Skip to main content

نشر مصرف ليبيا المركزي بيان الإيراد والإنفاق العام للفترة الممتدة من 01/01/2022 إلى 31/12/2022 أي سنة مالية كاملة، مما يعد مؤشرا مهما للحالة الاقتصادية والمالية للدولة. وتبدو الأرقام الواردة في البيان غير مسبوقة وتمثل وضعا ماليا لا يعكس حال وواقع الاقتصادي اللليبي.

قراءة أولية للأرقام

بلغ إجمالي الإيرادات العامة 134.4 مليار دينار، منها 105.5 مليار دينار إيرادات النفط والغاز بنسبة 78% من إجمالي الإيرادات، وعند إضافة إيراد الإتاوات النفطية فإن النسبة ترتفع إلى 97%، مما يجعل المنتجات النفطية المحرك الرئيس، بل ويكاد يكون الوحيد للنشاط الاقتصادي الليبي، كما يفسر بعض الأداء الاقتصادي المتذبذب والتأثير السلبي للتقلبات في سوق النفط، سواء أكانت نتيجة لأسباب داخلية أمنية كحالة القوة القاهرة التي فرضت في فترات سابقة، أم لأسباب خارجية تتعلق بمعدلات الطلب العالمي كما حدث في أزمة فيروس كورونا، حيث انخفضت الإيرادات في 2020م بحوالي 60% عن إيرادات 2019م. 

 الزيادة في إيرادات العام 2022م عن العام 2021م بلغت 2.2 مليار دينار، ويعود ذلك إلى عاملين، هما توقف الإنتاج لبضعة أشهر قبيل الصفقة بين حكومة الوحدة الوطنية والقائد العام للجيش التابع لمجلس النواب، وإلى ارتفاع الأسعار بصفة عامة خلال 2022م كتداعٍ للأزمة الروسية الأوكرانية.

شكلت الضرائب 1% من إجمالي الإيرادات بحوالي مليار ونصف دينار ليبي، ودون اختلاف جوهري عن السنوات السابقة، حيث بلغت النسبة العام الماضي 0.8% العام 2021م، الأمر الذي يختلف بصورة جذرية عن السائد في الاقتصادات غير الريعية التي تشكل فيها الضرائب حصة رئيسية من إجمالي الإيرادات التي قد تصل إلى أكثر من 75%، بينما تمثل صافي الضرائب بعد خصم المنح والدعم الحكومي إضافة سالبة للناتج المحلي الإجمالي الليبي بحسب النشرات الاقتصادية الصادرة عن مصرف ليبيا المركزي. ويرجع سبب الانخفاض الحاد في نسبة الضرائب من إيرادات الدولة إلى اعتماد الاقتصاد بصورة رئيسية على أنشطة استخراج النفط والغاز ومحدودية مساهمة القطاع الخاص في الناتج الإجمالي، هذا بالإضافة إلى سهولة التهرب الضريبي وغياب آليات تسهل عمليات التحصيل. كما كان إسهام الرسوم الجمركية محدودا في الإيرادات العامة وبما لا يتناسب مع قيمة الاعتمادات المستندية المفتوحة والسلع الموردة خلال تلك الفترة بحسب بيان المصرف المركزي.

الارتفاع المهول في الإيرادات التي تخطت 130 مليار دينار، وهي الأضخم منذ تأسيس الدولة الليبية، اقترنت بخفض سعر صرف الدينار في يناير 2021م من 1.4 إلى 4.48 أمام الدولار، الذي وصل إلى سقف 5 دينار للدولار بفعل تقلب أسعار العملات الأجنبية، وهي بالتالي لا تمثل زيادة حقيقية في الموارد المالية (النفط والغاز والضرائب والرسوم وعوائد الاستثمار الداخلي والخارجي…إلخ)، بالمقابل، فإن الارتفاع الكبير في فاتورة الإنفاق يعكس زيادة حقيقية في أوجه الصرف من مرتبات إلى دعم إلى تسييري إلى إنفاق تنموي..إلخ، وهذا في حد ذاته يمثل اختلالا  كبيرا لا يمكن معه تحقيق قفزة تنموية تعالج الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية. 

