مقدمة
منذ حجب الثقة عنها من قبل مجلس النواب، لا تزال حكومة الوحدة الوطنية في وضع سياسي لا تحسد عليه خصوصا فيما يتعلق بالمشروعية السياسية وتمثيل القطاع الأوسع من الليبيين أو ما بات يطلق عليه في الأوساط السياسية بالـ “الحكومة الموحدة”.
وهو ما صرح به المبعوث الأممي عبدالله باتيلي في إحاطاته الاخيرة أمام مجلس الأمن إذ أكد حاجة الليبيين لحكومة موحدة قادرة على تنفيذ الانتخابات إذ أن الانقسام السياسي على الصعيد التنفيذي هو العائق الأكبر أمام إنجاز الانتخابات في أقرب فرصة ممكنة، وقد كان تأييد الولايات المتحدة عبر ممثلتها في مجلس الأمن لتصريحات باتيلي واضحا بالدعوة لإيجاد حكومة موحدة تمثل الأطراف السياسية الليبية قبل إجراء الانتخابات.
اليوم صار ملف التغيير الحكومي أكثر حضورا في المداولات بين الفرقاء السياسيين، وباتت البعثة أكثر تركيزا عليه بعد أن كانت تهمله، أو تعتبره مؤجلا إلى حين إنهاء الخلاف حول الاساس الدستوري والقانوني للانتخابات.
تطور الموقف الدولي بخصوص الحكومة
في السابق تركز حديث المبعوث الأممي عن كون الإجراءات المتعلقة بتغيير الحكومة وإيجاد بديل عنها في حاجة إلى إطار سياسي متفق عليه بين الأطراف السياسية الليبية. كما سبق أن ذكر أن وجود حكومة مستحدثة في المشهد السياسي الليبي يمد من عمر المرحلة الانتقالية وأن إيجاد حكومة جديدة ينبغي أن يرتبط بشكل مباشر بخارطة طريق تؤدي لإجراء انتخابات عامة في البلاد.
من جهة أخرى فإن تغييرا في المواقف الدولية وقع بخصوص الحكومة، ففي السابق تركزت التصريحات الصادرة عن ممثلي الولايات المتحدة حول التمسك بحكومة الوحدة الوطنية على أن تتفاوض مع مجلس النواب والأعلى للدولة والمجلس الرئاسي وحفتر للاتفاق على خارطة طريق لإجراء الانتخابات. جاء ذلك على لسان مبعوث واشنطن الخاص إلى ليبيا ريتشارد نورلاند الذي تحدث في السابق عن أن محاولات تغيير الحكومة بالقوة قد فشلت، وقد عزز كلام ريتشارد ما جاء على لسان مسؤولة ملف الشرق الأوسط في وزارة الخارجية البريطانية والتي أكدت حينها موقف بلادها الرافض لدخول ليبيا في مرحلة انتقالية جديدة مشددة على السعي الحثيث للمملكة المتحدة للمضي قدما للانتخابات. إلا إن كل ذلك تغير، وقد بات جليا أن واشنطن وحلفائها اليوم يريدون تغييرا حكوميا ويدفعون باتجاه الاتفاق عليه بين الفرقاء الليبيين.
حاول المجلس الرئاسي لعب دور لإذابة الجليد، وتحدثت مصادر مختلفة عن نيته رعاية حوار يدعى إليه كل من مجلس النواب ومجلس الدولة وحكومة الوحدة وحفتر وممثلين عن تيار النظام السابق والتيار الإسلامي، ويكون من ضمن أجندته الرئيسية التغيير الحكومي.
وقع ذلك بالطبع بدعم ورعاية أممية خلف الستار خصوصا بعد اتفاق رئيس المجلس الرئاسي مع كل من رئيس مجلس النواب وحفتر على الملكية الليبية للعملية السياسية ومقاطعة أي لجان خارجية تسعى للتأثير على العملية السياسية الليبية، وهو ما جعل الحوار الذي كان من المفترض أن يرعاه المجلس الرئاسي، محاولة لاستيعاب الأطراف التي أبدت موقفا سلبيا من البعثة، كما أنها تعطي البعثة المساحة الأوسع للمناورة والتأثير بطريق غير مباشر بعد فشلها في إدارة ملتقى الحوار السياسي في جنيف وعدم التوصل لحل بخصوص القاعدة الدستورية والقوانين الاانتخابية بسبب ضعف إدارة البعثة الأممية للقاءات جنيف. هذا إيضا تغير، وبدا أن المجلس الرئاسي أضعف من أن يمرر مبادرة تجمع جبهة الغرب مع جبهة الشرق وتتوافق على التغيير الحكومي، كما أن جهود البعثة اخذت أتجاها مغايرا اليوم.
