Skip to main content

مع استمرار الاقتتال في السودان بين قوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع دخلت المعارك مواجهة شاملة مشتعلة من المتوقع أن يصل رماد نيرانها إلى دول الجوار كعامل مؤثر في الأوضاع الأمنية والعسكرية ابتداء، ثم التأثير على الوضع السياسي في حال طرأ تغير شامل على المعادلة السياسية في السودان الشقيق.

تطور الوضع في السودان

اندلعت في 15 من الشهر الجاري اشتباكات دموية في قلب العاصمة السودانية الخرطوم ولم تتوقف حتى أيام عيد الفطر المبارك. لا تزال الطلقة الأولى التي فجرت الصراع غامضة المصدر، إلا أن هجوم قوات الدعم السريع على مقرات الجيش كانت استباقية بحسب تبرير آمر قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، التي لعبت دورا مهما للغاية في الانقلاب العسكري على حكومة عمر البشير عام 2019.

تعد قوات الدعم السريع كيانا غير نظامي، إلا أنها ذات فاعلية عالية ما دفع الحكومة السودانية السابقة إلى دعمها ورعاية آمرها الذي تحصل على رتبة عميد من رأس النظام السابق جراء التعاون مع الحكومة في وجه التمرد في دارفور، ولحقت ذلك رتب أعلى لاحقا ليصبح حميدتي بعد ذلك نائب رئيس المجلس الرئاسي العسكري الحاكم في السودان.

ينظر الجيش السوداني بشكل ما بعين الريبة والحذر إلى قوات الدعم السريع وهي نظرة غالبا ما تطغى على العسكريين في تقييمهم لغير العسكريين المسلحين، فالعقلية العسكرية بطبعها مؤطرة للنظام والتراتبية والاتزام عكس القوات غير النظامية.

العلاقة بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني يغلب عليها التحدي منذ إسقاط البشير وتحالفهما لإدارة البلد وتشكيل مجلس السيادة السوداني، كما أن العوامل المحلية لعبت دورا رئيسا في تشكيل نفسية التعامل بين الطرفين، إذ يُنظر إلى حميدتي كشخص دخيل على منظومة الحكم والعاصمة الخرطوم باعتباره أمير حرب قادما من أطراف السودان في الوقت الذي يعيش فيه حميدتي الزهو بقواته التي تجاوز عددها 40 ألف مسلح.

ولعب العامل الخارجي دورا حيويا في الأزمة السودانية من خلال اصطفاف دول بعينها خلف الجيش وأطراف أخرى خلف قوات الدعم السريع كاستثمار سياسي وإستراتيجي، فاللاعبون في السودان كثر والمواقف السياسية متباينة والمصالح متضاربة، ما يعني أن الاقتتال قادم بسبب الوضع الخارجي لا الداخلي الذي يدفع السودان ضريبته بدماء المدنيين الذين يشكلون غالبية الضحايا.

يبدو الوجود الروسي في السودان أحد المحركات الرئيسة في الصراع وهو وجود جاء بناء على اتفاقية عسكرية بين البلدين إبان حكومة البشير، إلا أن تغير الوضع السياسي بعيد انقلاب 2019 غير في طبيعة العلاقة واتجاهها، فصار التركيز الروسي في السودان على حميدتي وهو ما تحدثت عنه تسريبات صحفية أشارت إلى تسليم حميدتي مناجم ذهب لقوات فاغنر، ومعلوم الوجود الروسي في إفريقيا والإستراتيجية التي ينفذها الكرملين في القارة السمراء، ودور فاغنر في ليبيا ونظرة موسكو لها جزء من فضاءات تنفيذ الإستراتيجية الروسية في إفريقيا.  

حفتر في قلب المشكلة

تحدثت  صحيفة “وول ستريت جورنال” عن  دعم القائد العام للجيش التابع لمجلس النواب خليفة حفتر ودولة مصر، لطرفي النزاع في السودان .وأشارت الصحيفة إلى أن الزعيم العسكري الليبي، والجيش المصري، أرسلا دعما لكل من قائد الجيش السوداني الجنرال عبد الفتاح البرهان، ومنافسه قائد الدعم السريع، محمد حمدان دقلو. وأكدت الوول ستريت جورنال  أن خليفة حفتر أرسل طائرة واحدة على الأقل محملة بالمساعدات لقوات الدعم السريع، مضيفة أن الجيش المصري أرسل طائرات وطيارين لدعم الجيش السوداني. وتعلّق الصحيفة أن تدخل أطراف من الخارج قد يؤثر على جهود الأمم المتحدة والولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين.