الإنفاق العام

خلال مقارنة بسيطة بين فاتورة الإنفاق العام لسنة 2022م البالغة حوالي 128 مليار دينار والإنفاق الفعلي خلال سنة 2020م الذي لم يتجاوز 38 مليار دينار يتضح حجم التغير الكبير والقفزة الهائلة في النفقات العامة للدولة خلال فترة قصيرة، ويفسح هذا التغيير المجال للسؤال عن مبررات هذا العبء على الخزانة العامة. 

بنظرة أولية لبند النفقات العامة خلال العام 2022م نلحظ دون جهد زيادة بند المرتبات عن السنوات السابقة بصورة لافتة، فعلى الرغم من أن المرتبات مثلت حوالي 37% من إجمالي الإنفاق العام وهو دون مستوى 39% من حصة المرتبات من مجمل الإنفاق لسنة 2021، فإن قيمة المرتبات بلغت نحو 47 مليار، ما يشكل زيادة بمقدار 42% عن بند المرتبات في السنة السابقة.

الزيادة الكبيرة في المرتبات تفسرها القرارات الأخيرة للحكومة برفعها دون التقليل من أثر الزيادة في حجم القوى العاملة في القطاع العام المثقل أصلا بأكثر من 2.3 مليون عامل، و بزيادة أكثر من 150% عن حجم القوى العاملة سنة 2010م، مع التنبيه أن البند مرشح لمزيد من الزيادة ليتخطى 50 مليار دينار.

الزيادة النقدية في مدخولات الأفراد وإن بدت قياسية إلا إنه عند أخذ نسبة التضخم في الاعتبار فإن القيمة الحقيقية للمرتبات قد لا تعكس هذ الارتفاع. فبحسب الأرقام الرسمية بلغ التضخم 5.7% في مارس 2022م، إلا أن مؤسسات بحثية مستقلة قدرت التضخم بحوالي 40%، فالتحليل على مستوى القيم الحقيقية قد يعكس نتائج مختلفة جذريا عن التحليل على مستوى القيم الاسمية النقدية، إلا أن هذا المستوى من التحليل يحتاج إلى بيانات كافية ودقيقة ويمكن التحقق من درجة صحتها. 

 حصة كل من بند النفقات التسيرية وبند التنمية وبند الدعم بلغت 7% و14% و16% من مجمل الإنفاق الحكومي على التوالي ومن غير تغيير يستحق الذكر عن العام 2021م باستثناء ارتفاع بنسبة 12.5% عن النفقات التسيرية لسنة 2021، وإذا ما وضعنا في اعتبارنا ضبط القيم وفقا لمعدل التضخم فإن هذه الزيادة قد تفقد اعتبارها.

 ما جد على الإنفاق في عام 2022م هو إلغاء بند الطوارئ الذي بلغ 6.5 مليار دينار ليبي عام 2021، بالإضافة الى استحداث بند ميزانية استثنائية بمقدار 34.4 مليار دينار ليبي خصصت للمؤسسة الوطنية للنفط، دون شرح أو توضيح، خاصة وأن هذا الإنفاق الهائل اقترن بالتغيير في إدارة المؤسسة في إطار توافقات ذات طبيعة سياسية.

نفقات بعض القطاعات الحيوية

بلغت مخصصات الأجسام السيادية العليا، مجلس النواب والمجلس الرئاسي والأعلى للدولة وحكومة الوحدة الوطنية، نحو 3.9 مليار دينار ليبي، وهي أرقام عصية على التفسير، وبعضها يشكل نوعا من الهدر في المال العام. أيضا نفقات بعض القطاعات كوزارة المالية التي تجاوزت ميزانيتها 41 مليار دينار، وهو رقم لا يناسب أداء وكفاءة القطاع الذي تسند إليه إدارة السياسة المالية ومن المفترض أن يكون له إسهامه المهم في تعظيم الإيرادات العامة.

من القطاعات الحيوية قطاع الصحة الذي خصص له حوالي 4% من مجمل الإنفاق العام، حوالي 32% منها تحت بند المرتبات، و29% تحت بند النفقات التيسيرية، و39% أنفقت لصالح جهاز الإمداد الطبي ضمن بند الدعم مع استمرار الجهاز في عدم الإفصاح عن أصناف الأدوية الموردة وأنواعها وكمياتها وتوزيعها والجهات المستفيدة منها، وفقا لبيان مصرف ليبيا المركزي. 