حديث باتيلي عن تفاوض يجمع “الخمس الكبار” يعد تطورا في مقاربات تجاوز المختنق السياسي بعد أن أكد المجلس الأعلى للدولة رفضه التعديل على قوانين الانتخابات التي تم الإعلان عنها في بوزنيقة من قبل اللجنة المختصة، لجنة 6+6، غير أن التشدد من قبل بعض المعنيين بالحوار دفع باتيلي إلى فكرة طاولة الـ 15 والذين ينوبون عن الـ 5، وبرغم قابليتها للتنفيذ إلا إن ردود الفعل حيالها حتى الأن غير مشجعة، واكد باتيلي للأطراف الممتنعة أن التغيير الحكومي يمكن أن يتم التوافق عليه عبر هذه الألية.
جدل الحكومة والحراك العسكري والأمني
من جانب آخر فإن الجمود في المشهد السياسي يفسح المجال لدوي الرصاص، وهناك مؤشرات على إحتمال وقوع مواجهات جديدة يحركها أطراف من الغرب والشرق وأدواتها من الغرب الليبي، وهناك تحركات في المناطق الواقعة جنوب غرب العاصمة يمكن أن تشكل وقودا لحرب إذا أخفق الساسة في الاتفاق على القضايا الخلافية.
وتؤكد مصادر مطلعة أن التحركات العسكرية في بعض مناطق جنوب العاصمة هي بالأساس مناوئة لحكومة الوحدة ورئاستها، وسيكون أثرها أكبر في حال صارت مسألة التغيير الحكومي أساسية على طاولة البحث والتفاوض، وبالمقابل، فإن الضغوط العسكرية والامنية من أطراف مدعومة من قبل جبهة الشرق قد تكون لها ارتدادات عكسية، وتفهم على أنها وسيلة للضغط لتشكيل حكومة بشكل أحادي من طرف واحد أو تعزيز نفوذها فيها دون مراعاة للمشروعية السياسية التي تكتسب عبر التوافق، وأن هذا غير مقبول ولا يتحقق في ظل التهديد بالسلاح وتمسك أحد الاطراف بخيار فرض الإرادة بالقوة.
حكومة الوحدة في مواجهة الضغوط
رأى مراقبون في لقاء وزيرة خارجية حكومة الوحدة الوطنية مع وزير الخارجية الإسرائيلي في إيطاليا بأنه مناورة لتجنب الضغوط وفرض تغيير حكومي يسقط عبدالحميد ادبيبة وذلك من خلال دعم بقاء الحكومة ولو عبر البوابة الإسرائيلية للتأثير على صانع القرار الأمريكي حسب القراءة الكلاسيكية للسياسية الدولية من قبل النخبة السياسية الحاكمة في المنطقة. إلا أن الظرف الداخلي الصعب الذي تعانيه الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو خاصة بعد الحرب على غزة والاستياء الأمريكي منها أفقدت هذا الخيار فاعليته، إذ لم يظهر تغير في الموقف الأمريكي حيال حكومة الوحدة الوطنية، بل على العكس، فواشنطن لا تعارض خيار التغيير الحكومي.
رئاسة مجلس النواب راهنت على تغيير حكومة الوحدة بقوة ونجحت في جعل هذا الهدف حافزا للتفاهم حول قوانين الانتخابات مع المجلس الأعلى للدولة فترة رئاسة خالد المشري، وبعد إصدارها القوانين بات محور ارتكاز رئاسة النواب هو التغيير الحكومي، وأعلن عقيلة صالح مؤخرا عن تفاهمات مع باتيلي بهذا الخصوص، كما صرح أنه أكد لتكالة في لقاء القاهرة إصرار مجلس النواب على تشكيل حكومة مصغرة بديلا عن حكومة الوحدة الوطنية. وتأتي زيارة عقيلة صالح اليومين الماضيين لأنقرة في هذا السياق، وكان تصريحه بقبول الاتفاقيات التي أبرمتها تركيا مغ حكومة الوفاق حافزا لأنقرة للضغط لأجل تمرير التغيير الحكومي.
