مع انقضاء الأسبوع الثالث لاستضافة المغرب مشاورات لجنة 6+6، أُعلن إتمام القوانين الانتخابية واعتمادها بالإجماع من قبل أعضاء اللجنة المشتركة بين مجلسي الدولة والنواب.
إلا أن إعلان توافق اللجنة المشتركة واختتام أعمالها بإتمام قوانين انتخابات مجلس الأمة والرئاسة جوبه برفض من مجلسي النواب والدولة، وكان من المرتقب حضور عقيلة صالح وخالد المشري مراسم الإعلان، إلا إنهما غادرا دون تأكيد دعمهم لمخرجات اللجنة.
مخرجات لجنة 6+6
تعتبر لجنة 6+6 إحدى أبرز نتائج إحاطة المبعوث الأممي عبد الله باتيلي أمام مجلس الأمن في فبراير الماضي، فقد لوح المبعوث الأممي في إحاطته بأن البعثة ستشكل لجنة تسييرية رفيعة المستوى لإنجاز استحقاقات الانتخابات، إلا أن التعديل تقاطع مع خطة باتيلي في إنجاز قوانين انتخابية، وقد جرت لقاءات أعضاء اللجنة برعاية مغربية في مدينة بوزنيقة بعد لقائين أجريا في العاصمة طرابلس.
خلصت لجنة 6+6 في بوزنيقة إلى الإعلان عن توافقها حول قانوني انتخابات مجلس الأمة والرئاسية، كما من ضمن توافقاتها ألا يستهدف أحد من الشخصيات الجدلية بالإقصاء من الانتخابات، كما توافقت أن تكون انتخابات مجلس الأمة لاغية في حال تعذر القيام بانتخابات رئاسية.
وفي سابقة هي الأولى من نوعها، نص قانون الانتخابات الرئاسية على ضرورة مرور المرشحين بجولتين مهما كانت النسبة التي فاز بها أي مرشح، والغاية هي تيسير تنازل مزدوجي الجنسية عن جنسياتهم الأجنبية في حال مرورهم للجولة الثانية بدل أن يكون التنازل عن الجنسية الأجنبية مقرونا بالترشح من الأساس.
ونصت المادة 4 في بند الترشح للانتخابات الرئاسية على أن المرشح يعد مستقيلا بـ”قوة القانون” من وظيفته بمجرد تشرحه سواء أكان مدنيا أم عسكريا.
وبذلك تكون اللجنة قد تجاوزت الخلاف حول المسائل التي عرقلت التوافق بين المجلسين بخصوص القوانين الانتخابية لأكثر من عام ونصف، وهي وضع المترشحين من مزدوجي الجنسية والعسكريين.
ردود الفعل على عمل لجنة 6+6
61 عضوا من مجلس النواب استنكروا في بيان لهم ما وصفوه بـ”تجاوز اللجنة للأعمال الموكلة لها” معللين رفضهم بزيادة أعضاء مجلس النواب الجديد محملين المسؤولية لرئيس مجلس النواب ونائبيه، وذلك بعد أن اتفاق اللجنة على زيادة 97 مقعدا لمجلس النواب وتشكيل مجلس للشيوخ يضم تسعين عضوا.
كما أصدر 54 عضوا من أعضاء مجلس الدولة بيانا يرفضون فيه مخرجات اللجنة باعتبارها باطلة وغير دستورية حسب توصيفهم داعين مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والمنظمات لرفضها.
بقراءة أولية بدا لكثيرين أن استمرار تعثر المسار السياسي الذي كان عنوانه مؤخرا رفض أعضاء المجلسين لمخرجات اللجنة هو رغبة بالبقاء في المشهد والمحافظة على الامتيازات المقترنة بعضوية المجلسين؛ إلا أن النظر بعين فاحصة للمشهد السياسي الحالي يكشف أن رفض كتلة النواب لمخرجات اللجنة هو تعبير سياسي واضح لصوت حفتر الذي ظل حاضرا في المجلس عبر الكتلة الأكبر التي قامت قبل فترة وجيزة بإيقاف رئيس الحكومة المكلفة بديلا عن حكومة الوحدة الوطنية، فتحي باشاغا، وإحالته للتحقيق.
التحفظ على مخرجات لجنة 6+6 تزامن مع حديث عن تقارب بين حفتر والدبيبة وقرب توصلها إلى اتفاق يقضي بتعديل وزاري في حكومة الوحدة لتستوعب وزراء ممثلين عن حفتر، وهو سياق يبدو أنه يحظى بتأييد دولي خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية التي ترى أن هذا النوع من التفاهمات هو الأنسب على فرض حالة من الاستقرار الحكومي لتجري الانتخابات تحت إشرافها دون تهديدات أمنية، كما أن الطرفين هما الأقدر على تعطيل الانتخابات، ما يعني أن اتفاقهما يرجح من احتمالية إجراء الانتاخابات ونجاحها.
موقف البعثة الأممية
موقف البعثة يعبر عن حالة من الارتباك بل والتناقض بعد أن شجعت ابتداء عمل اللجنة ورعت حواراتها ثم بعد الوصول إلى اتفاق واضح المعالم عبر قانون انتخاب مجلس الأمة وانتخاب رئيس الدولة أبدت البعثة تحفظها ابتداء بعدم حضور رئيسها مراسم الإعلان في بوزنيقة وانتهاء ببيانها الذي تحفظت فيه على النتائج مطالبة أعضاء اللجنة بمزيد من التوافق مع مختلف المؤسسات الليبية ومعلنة إطلاقها مشاورات بغية معالجة قصور القوانين كما ورد في البيان.
