Skip to main content

بعد جمود سياسي ضرب بأطنابه في الساحة السياسية الليبية، خصوصا مع الكارثة الطبيعية والآثار التي خلفتها في البنية التحتية في مدينة درنة والمنطقة الشرقية عموما، كما كان للعدوان الصهيوني على غزة أثره في الانشغال العالمي ولفت الأنظار بعيدا عن الوضع السياسي في ليبيا؛ بعد هذه الفترة من الخمول أعلن المبعوث الأممي عبد الله باتيلي مبادرته لجمع الأطراف الرئيسية في المشهد للمضي قدما نحو الانتخابات.

مبادرة باتيلي

نصت مبادرة المبعوث الأممي حسب البيان الصادر عنه على توجيه دعوة لكل من المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وحكومة الوحدة والوطنية والقيادة العامة لاجتماع تحضيري لتحديد المسائل العالقة التي يتوجب حلها لتمكين المفوضية الوطنية العليا للانتخابات من الشروع في تنفيذ قانوني الانتخابات الصادرين عن مجلس النواب.

كما اعتبر باتيلي بشكل مفاجئ ومخالف لموقفه السابق أنه “لأول مرة منذ تعثر إجراء الانتخابات في 24 كانون الأول / ديسمبر 2021، أصبح لدى ليبيا الآن إطار دستوري وقانوني منظم للانتخابات، مناشدا “الأطراف الرئيسية الفاعلة للانتقال بحُسن نية إلى المرحلة التالية من الجهود الرامية لتحقيق الهدف المشترك المنشود ألا وهو إجراء انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وشاملة للجميع تلبي تطلعات الشعب الليبي”.

كما أكد المبعوث الأممي أن الاجتماعات لن تقتصر على الطاولة الخماسية، بل إن اجتماعات موازية ستجري بشكل متزامن مع كل من الأحزاب السياسية، والأطراف العسكرية والأمنية الفاعلة، والشيوخ والأعيان، والمكونات الثقافية واللغوية، والأكاديميين وممثلي الشباب والنساء والمجتمع المدني.

وتفاعلا مع المواقف غير المستجيبة للمبادرة، اقترح باتيلي تشكيل لجنة تمهيدية تضم ثلاثة أعضاء عن كل طرف من الأطراف الخمسة، تكون مهمتها محاولة إذابة الجليد والتقريب بين المواقف.

موقف مجلس النواب

يأتي موقف مجلس النواب متسقا مع رفضه للوجود السياسي لحكومة الوحدة الوطنية، وهو ما عبر عنه رئيس المجلس عقيلة صالح من أن الحكومة الوحيدة الشرعية التي ينبغي للبعثة أن تتعامل معها هي حكومة أسامة حماد وأن حكومة الوحدة الوطنية قد فقدت شرعيتها حين سحب مجلس النواب منها الثقة لتصبح حكومة منتهية الولاية، ما يجعل من حضورها على طاولة الحوار أمرا غير مقبول.

كما أصدر مجلس النواب بيانا موقعا من 110 نواب يرفضون المشاركة في المبادرة التي دعا إليها المبعوث الأممي عبد الله باتيلي. وأعلن النواب رفضهم المشاركة في أي حوار أو اتفاق سياسي لا يحترم الإرادة الليبية ومؤسساتها المنتخبة وما انبثق عنها من مؤسسات تنفيذية.

وقال النواب في بيانهم ”نرفض المشاركة في أي حوار أو اتفاق سياسي لا يحترم الإرادة الليبية والمؤسسات الشرعية وما انبثق عنها من مؤسسات تنفيذية”، وأضافوا :”نتحفظ على عدم احترام باتيلي لمخرجات النواب المتعلقة بالتعديل الدستوري الـ13 وقرار منح الثقة للحكومة الليبية”.  “نتحفظ على عدم دعوة حكومة حماد للاجتماع رغم أنها الشرعية التي منحها النواب الثقة عقب انتهاء المدة القانونية لحكومة الوحدة”، واختتم النواب بيانهم :”نرفض تكرار التجارب السابقة التي ثبت عدم نجاعتها في حل الأزمة الليبية ولن نقبل بأي مخرجات مكررة لما سبق اتخاذه من قبل البعثة الأممية سابقًا”.

