Skip to main content

أودع عدد من  قادة النظام السابق من سياسيين وعسكريين وأمنيين السجون العام 2011م، وجعلت الحكومة المؤقتة برئاسة عبد الرحيم الكيب من أولوياتها جلب من فر خارج البلاد ممن كان له سجل في الانتهاكات التي وقعت فترة الثورة وقبلها، واستلمت  عبد الله السنوسي والساعدي القذافي والبغدادي المحمودي وعبد الله منصور من دول الجوار، النيجر وتونس وتشاد وموريتانيا، وعرضوا على النيابات التي حولتهم إلى المحاكم، إلا أن المحاكمات تعطلت، وصدرت أحكام أثارت سخط ذوي الضحايا خاصة ملف سجناء بوسليم، وبحسب مراقبين فإن ملف قيادات النظام السابق في السجون خضع للحسابات السياسية.

محاكمات رموز النظام وقادته 

محاكمة رموز النظام كانت ملفا مركزيا ومثل إجماعا بين أنصار فبراير، ذلك أنهم بالإضافة إلى ما تورطوا فيه خلال فترة حكم القذافي، كانوا ضالعين في مواجهة الانتفاضة ضد النظام وقادوا عمليات المواجهة وخطط إخماد الثورة، وصحب ذلك أعمال قمع واسعة وممارسات دموية ترتقي لأن تكون جرائم حرب وذلك بالنظر إلى عدد الضحايا وحوادث التصفية الميدانية التي انتهجتها كتائب النظام، وقد حاجج محامون وحقوقيون بقولهم إن الادعاء العام وضع جل تركيزه في اتهام قادة النظام السابق بخصوص قمع وقتل المتظاهرين ولم يُنظر بالشكل الكافي للقضايا المتعاقبة طوال 40 عاما من حكم العقيد التي تخللتها انتهاكات خطيرة.

قضية بوسليم شغلت الحيز الأكبر من الاهتمام -وهي القضية التي أسهمت إسهاما كبيرا في تحريك الرأي العام في 2011م- وكانت القضية الأبرز ضمن القضايا التي يحاكم فيها قادة  سبتمبر، ورغم توفر الشهود والأدلة ونتائج التحقيقات التي تضمنت اعترافات كاملة، فإن القضاء لم يحسم في القضية  واستمر في تأجيل الحكم عدة سنوات ليُحكم بعدم الاختصاص ثم صدر الحكم بانقضاء المدة القانونية للشكوى وسقوط الحق بالتقادم برغم التشريعات النافذة من المؤتمر الوطني العام التي نصت على عدم سقوط جرائم النظام بالتقادم.

مراقبون رأوا أن القضاء في عدة محطات كان اختبارا حقيقيا للدولة بعد العام 2011م التي لم تفلح في تطوير المنظومة القضائية لتستجيب وتتفاعل مع النوازل والتحديات التي ظهرت، وقد صدرت أحكام بالإعدام في حق رموز النظام البارزين، إلا أن نقضها كان يتم عبر الاستئناف أو عبر المحكمة العليا، والخلل بحسب أهل الاختصاص يعود أولا إلى التشريعات والقوانين النافذة وإلى إصرار القضاة على تغليب حرفية النص على روح القانون، فقضية مثل جريمة سجن بوسليم التي راح ضحيتها ما يزيد عن 1200 سجين قتلوا بالرصاص الحي داخل السجن بعيدا عن القضاء والقانون ودفنوا في ساحته ولم يبلغ ذووهم إلا بعد 6 سنوات من تصفيتهم، لا يصلح أن تنتهي بسقوط الجريمة بدعوى التقادم. 

الإفراج الصحي بين القانون والسياسة

الإفراج الصحي هو إجراء تختص به وزارة العدل والنيابة العامة ويتم بإشراف لجنة طبية مستقلة  تؤكد عدم إمكانية علاج المتهم أو المدان خلف القضبان، فيحال إلى مكان يتيسر معه التداوي وفق قيود ضابطة، منها عدم السماح للمفرج عنه بالسفر، وهو ما لا يتم في الحالات المذكورة تاليا، بل وفرت الحكومة إجراءات السفر وإصدار الجوازات والترتيبات اللازمة للإقامة في الخارج كما جرى مع كل من الساعدي القذافي وبوزيد دوردة ومنصور ضو وعبد الله منصور.

الخلل في إدارة الإفراج لدواع صحية كان جليا مع أبوزيد دوردة الذي شغل مناصب رئيسية إبان حكم القذافي، منها منصب رئيس الوزراء ووزير الخارجية ومندوب ليبيا في الأمم المتحدة لينتهي به المطاف رئيسا للاستخبارات وشارك في قيادة عملية قمع الثورة، وأفرج عنه لداوع صحية ولعدم إمكانية علاجه داخل السجن ليغادر البلاد إلى تونس ويخرج في مقطع مرئي مؤيدا حفتر في أعماله العدائية التي منها الهجوم على العاصمة، ومتهما من يعارضه بالإرهاب والعمالة.

البغدادي المحمودي الذي كان آخر رئيس وزراء في عهد القذافي وسجلت له مقاطع صوتية إبان الثورة كانت كافية لإدانته أفرجت عنه وزارة العدل “استجابة لاعتبارات الرأفة والرحمة الإنسانية التي تشكل جوهر مبادئ حقوق الإنسان  مؤكدة أن الإفراج الصحي  لا يعني إنهاء للمتابعة القضائية للمعني أو فصل في التهم المنسوبة إليه”، لكن مغادرته البلاد جعلت مسألة المتابعة القضائية وإنفاذ القانون وتطبيق العدالة بعيدة المنال.