ثالثة الأثافي بالنسبة للحكومة هو التغيير في مواقف بعض الحلفاء في مصراتة وطرابلس، والذي في حال تطور يمكن أن يقود إلى أزمة حقيقية وتحدي كبير لحكومة الوحدة الوطنية.
الأزمة مع المصرف المركزي
منذ الإعلان عن توحيد المصرف المركزي وزاوية الانحراف في العلاقة بين عبدالحميد ادبيبة وصديق الكبير إلى إنفراج، ورأى مراقبون في هذا الإعلان دليل على إجادة محافظ المصرف المركزي إدارة اللعبة السياسية، إذ أن سياق توحيد المصرف جاء على خلفية استشعار المحافظ للخطر الذي يحدق بموقعه من جهتين رئيسيتين هما اللجنة المالية العليا، ومحاولات استبداله من قبل أطراف مختلفة أحدها حكومة الوحدة الوطنية، كما جاء على لسان بعض المسؤولين في تصريحات مسجلة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.
فقد كان موقف محافظ المصرف المركزي غير إيجابي تجاه تشكيل اللجنة المالية العليا التي ترأسها المجلس الرئاسي والتي سعت إلى الاشراف على الانفاق العام والتحكم في الإيرادات، فقد رأى فيها المركزي سلب لصلاحياته واختصاصه، وتعدي على نفوذ محافظه الذي بات لاعبا مهما بفضل تأثيره على تنفيذ الميزانية العامة والتي تمثل أهم عناصر القوة بالنسبة للأطراف المتصارعة.
دخول فرج بومطاري للعاصمة طرابلس قبل أشهر والدفع به إلى أن يكون بديلا للصديق الكبير، وما قيل أن ترشيحه لمنصف المحافظ وقع بالتعاون والتنسيق مع أطراف رئيسية في حكومة الوحدة الوطنية، كان له الأثر البالغ في محاولة المحافظ سد الثغرات التي قادت إلى تغيير سليمان الشنطي، رئيس هيئة الرقابة الإدارية. وقد استطاع الكبير عبر إعلان توحيد المصرف المركزي إحباط محاولات الإطاحة به، كما أن تغير موقف مجلس النواب من اللجنة المالية العليا والتحجج بمخالفتها للقانون صب بشكل مباشر في مصلحة المحافظ.
أصداء الأزمة بين حكومة الوحدة والمصرف المركزي دوت بعد الاضطراب الذي شهده الدينار الليبي في السوق الموازية والارتفاع المفاجئ للدولار إلى أن تجاوز حاجز الست دنانير، فقد عده مختصون في الاقتصاد أثرا مباشرا للخلافات بين ادبيبة والكبير، ونتيجة لقرارات اتخذها المركزي هدفها غل يد الحكومة.
فرص توحيد السلطة التنفيذية
قبول البعثة الأممية بقوانين الانتخابات ودعم مجلس الأمن لموقف البعثة وتثمينها لتلك القوانين سيجعل المعركة القادمة حول الحكومة وصلاحياتها، ومن المحتمل أن يجير موقف المجلس الأعلى للدولة من القوانين لصالح التدافع حول الحكومة الجديدة، فالقرار المالي الذي هو من صلاحيات الحكومة هو القضية الأهم بالنسبة لأطراف الصراع، لهذا فإن الاتفاق على توحيد الحكومة ومركزية السلطة التنفيذية لن يكون أمرا يسيرا، لكنه ممكن خاصة إذا تفاهمت أنقرة مع القاهرة بالخصوص وتطور تقاربها مع مجلس النواب الليبي بعد زيارة رئيسه لتركيا مؤخرا ومغازلته للأتراك بشكل صريح .
وإذا وقع اتفاق حول حكومة موحدة ورئيس حكومة واحد، فإننا أمام خيارين: إما أن ينجح معسكر الشرق في تمرير مرشح موال لهم، وإذا وقع العكس، فإن صلاحياته ستفتت. أما إذا كان الإخفاق هو النتيجة النهائية فإن مواجهات جديدة يمكن ان تقع، كما سيرجح سيناريو تثبيت الانقسام الحكومي الحالي ونقله إلى مستوى أعلى.