أما حفتر فمن المتوقع أن عدم إعلانه موقفا واضحا من مبادرة باتيلي إنما لأن موقف مجلس النواب يأتي في السياق السياسي ذاته المعبر عن “القيادة العامة”، فموقف مجلس النواب يعطي مساحة أوسع لحفتر في حال أراد المناورة السياسية والضغط على المبعوث الأممي ليعزز حضوره في الحوار بثلاثة مقاعد من أصل ستة أعضاء عوضا عن اثنين من أصل خمسة.

المجلس الأعلى للدولة

ينظر المجتمع الدولي وفي مقدمتهم البعثة الأممية بسلبية إلى موقف المجلس الأعلى للدولة بسبب رفضه قوانين الانتخابات المعدلة، وهناك من يؤكد أن باتيلي أبلغ رئيس المجلس الأعلى للدولة، محمد تكالة، بأن الأطراف الدولية قد تعتبره معطلا للعمية السياسية وأنه حجر العثرة أمام إجراء الانتخابات.

ويبدو المجلس الأعلى للدولة اليوم الحلقة الأضعف في التدافع بعد الصدع الكبير الذي أصابه بسبب الخلاف بين أعضائه إبان تشكيل حكومة باشاغا وسحب الثقة من حكومة الدبيبة وتأزم الوضع أكثر بسبب مواقف كتله من التعديل الدستوري الـ13 وتشكيل لجنة 6+6.

مؤخرا، عبر المعارضون لانتخاب محمد تكالة رئيسا للمجلس عن موقفهم بوضوح رفضا لاختيار رئيس المجلس بشكل منفرد الأعضاء الثلاثة للمشاركة في المشاورات التي دعا لها المبعوث الأممي باتيلي التي تتعلق بالطاولة الخماسية، وصرح النائب الثاني لرئيس المجلس، عمر العبيدي، بأنهم لم يكونوا طرفًا في اختيار المندوبين عن الدوائر الثلاثة لتمثيل المجلس الأعلى في اجتماع باتيلي، وأن المختارين يمثلون لونا وطيفا واحدا، وحذر العبيدي من الذهاب إلى مزيد من تعقيد في المشهد والانقسام المؤسساتي الذي من شأنه أن يعطل الانتخابات.

موقف حكومة الوحدة

جاء موقف رئـيس حكومة الوحدة الوطنية مرحبا بالحوار مؤكدا على رفضه لأي مرحلة انتقالية قبل إجراء الانتخابات. كما استغل الدبيبة الفرصة في التعريض بمجلس النواب قائلا إن فشل الرهان على  الانتخابات في 2021 كان سببه الرئيسي القوانين المعيبة الصادرة عن مجلس النواب.

وحدد الدبيبة أربعة شروط للمشاركة في اجتماعات باتيلي ونجاحها، وعلى رأسها أن «ترتكز كافة النقاشات والحوارات والتقاربات من أجل هدف واحد محدد، وهو الوصول لأساس قانوني دستوري قوي»، موضحا: «حتى يعترف الجميع بالمخرجات ويدعمها، لا مجال لأي مسارات جانبية قصدها التشويش على الهدف الأساسي». كما طالب بأن تكون القوانين الانتخابية «عادلة ونزيهة؛ فلا أحكام انتقائية ولا مواد مصمّمة على أحد، أو إقصاء لأي طرف».