وبالرغم من حجم الإنفاق الموجه لقطاع الصحة، فإنه يعاني أوضاعا صعبة حيث أقل من ثلث المجمعات الصحية الأولية فقط تقدم خدماتها بشكل كامل، فيما نحو 44% من المستشفيات غير قادرة على التشغيل في البلاد. من ناحية أخرى فإن الفجوة في مستوى المعيشة أو الفجوة في مستوى القدرات تصل إلى 61% من الأسر الليبية حسب بيانات البنك الدولي، ما يعني أن هذه الأسر لا تستطيع مقابلة احتياجاتها خاصة القطاع الصحي، وتضطر لتلبية احتياجاتها بطرق سالبة تشمل الاقتراض أو بيع أصولها. 

ولا يختلف الوضع كثيرا في القطاعات المخلتفة، فالإنفاق كبير والمردود الاقتصادي والاجتماعي محدود بل يكاد يكون منعدما، وهو وضع خطير إلا إنه بات اعتياديا وصار هو نمط إدارة القطاع العام الليبي.

فائض الميزانية

على الرغم من تحقق فائض في الميزانية هذا العام إلا أن الفائض انخفض بنسبة 67% عن العام الذي سبقه، وتجدر الإشارة إلى أنه عند احتساب الفارق التراكمي بين الإيرادات والنفقات العامة منذ 2012م، فإن النتيجة الصافية تمثل عجزا في الميزانية بمقدار 34 مليار دينار ليبي، إلا أن المسألة الأساسية هنا لا تتعلق بالفائض أو العجز فقط، فالحكومات تسعى من خلال موازنتها وسياستها المالية إلى بلوغ مجموعة أساسية من الأهداف أهمها تحقيق الاستقرار الاقتصادي، محاربة التضخم، تحقيق تنمية مناطقية متوازنة، توفير بنية تحتية صحية من شأنها تسهيل فرص الاستثمار وإمكانيات الإنتاج، وبالتالي خلق فرص عمل وتنويع البنية الاقتصادية، وهذا ما يغيب في الحالة الليبية، وهو وضع مختل منذ عقود ويتجه إلى مزيد من الاختلال كل عام.

الخلاصة

الجهات التنفيذية تسعد لتحقيق فائض في موازنة العام 2022م، إلا إن الفائض لم يتحقق من خلال تعظيم الإيرادات عبر زيادة حقيقة في مصادر الدخل، أو تغيير إيجابي في هيكل الإنفاق العام. هذا علاوة على الأثر السلبي لخفض سعر صرف الدينار على مستوى عيش الليبيين.

ويؤخذ على فاتورة الإنفاق أنها عظيمة، ذلك أن معظم أوجه الإنفاق ذو طبيعة استهلاكية وليس له مردود مادي، ولا يقابل هذا الإنفاق الاستهلاكي زيادة حقيقة في إنتاجية الفرد والمؤسسات، فالقطاع العام الذي يستوعب ما يزيد عن 80% من القادرين على العمل مترهل وضعيف الإنتاجية ويشكل أبرز أسباب عرقلة أي إستراتيجيات أو خطط للنهوض بالإدارة العامة الليبية والاقتصاد الليبي. 

وما ينبغي التأكيد عليه هو أن الاستمرار في إعداد الميزانية العامة بالشكل الذي هي عليه اليوم خطأ فادح ويتطلب إعادة نظر، وأن هناك حاجة ملحة جدا لتبني سياسات مالية ونقدية فعالة تكون الأساس لخيارات الموازنة العامة، كخيار حيوي في المدى القصير، والاتجاه في المدى الطويل إلى تبني إستراتيجية لإعادة هيكلة الاقتصادي الوطني، يكون في القلب من هذه الإستراتيجية تصحيح الاختلال بين القطاعين العام والخاص لتكون الريادة في النشاط الاقتصادي للقطاع الخاص ويكون هو الوعاء الأكبر للتوظيف والتشغيل وتنويع وتعظيم الإنتاج.