من جهته نفى حفتر صحة تقديمه أي نوع من الدعم لأي طرف من أطراف الاشتباكات الدائرة في السودان، وذلك ردا على ما نقلته “وول ستريت جورنال”. وقال حفتر -في بيان- “القيادة العامة تنفي نفيا قاطعا صحة ما تناولته بعض وسائل الإعلام الرخيصة والمأجورة بقيام القوات المسلحة العربية الليبية بتقديم الدعم لطرف ضد الطرف الآخر” في السودان، داعيا إلى ضرورة الوقف الفوري للاقتتال بين الأطراف السودانية، وإلى أهمية توفير الظروف المناسبة للتهدئة وتغليب المصلحة الوطنية، مؤكدا استعداده للوساطة بين الأطراف المتحاربة. ودعا حفتر إلى تشكيل لجنة مشتركة من جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي لبذل مساعي وقف إطلاق النار والتوصل إلى تهدئة للخروج من الأزمة.

وكأول تسريب بعد نفي حفتر، كشفت صحيفة الغارديان البريطانية أن من وصفته بأمير الحرب الليبي خليفة حفتر ساعد في إعداد قوات الدعم السريع للمعركة في الأشهر التي سبقت اندلاع العنف المدمر في 15 أبريل. وأضافت الصحيفة أن تدخل حفتر يثير مخاوف من صراع طويل الأمد في السودان تغذيه مصالح خارجية، مشيرة إلى أن جهات فاعلة وقوى إقليمية متعددة تخوض حربًا بالوكالة في السودان.

زيارة نجل خليفة حفتر، الصديق، للعاصمة السودانية قبل أيام قليلة من اندلاع المواجهات حركت نوازع التوقعات من أن الابن كان مبعوثا خاصا من قبل الأب لإيصال رسائل تتعلق بخطط قوات الدعم السريع للانقضاضا على الجيش والتفرد بالحكم في البلاد. وأشارت مصادر إعلامية إلى تبرع “الصديق حفتر” بمليوني دولار لنادي المريخ، مضيفة أن النادي مرتبط بحميدتي الذي ساعد في إصلاح ملعبه، قائلة إن “حميدتي” استضاف نجل حفتر بعد الإعلان عن الدعم المالي لصالح نادي المريخ. وصدر بيان عن الصديق حفتر ينفي تماما صلته بالأحداث الدامية في السودان كما نفى صحة ما شاع عن تقديم دعم مالي لنادي المريخ، وقلل من لقائه بحميدتي مؤكدا أنه جاء في سياق رياضي بحت.

حفتر وحميدتي.. أي علاقة؟  

علاقة المشير خليفة حفتر بالفريق حميدتي قديمة وتغلب عليها المصلحة المشتركة، وتحدثت مصادر، لم يتسن التأكد منها، عن تشبيك بين الطرفين يتعلق بتأمين خطوط التهريب وهي التجارة الرائجة جنوب شرق البلاد حيث تهريب  البشر والذهب، بالإضافة إلى نشاط تتدخل فيه مجموعات محسوبة على الطرفين فيما يعرف بمثلث السالفادور (المنطقة الحدودية الصحراوية بين ليبيا-الجزائر-النيجر) وهو خط تهريب رائج جدا.

من جانب آخر، كان حميدتي عونا لحفتر في تجنيد المرتزقة من السودان الذين شاركوا معه في القتال خلال عدة معارك حساسة وفاصلة بالنسبة لحفتر في منطقة الحقول والمواني النفطية والحرب على العاصمة طرابلس.

تحليلات ذهبت إلى أن ما ذكر من دعم حفتر لحميدتي هو بطلب وإيعاز إماراتي وروسي، ورغم عدم وضوح الرؤية فيما يتعلق بمواقف وانحيازات الأطراف الإقليمية في الصراع السوداني، إلا أن هناك مؤشرات على تقاطعات سلبية في سياسة الإمارات والسعودية ومصر في السودان اليوم، فمعلوم الدعم السعودي والمصري للجيش السوداني، وهو ما لا تشارك فيه الإمارات مشاركة صريحة.   