وهو بيان يثير التساؤل خصوصا أن عمل اللجنة هو عمل فني بحت يختص بصياغة القوانين بالتوافق بين أعضائها كما نص التعديل الدستوري الثالث عشر.
يمكن اعتبار موقف البعثة نابعا من إدراكها لأثر رفض الأطراف الرئيسة النافذة في البلاد للقوانين الجدية وقدرتها على التشويش على توافق لجنة 6+6، خصوصا خليفة حفتر، فقد تأكد أن تحفظ عقيلة صالح على القوانين تعلق بمسألة تحدد مصير حفتر في العملية الانتخابية وهو توقيت التخلي عن الجنسية الأمريكية، وهل يكون قبل خوض الجولة الثانية من الانتخابات كما جاء في قانون الانتخابات الرئاسية الذي توافقت عليه اللجنة، أما بعد فوز المرشح مزدوج الجنسية كما يطالب حفتر وأنصاره فقد تأخر عقيلة صالح في الذهاب إلى المغرب ليحضر بعد ذلك رفقة نجل حفتر بالقاسم المسؤول عن الاتصال السياسي بالــ”القيادة العامة”.
مصادر عدة تحدثت عن ضغط مارسه نجل حفتر على عقيلة صالح فيما عرف بالنقاط التسع، على رأسها مسألة الجنسية الأجنبية وربط التنازل عنها بالإعلان عن الفوز بمنصب الرئيس فكانت النتيجة الموقف السلبي لصالح من أعمال اللجنة ومغادرته بوزنيقة دون المشاركة في مراسم الإعلان كما كان مقررا.
مستقبل الانتخابات
كان المتوقع أن يعزز الخلاف الراهن حول قوانين الانتخابات مبادرة البعثة لإطلاق المسار البديل والمضي قدما في تفعيل لجنة باتيلي رفيعة المستوى التي أعلن عنها في إحاطته أمام مجلس الأمن في فبراير الماضي، غير أن بيان البعثة لم يتطرق لهذه المسألة، بل أشار إلى الحاجة لمعالجة القوانين التي توافقت عليها لجنة 6+6، ومن غير المستبعد أن يفعِّل باتيلي خطته إذا استمر الخلاف حول القوانين على أن تكون مخرجات لجنة 6+6 أساسا لعمل اللجنة رفيعة المستوى.
من جانب آخر فإن الخيارات المتاحة اليوم لمضي الانتخابات وإنجازها تبدو بعيدة في حالة استمرار التعويل على إجراء الانتخابات الرئاسية التي تبدو شبيهة بلعب القمار بالنسبة للأطراف المتصدرة التي تبدو في توجس وحذر. وبالنظر إلى المعادلة السياسية الليبية شديدة التعقيد، فإن إجراء الانتخابات الرئاسية تعني فوز واحد وخسارة مرشحين كثر، كما أن الفائز سيستحوذ على كل شيء وسيخسر الباقون ما حصدوه من مكتسبات في سابق الأعوام، بل قد يتعرضون للاستهداف.
إن ربط الانتخابات البرلمانية بالرئاسية، نجاحا أم فشلا، جعل العملية السياسية رهينة خيارات واشتراطات عدمية، كما أنها تكشف عن مدى الخلل في ركائز العملية السياسية التي ارتهنت لانتخابات يسمح فيها للمتجنسين بجنسيات أجنبية بالترشح وعدم تخليهم عن الجنسية الأجنبية إلا إذا تأكد فوزهم.
الخلاف حول مخرجات لجنة 6+6 واحتمال تعطيلها اقترن بحفتر، رغم أنها تقصي مرشحا مهما هو سيف الإسلام والقيد هو الحكم الصادر بحقه، وقد كان أنصار سيف الإسلام أقل جلبة وتحفظا، ربما لأن موقف حفتر وأنصاره يكفيهم عناء المعارضة، كما أن فرصة تجاوز هذا القيد متوفرة، فقد تحصل سيف الإسلام على شهادة الخلو من السوابق وحكم قضائي يبطل قرار المفوضية باستبعاده من الانتخابات التي كان مقررا إجراؤها في 24 ديسمبر 2021م.
بالنسبة لعبد الحميد الدبيبة فقد بدا وكأن الجدل الراهن لا يعنيه، وذلك لأن القوانين لا تقصيه من الترشح لمنصب الرئيس، فإن مضت الانتخابات فسيشارك وينافس بقوة، وإن تعثرت فهو باقٍ في منصبه ويتمتع بصلاحياته وامتيازاته، ويمكن أن يعزز من نفوذه عبر التفاهم مع حفتر.
ملف الانتخابات لم يعد ملفا محليا بل صار من أهم رهانات الأطراف الدولية على تسوية النزاع، وتكشف عن ذلك البيانات الصادرة عن البعثة الأممية والاتحاد الأوروبي والسفارات الغربية في ليبيا التي وحدت موقفها في التحفظ على مخرجات لجنة 6+6، وهو ما يعني أن موافقة الأطراف المحلية وتوافقها ليس كافيا لإجراء الانتخابات، بل إن الموقف الدولي من مسارها وقوانينها بات مؤثرا جدا.



