جاءت إحاطة المبعوث الأممي الخاص عبد الله باتيلي في ظروف سياسية يكتنفها الإحباط وبعد فشل المجلسين، النواب والأعلى للدولة، في التوافق حول متطلبات إجراء الانتخابات ومخرجات لجنة 6 + 6 التي أعلنت عن قوانينها في بوزنيقة دون أن تتم المصادقة عليها من مجلس النواب أو اعتمادها من رئيسه عقيلة صالح، و هو ما أعطى إشارات أن الانتخابات لا تزال بعيدة خصوصا أن إحاطة المبعوث الأممي أمام مجلس الأمن لم تكن كإحاطته السابقة التي كانت واضحة المعالم وجازمة فيما يتعلق بإجراء الانتخابات وآلياتها والإطار الزمني لها.
إحاطة باتيلي
في إحاطته أمام مجلس الأمن أكد المبعوث الأممي عبد الله باتيلي عن أن توصل لجنة 6+6 إلى قوانين الانتخابات الرئاسية والنيابية غير كافي لإجراء الانتخابات على أسس متينة خصوصا وأن الخلاف حول بعض القوانين التي انتجتها اللجنة لا يزال قائما بين الأطراف الفاعلة. وكان باتيلي قد أشار إلى أربع مسائل رئيسية مثلت اشكالا في القوانين الجديدة هي : شروط الترشح بالنسبة للمتقدمين للانتخابات الرئاسية، والاحكام التي تنص على جولة ثانية إلزامية من الانتخابات الرئاسية حتى لو حصل المترشح على أكثر من %50 من الأصوات في الجولة الأولى، وأيضا الاحكام التي تنص على عدم إجراء الانتخابات البرلمانية في حال فشلت الجولة الاولى من الانتخابات الرئاسية، وكذلك الاحكام الخاصة بتشكيل حكومة مؤقتة جديدة قبل إجراء الانتخابات.
وأضاف باتيلي إن على الأطراف الليبية إعلاء مصالح الشعب الليبي بالاتفاق على المسائل الخلافية والمضي قدما، وأشار باتيلي إلى أنه في ظل غياب اتفاق سياسي واضح سيتعذر إجراء الانتخابات، بل قد يتفاقم الوضع وتنزلق البلاد إلى أزمة سياسية جديدة. وتطرق المبعوث الأممي إلى مسألة تشكيل حكومة بديلة مؤكدا أن تشكيل حكومة يتطلب اتفاقا سياسيا جديدا كونها مسألة محل نزاع كبير بين الفرقاء الليبيين.
قد يفهم من كلام باتيلي أنه ربما يتجه إلى تدشين اتفاق سياسي جديد تدعى الأطراف السياسية الرئيسية إليه، وأن لغة الثقة والجزم التي تحلت بها كلمة المبعوث الأممي في إحاطته السابقة لم تفلح في حث الأطراف الليبية على إنجاز استحقاقات الانتخابات ما يؤكد فشل خيار البعثة الأممية في التعويل على الأطراف السياسية الليبية الحالية منفردة.
عليه من غير المستبعد أن تلجأ البعثة إلى مسار مختلف لكن ليس قبل إعطاء فرصة أخرى للمجلسين لإتمام التوافق حول القوانين والحكومة التي تشرف على تنفيذ الانتخابات، وفي حال تعذر الاتفاق قد يطلق باتيلي، بدعم دولي، مسار حواري وعملية سياسية لإنتاج خارطة طريق جديدة.
تموقع الأطراف المحلية
بالرغم من التسريبات التي تحدثت عن عدم رضا حفتر عن تأخير اعتماد القوانين الانتخابية، فقد تناقلت بعض المصادر المطلعة أن رئيس مجلس النواب عقيلة صالح لم يتمكن من ركوب طائرته المتوجهة إلى المغرب إلا بعد مرافقة بالقاسم حفتر له في الرحلة، وأن الأخير هو المسؤول عن إخفاق المجلس في التوقيع على القوانين الانتخابية بسبب التحفظ على المادة المتعلقة بمزدوجي الجنسية.
بالرغم من ذلك فقد أصدر حفتر بيانا قبيل إحاطة المبعوث الأممي يبارك فيه جهود لجنة 6+6 مطالبا بتشكيل حكومة تكنوقراط تشرف على الانتخابات، ويفهم من البيان أن حفتر يتماهى مع المسار السياسي ولا يقف حجر عثرة أمامه، كما فهم البعض أن البيان يأتي في سياق أعلان موقف من تعثر المحادثات بين ممثلين عنه وأخرين عن عبدالحميد ادبيبة بخصوص التوافق على إعادة تشكيل الحكومة، فقد تحدث تلك المصادر عن رفض مطالب حفتر في التمثيل الوزاري من قبل حكومة الوحدة، حيث اشترط حفتر تسمية من سيشغلون وزارة الدفاع والمالية والخارجية والتخطيط.