أزمة السودان والعلاقة بين حفتر ومصر

العلاقة بين خليفة حفتر ومصر لا تبدو بحال جيد وتراجعت نسبيا بعد الفورة التي شهدتها بين عامي 2014 و2020م، وتشكل أزمة السودان اليوم إضافة جديدة إلى أسباب الفتور النسبي بين حفتر ومصر، فرغم نفي حفتر دعمه لحميدتي إلا أنه أميل إليه من قيادة الجيش السوداني،  فيما يعارض حميدتي السياسية الخارجية المصرية المتعلقة بأمنها القومي واتجاهها لتحجيم دوره وتعزيز مكانة الجيش في البلاد، وتكشف ملفات عدة مدى التوتر بين قائد قوات الدعم السريع والقاهرة، تجاوزت قضايا الداخل السوداني إلى مصالح مصرية كبرى من أهمها النزاع المصري الأثيوبي حول سد النهضة.  

وتتجه بعض التحليلات نحو الإشارة إلى تحفظ حفتر على السياسة المصرية تجاه الأزمة الليبية التي تحولت من الدعم المطلق لحفتر إلى موازنة تكشف تراجع الحماس المصري عن الاندفاع غير المحسوب لعمليات حفتر العسكرية في البلاد، وأن تباين المواقف بين حفتر والقاهرة حول الملف السوداني يأتي في سياق الضغط على النظام المصري للعودة إلى الموقف السابق.

من ناحية أخرى، ربما يكون موقف حفتر له علاقة بالرغبة في التحول من قوة محلية إلى لاعب إقليمي يستغل موارده العسكرية والمساحات التي يسيطر عليها لتحقيق مكاسب سياسية ومنفعة اقتصادية، ما يجعل التنبوء بداوفع تحركاته ينحصر بين خيار الارتباطات الدولية لحفتر سواء أكانت روسية أم إماراتية أم خيار الانتفاع الاقتصادي المباشر من خطوط التهريب بين ليبيا والسودان والعلاقة بحميدتي التي تبدو متداخلة المنافع سواء على الصعيد الاقتصادي أو تجنيد المقاتلين والمرتزقة ما ساهم بشكل فعال في التقدم الميداني لحفتر في مرات عديدة.

حكومة الوحدة الوطنية والأزمة السودانية

أن يكون حفتر حاضرا في المشهد السوداني هذا يعني أن الأطراف السلطوية في الشرق الليبي لا مكان لها في التأثير على اتجاه الصراع، بالمقابل لم يتضح موقف حكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دوليا، من الأزمة، إلا الاقتصار على الدعوة لوقف القتال والحوار. غير أن الحرب السودانية ستكون ذات مردود خطر على ليبيا في حال توسعت وتعاظم دور الخارج في تأجيجها، فالأراضي الليبية في الجنوب يمكن أن تكون مناطق تحريك للصراع السوداني وقد تصبح مركزا للتجمع والانطلاق للداخل السوداني، فليبيا هي المنطقة الرخوة الأقرب للسودان، ووجود كيانات عسكرية سودانية بالأراضي الليبية سيجعلها جزءا من الأزمة، غياب الموقف الحكومي الجاد يكشف عن مدى ضعف حكومة الوحدة الوطنية وبعدها عن مناطق التأثير في الأزمة السودانية وتداعياتها على البلاد.

الخلاصة 

يمضي مشهد الاقتتال في السودان إلى حالة أقرب ما تكون إلى معركة استنزاف قد تطيل النزاع وتوسع رقعته الجغرافية، كما يبدو أن كل طرف من الطرفين ينشط داخليا بفعل تحفيز من الخارج وتأييد دولي وإقليمي يتجاوز الغطاء السياسي إلى الدعم المادي.

صحيفة وول ستريت جورنال والغارديان ومصادر أخرى أكدت عبر استعراض صور ومعلومات استخباراتية عن  وصول دعم مباشر من حفتر إلى قوات الدعم السريع، ونفي حفتر قد يعني أنه أحس بخطر التورط في الأزمة السودانية عبر دعم من يعتبرهم الجيش السوداني ميليشيات، وهو الموقف الذي تدعمه فيه أطراف دولية وإقليمية عديدة، وإذا ترجح أن موقف حفتر شديد الصلة بمواقف موسكو وأبوظبي وأنهما ماضيتان في سياساتهما هذه فسيكون وضع حفتر حرج جدا وخياره بالاستمرار أو التوقف صعب لما سيترتب على هذا الموقف أو ذاك من نتنائج غير مرضية بالنسبة له، فإرضاء موسكو وأبوظبي يعني خسارة القاهرة والرياض، والعكس هو الصحيح.