهو يعد بالتأكيد مفهومًا أكثر شمولاً لدراسة الفقر ومستوى المعيشة في المجتمع.
مشاكل الفقر وآثاره:
يعتقد كثير من الباحثين الاجتماعيين أن الفقر يعد سببا أساسيا في السلوك الإجرامي خاصة لدى الشباب، كذلك يعد الفقر دافعا للعديد من الظواهر الاجتماعية الخطيرة مثل التسول، والعنف، والإدمان على المخدرات والانتحار وغيرها، كما أن الفقر يهدد الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي، غير أن مشكلة الفقر لا تقتصر على المستوى الأخلاقي والاجتماعي فحسب، بل تمتد لتؤثر على الفعالية الاقتصادية للمجتمع ككل وتعيق الاستثمار في رأس المال البشري ومشاريع التنمية الاقتصادية، كما يوفر بيئة خصبة لاستغلال العمالة خارج المنظومة الرسمية الذي إضافة إلى الانتهاكات الحقوقية لهؤلاء العمال يتسبب على المستوى الاقتصادي بحرمان صندوق الضمان الاجتماعي من مدفوعات كبيرة يمكن استثمارها في التنمية وتحقيق الرفاه الاجتماعي للمواطن. في دراسة لتقدير التكلفة الاقتصادية للفقر في الولايات المتحدة الأمريكية قدرت التكلفة بخمس مئة مليار دولار أمريكي وتشير التقديرات إلى أن الفقر يتسبب في تقلص وخسارة ما يعادل 1.3% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وإذا وضعنا في الحسبان أن هذه الخسائر قدرت دون احتساب تكلفة الجريمة والنفقات الصحية وغيرها التي يكون الفقر سببا مباشرا أو غير مباشر فيها، وإذا أخذنا في الاعتبار أن هذا هو الحال في البلدان المتقدمة ذات الدخل المرتفع فإنه يمكننا على الأقل أن نستنتج أن حجم التأثير سيكون أكبر بكثير في البلدان النامية ذات الدخل المتوسط والمنخفض.
شروط أساسية لمعالجة مشكلة الفقر:
مشكلة الفقر هي مشكلة اجتماعية واقتصادية معقدة على المستوى الدولي وليس المحلي فقط، ولا يمكن وصف حلول جاهزة كوصفة طبية في هذه الورقة، ولكن يمكن على الأقل الإشارة إلى بعض الشروط الأساسية التي يمكن اعتبارها كبنية تحتية ضرورية لمعالجة الفقر:
- على المؤسسات المعنية في الدولة أن تتبنى مقاربة أكثر دقة وشمولا لقياس الفقر في المجتمع الليبي بما في ذلك تطوير طرق لقياس الفقر نسبيا إلى مستويات الدخل العامة، والعمل على تحديث الأرقام المنشورة بالخصوص على أقل تقدير بشكل ربع سنوي، حيث إن تصور الحجم الحقيقي والموضوعي لعلاج ظاهرة الفقر له شرط أساسي.
- تطوير البنية التحتية لشبكة المواصلات والطرق ووسائل النقل العام لتسهيل حركة الأيدي العاملة والبضائع ما يحفز النشاط التجاري ويوفر فرص عمل وخصوصا في المناطق المهمشة، كذلك تطوير شبكة الاتصالات والإنترنت لتنشيط التجارة الإلكترونية ما يوفر منصة أعمال واسعة تستوعب ربات البيوت ومن لا يستطيع تحمل تكاليف مقر عمل ثابت.
- تسهيل عملية الوصول لأدوات التمويل المناسبة لذوي المهارات وأصحاب الأفكار والمشاريع الريادية من ذوي الدخل المحدود من خلال منصات تمويلية مبتكرة كالتمويل الأصغر والتمويل الاجتماعي في مبادرة تسعى لتحقيق الشمول المالي لجميع شرائح المجتمع.
- توفير الحق للوصول إلى الحد الأدنى من الضمانات الاجتماعية للعاملين خصوصا العاملين في اقتصاد الظل، من خلال تصميم آلية قانونية وحقوقية لهؤلاء العاملين للحصول على حقوقهم وتشجيعهم على المطالبة بها، مع تشريع إعفاءات للشركات التي ترغب في إصلاح وضعها القانوني بخصوص العاملين لديها.
- ضمان توفير الخدمات التعليمية والصحية بجودة معقولة لجميع أفراد المجتمع، حيث تشكل هذه الخدمات تكلفة مؤلمة للأسر الفقيرة، كما أنه توجد علاقة وثيقة بين انخفاض مستويات التعليم والفقر.
- تبني إستراتيجية عامة طويلة المدى للقضاء على الفقر تتعاون فيها مؤسسات الدولة المعنية مع المؤسسات الخيرية والمنظمات الإقليمية وتبنيها كأولوية وطنية.