تأتي مبادرة باتيلي في توقيت صعب بالنسبة لحكومة الوحدة الوطنية التي باتت في حالة من العزلة السياسية نتيجة فقدانها أبرز حلفائها السياسيين، ففي مدينة مصراتة موطن رئيس الحكومة الذي بات موقف عديد الفاعلين فيها سلبيا تجاه الحكومة خصوصا مع انطلاق مبادرة تصحيح المسار التي تقف خلفها شخصيات رئيسية في المدينة من الأعيان وأخرى ذات اتجاهات مختلفة، مدنية وعسكرية وسياسية، التي تطور موقفها السلبي تجاه الحكومة بشكل تدريجي حتى وصل إلى مرحلة التوتر وعدم الثقة.

كما تأتي هذه المبادرة في الوقت الذي يشتد فيه الخلاف بين مصرف ليبيا المركزي وحكومة الوحدة بسبب سياسة التوسع في الإنفاق التي انتهجتها الحكومة وإيقاف أبواب وبنود الصرف من قبل المصرف المركزي بناء على المبالغة في الإنفاق حسب المركزي. كما يأتي الموقف السلبي تجاه رئيس الحكومة من قبل المحافظ عقب محاولة الأول تعزيز حضور الحكومة بعد تغيير سليمان الشنطي واستبداله بعبد الله قادربوه، وما قيل عن محاولات الحكومة لتغيير خالد شكشك، وإزاحة محافظ المصرف المركزي من منصبه كما صرح بذلك عضو بارز في المجلس الأعلى للدولة. وهو ما قاد إلى تدهور العلاقة بين الطرفين وانهيار التحالف بينهم، فقد كان للمحافظ اليد الطولى في مد عمر الحكومة واستمرارها بعد حجب الثقة عنها من قبل مجلس النواب.

فرص نجاح المبادرة

من المبكر التكهن بمستقبل مبادرة باتيلي خصوصا أن مواقف الأطراف السياسية التي أعلنت رفضها كمجلس النواب وحفتر لا تفتأ تستخدم الأسلوب ذاته في الضغط على المبعوث الأممي كما فعل عقيلة صالح مع ستيفاني ويليامز في مبادرة صياغة القاعدة الدستورية حين رفض تلبية الدعوة للحوار المنعقد في تونس وشارك في الحوار ذاته حين انعقد في القاهرة بعد أن ضمن أن مسار الحوار لن يخرج عما رسمه مجلس النواب في التعديل الدستوري الـ12 حينها.

باتيلي الذي حاول الضغط على تكالة بخصوص قوانين الانتخابات يدرك أن التقارب بين تكالة والدبيبة يشكل ثقلا لا يمكن تجاوزه بسهولة، وهذا ما يفسر إصرار الثاني على تعديل القوانين، ذلك أنه ضامن لموقف الأعلى للدولة، أو رئاسته والكتلة المؤيدة لها في المجلس.

كما أن فرص نجاح الحوار تبدو ضعيفة خصوصا أنه قائم من حيث الأساس على القوانين التي أقرها مجلس النواب بشكل أحادي متجاوزا المجلس الأعلى للدولة، أو رئاسته وكتلة وازنة فيه، التي أثارت حفيظة الأطراف السياسية، وهو ما قد يجعل مقدمات الحوار في حد ذاتها خلافية ولا يمكن أن تبني حالة تجتمع الأطراف المختلفة عليها، وقد جربت آليات كثيرة لحسم الخلاف في ملتقى الحوار السياسي، إلا أن هذه الآليات أثبتت أن الأسلم والأضمن لتقدم الحوار والمضي قدما فيه هو البناء على ما هو متفق عليه وتجاوز البنود الخلافية والالتزام بالحد الأدنى، ما قد يساهم في حلحلة الملفات العالقة والنقاط الخلافية.

من ناحية أخرى، اشتراط عقيلة صالح ضرورة الإسراع بالتغيير الحكومي واستجابة باتيلي لهذا المطلب وشروعه في التشاور مع مكونات سياسية مختلفة حوله سيزيد الوضع تعقيدا خاصة إذا كان المرشح لرئاسة الحكومة أقرب إلى كتلة الشرق منه إلى الجبهة الغربية.