وضع حكومة الوحدة الوطنية صعب بالنظر إلى تصريحات باتيلي ومواقف رئاسة النواب والأعلى للدولة وما ورد في بيان القيادة العامة بخصوص النزاع الحكومي. إذ لم يبدي باتيلي في إحاطته اعتراضا على فتح ملف التغيير الحكومي، كما أن حديثه عن الإطار السياسي الجديد ينهي حكومة الوحددة الوطنية في حال تمريره، ذلك أن ملف الحكومة بات أساسيا للاستمرار في التوافق على القوانين الانتخابية، وأن المباحثات القادمة حول مراجعة مخرجات لجنة 6+6 ستأخذ في الاعتبار مستقبل الحكومة الحالية والبديل عنها، ولا يعني هذا إبعاد حكومة الوحدة الوطنية ورئيسها ادبيبة عن المشاركة في وضع الإطار العام لأي اتفاق جديد كونها باتت طرفا فاعلا في المشهد السياسي الليبي.
إحالة رئيس مجلس الأعلى للدولة خالد المشتري القوانين الانتخابية إلى المبعوث الأممي قبيل الإحاطة بساعات فيها دلالة على التوجس من إحاطة باتيلي، والتأكيد على سلامة موقف الأعلى للدولة ورئيسه من المسار السياسي الراهن ومخرجاته، والخشية من أن ينخرط باتيلي في قادم الأيام في إجراءات تفقد المجلسين زمام التحكم في العملية السياسية و احتكار رسم مسار الانتخابات.
تركيا ومصر في قلب المعادلة
تحدثت صحيفة مدى مصر عن أن زيارة رئيس المخابرات المصرية عباس كامل كانت لغرض التهدئة بين حفتر وعقيلة صالح وحماية مجلس النواب ورئيسه من ضغوط أبناء حفتر. ما يؤكد أن هناك خلافا بين قطبي الجبهة الشرقية اللغة التي تحدث بها عقيلة صالح عن الهجوم على العاصمة عام 2019 ووصفه بالخدعة في مناسبة استقبل فيها وفدا من المنطقة الغربية. يضاف إلى ذلك قرار إيقاف فتح بشاغا وإحالته للتحقيق والذي كان محركه الرجمة وتم بتجاوز عقيلة صالح الذي تغيب عن الجلسة تعبيرا عن عدم رضاه على القرار.
علاقات حفتر الخارجية المتعددة تسمح له بهامش محدود للمناورة، ويبدو أنه تحصل على فسحة إضافية في التحرك مع تفجر الحرب في السودان وانحياز حفتر لطرف تتحفظ عليه القاهرة لكنه يحظى بتأييد الإمارات في موقفه، والأخيرة أكثر فائدة لحفتر في هذه المرحلة وهو يواجه أزمة تمويل.
الحملة ضد المهاجرين غير النظاميين المصريين وطردهم إلى الحدود المصرية بشكل أثار حفيظة المنتظم السياسي والإعلامي المصري أضافت إلى مؤشرات توتر العلاقة بين الطرفين، إلا أنه من المجازفة القول أن حلف الرجمة والقاهرة يتجه إلى تفكك، كما أن التدخل المصري لصالح عقيلة يأتي في سياق الحفاظ على التوازن في جبهة المنطقة الشرقية التي تعد أكثر تماسكا مقارنة بمثيلتها في المنطقة الغربية، وربما هذا ما يفسر قدوم رئيس مجلس النواب وأعضائه إلى حفتر في مقر قيادته في محاولة لرأب الصدع ومنع تفاقم الشرخ.
التقارب المصري التركي مرشح للتطور في حال استجابت القاهرة لدعوة رئيس الجمهورية التركية لنظيره المصري لزيارة تركيا لأول مرة منذ عقد من القطيعة السياسية بين البلدين، وبرغم تلكأ المصريين إلا إنهم أبدوا استعدادا لطي صفحة الماضي والتفاعل الإيجابي مع الاهتمام التركي لتحسين العلاقات مع مصر، لذا من المحتمل أن تقدم أنقرة تنازلات للقاهرة قد يكون بعضها متعلق بالنزاع الليبي.
الخلاصة
مع فشل الاتفاق على القوانين الانتخابية وتغير الظروف الدولية عما كانت عليه إبان إحاطة المبعوث الأممي السابقة فإن المشهد متوجها بشكل أكثر وضوحا نحو جمود يعقبه حراك سياسي واستدراك على قصور المسار الراهن من قبل المجلسين، على أن تكون البعثة جاهزة لإطلاق مسار سياسي ينتج خارطة طريق، كما أن اتفاقا سياسيا جديدا يعني بالضرورة أن مستقبل حكومة الوحدة الوطنية سيكون على المحك.
من جانب آخر فإن التقارب المصري التركي سيلقي بظلاله بشكل أو بآخر على العملية السياسية الليبية بالرغم من تصدع الجبهات الداخلية المنطقة الشرقية والغربية وصعوبة التحكم في زمام الوضع الميداني بعد تنامي الطموح السياسي لكل طرف على حساب الآخر.
وفي النهاية سيظل مستقبل الانتخابات معلقا على الظروف الدولية والضغط الأمريكي الذي يبدو أنه حالة تأرجح نتيجة تغير المعطيات الدولية على ما كانت عليه في الربع الأول من العام الجاري.