يذهب العديد من المراقبين إلى أن هذه الإفراجات جاءت في سياق التدافع السياسي وبحث النافذين في الدولة عن أنصار وحلفاء، والانفتاح على مسؤولين زمن النظام السابق ممن لم يعتقلوا أو يدانوا وأصبحوا ضمن  التركيبة الوزارية في حكومة الوفاق الوطني وحكومة الوحدة الوطنية، وكذلك إبداء لحسن النوايا فيما يتعلق بملف “المصالحة الوطنية”، وتماشيا مع قرار العفو العام الذي أصدره مجلس النواب، مع أن العفو النيابي كان مقيدا بعدم التورط في جرائم أو انتهاكات، وأيضا استجابة لردة الفعل تجاه الإجراءات التي اتخذت ضد المنظومة السابقة وكوادرها عبر لجنة النزاهة الوطنية وقانون العزل السياسي الذي أقره المؤتمر الوطني العام عام 2013.

حكومة الوحدة الوطنية وقادة النظام السابق 

نشط ملف الإفراج عن قادة النظام السابق بعد تولي عبد الحميد الدبيبة رئاسة حكومة الوحدة الوطنية وشهدت فترة حكومته إطلاق سراح الساعدي القذافي وأحمد رمضان قلم معمر القذافي وعبد الله منصور القيادي الأمني السابق الذي يتهمه محامو ضحايا حادثة بوسليم وأهاليهم أنه متورط تورطا مباشرا في عملية القتل الجماعي التي حدثت. كما اتخذت إجراءات عديدة في السياق ذاته كرفع الحراسة على أبناء القذافي وأسرته وقادة النظام السابق، والإبقاء على بعض من عملوا في وظائف عليا في النظام السابق  في مناصب حيوية في الحكومة والمؤسسات التابعة لها.

تأسيسا على تلك الخطوات والإجراءات ذهبت آراء إلى التأكيد على أن الدبيبة يحن للماضي ويتعاطى مع ملف النظام السابق من منطلق أيديولوجي وروح الانتماء للمنظومة القديمة، غير أن وقائع عدة تشير إلى أن الملف بالنسبة للدبيبة سياسي بامتياز والميزان فيه هو المصلحة، ومن ذلك موافقته على تسليم بوعجيلة مسعود، ضابط المخابرات السابق في نظام القذافي، للولايات المتحدة.

كما أن تواصله الفعال مع قيادات محسوبة على فبراير مثل المفتي الصادق الغرياني الذي ينظر له بعداء شديد من قبل النظام السابق، واستجابته لمطالب قوى فبراير ودعمه السخي للاحتفال بذكرى الثورة يدل على أن ملف قيادات النظام السابق خاضع لدى الدبيبة للحسابات السياسية والمصلحية، فمن يتعاطى مع ملف النظام السابق بروح الانتماء والنزوع العقدي لا يمكن أن يتعامل مع النقيض له بجلال وكرم وسخاء. وهو ما دعا كثيرين للقول بأن الإفراج عن قيادات النظام السابق يعد حملة انتخابية مبكرة لرئيس حكومة الوحدة ضمن أنصار الفاتح من سبتمبر وهم شريحة واسعة، وباعتبار أن مشاركة سيف الإسلام القذافي في الانتخابات الرئاسية غير راجحة بسبب الملفات القضائية والموقف الدولي منه ما يجعل تيار سبتمبر وحواضنهم الاجتماعية كتلة تصويتية مهمة للدبيبة.

الخلاصة

منذ أن بدأت الإفراجات عن رموز النظام السابق شابت إطلاق سراحهم شوائب قانونية، كون الإفراج الصحي لا يعني بأي حال من الأحوال الحرية أو البراءة، كما أن السياسة دخلت خط القانون والحقوق والمظالم فضيّعتها.

ولأن الاستناد على ملف المصالحة الوطنية كان ضمن مبررات الإفراج عن سجناء النظام السابق، فقد كانت ردود الفعل منددة من قبل حقوقيين، ذلك أن المصالحة الوطنية برأيهم لا تتم إلا من خلال تحقيق العدالة الانتقالية التي تتضمن محاسبة المتورطين في الجرائم وجبر ضرر الضحايا وذويهم، الأمر الذي لم يقع.

من انتقدوا هذه الخطوات والإجراءات تحدثوا عن الازدواجية في التعامل مع ملف السجناء بالعموم، إذ يقبع بحسب منظمات حقوقية ونشطاء حقوقيين عشرات من المعتقلين بتهم سياسية وأمنية لم يُبتّ فيها، ولم يُحلْ المتهمون فيها إلى التحقيق أو المحاكمة، والعديد منهم مرضى، وكان المفترض، حسب هؤلاء، إعمال نفس الإجراءات والأخذ بنفس المبررات للإفراج عنهم، أما والحال أنهم خارج دوائر الاهتمام، فإن الادعاء بأن أسبابا صحية أو دواعي المصالحة هي التي كان وراء الإفراج عن قيادات النظام السابق هو ادعاء واهٍ، وأن الانتقاء لا يدعم العدالة والتجرد في التعامل مع الملفات الحساسة، وسيكون على حساب الاستقرار والوئام في البلاد.