Skip to main content

مشروع الميزانية المعروض على مجلس النواب لاعتماده عن العام 2025، والذي أنقضى أكثر من نصفه، هو في شكله الحالي مشروع “ميزانية إعالة” لا “ميزانية إصلاح”، كما وصفه بعض أهل الاختصاص، ذلك أن مشروع الميزانية يفتقر للتخطيط والبرمجة، فضلا عن عدم إيلاء أي عناية بالتنويع الاقتصادي وحوكمة الإنفاق، حتى إنه ربما يحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية، تتماشى مع القانون المالي للدولة والقوانين النافدة، وبما يلائم الأهداف الاقتصادية والتنموية التي يرجى تحقيقها من الميزانيات العامة.

وفي ظل الوضع الاقتصادي الهش الذي تواجهه البلاد، وبالنظر إلى العيوب التشريعية في مشروع قانون الميزانية، ومع غياب التخطيط السليم للموازنة، تظهر عند التقصي الثغرات والتجاوزات التالية:

أولاً: الثغرات الهيكلية في الإيرادات:

1-المبالغة في احتساب الإيرادات النفطية والتي قدرت في مشروع الميزانية بنحو 141.9 مليار دينار، بالرغم من أن الميزانية أساساً عُرضة لصدمات هبوط أسعار النفط المتوقع، وانخفاض إنتاجه المتكرر.

2-إيرادات غير نفطية مبالغ فيها: ذلك أن تقديرات الإيرادات السيادية والضريبية البالغة حسب مقترح الميزانية 41.8 مليار دينار، تفتقر إلى آليات تحصيل فعلية، فكيف يمكن تحصيل 750 مليون دينار ضرائب غير مباشرة في اقتصاد غير رسمي (اقتصاد ظل) يشكل 60% من إجمالي الناتج المحلي!

3-إغفال الدين العام وإهمال ذكره: فالمادة 4 من مشروع قانون الميزانية تتجاهل خدمة الدين العام، رغم وجود التزامات بعشرات المليارات؛ مما يزيد العبء على الخزانة.

ثانياً: إشكاليات الإنفاق (اختلالات التوزيع):

1-ضخامة حجم الميزانية مقارنة بالوضع الاقتصادي: ذلك أن إجمالي الإنفاق المقترح والبالغ 160.6 مليار دينار ليبي، يعكس ارتفاعا كبيرا مقارنة بالقدرة الاستيعابية للاقتصاد الليبي، مع ضعف الإنتاج المحلي، واعتمادية شبه كاملة على النفط.

الأخطر في الموضوع أن هذا الإنفاق الواسع وغير المدروس؛ سيشكل ضغطاً هائلاً على النقد الأجنبي لدى المصرف المركزي، وبحسب المصادر المطلعة فإن حوالي 70-75% من الإنفاق العام يتحول إلى طلب مباشر على الدولار؛ مما يعني استنزاف المزيد من الاحتياطيات، وتقليص قدرة المصرف المركزي على تلبية طلبات المصارف؛ وهذا يقود إلى توسع في السوق الموازي، وارتفاع في الأسعار؛ مما يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم بشكل متواصل، وهي دوامة استنزاف سيعاني من آثارها المواطن محدود الدخل.

2-تضخم كتلة المرتبات والدعم: المرتبات والدعم، وهما أكبر بنود الاستهلاك الرئيسية، يلتهمان ما يزيد عن 74% من الميزانية (64.5 مليار مرتبات + 54.6 مليار دعم)، ما يترك حيزًا ضيقًا للاستثمار التنموي الفعّال. ومع قابلية بند الدعم المتضخم للحل، فإن بند المرتبات الذي يستهلك ما يزيد عن 40% من الميزانية العامة، حوالي 64.5 مليار دينار، غير قابل في ظل الظروف الراهنة للمعالجة والتحكم، وكل التقديرات الرسمية وغير الرسمية تتجه به إلى سقف أعلى عاما بعد عام.  

والمفارقة هنا أن 30% من الوظائف العامة “وهمية” حسب تقرير ديوان المحاسبة للعام 2023، لكن مشروع الميزانية المقترح لا يتضمن إصلاحاً لهيكل الأجور، ولا ضبطاً لآلية صرف المرتبات ومنع الازدواجية. وهذا بالمخالفة للمادة 18 من قانون الرقم الوطني (2014).

3-دعم غير مستهدف: دعم المحروقات والذي رصد له 37 مليار دينار من الباب الرابع يُهدر عبر التهريب إلى دول الجوار. وتشير الأرقام إلى أن 40% من الدعم لا يصل لمستحقيه. والملاحظ هو الارتفاه الكبير في قيمة الدعم مؤخر، ذلك أن الباب الرابع، الذي يشمل دعم المحروقات، والأدوية، والنظافة، والصرف الصحي، وغيرها، بلغت قيمته الإجمالية 20.8 مليار دينار في عام 2021، وذلك بعد تعديل سعر الصرف، إلا إن قيمة دعم المحروقات وحدها قفزت إلى 37 مليار دينار، دون أن تقدم الجهات المعنية تفسيرا لهذه الزيادة الكبيرة!!

ثالثاً: ضعف الرقابة على مشروعات وبرامج التنمية:

مخصصات التنمية المقرر لها مبلغ 27.5 مليار دينار تُدار مركزياً عبر مصرف ليبيا المركزي (المادة 14)، رغم تفشي الفساد في المشاريع العامة، فضلاً عن غياب مؤشرات قياس أداء، وتحديد نسب وفترات إنجاز، وهناك غموض يتعلق بالإطار الزمني لمشروعات وبرامج التنمية التي تضمنها مشروع الميزانية وإذا ما كانت تلك المشاريع للعام 2025 فقط، أم أنها ممتدة إلى العام 2026!!

رابعاً: تناقضات قانونية مقلقة:

يلاحظ على مضامين قانون الميزانية أنه لا يعتد كثيرا بالقوانين النافذة، وقد اشتمل قانون الميزانية المقترح على مجلس النواب تجاوزات واضحة منها:

1-خرق قانون النظام المالي:  – المادة 12 ضمن مشروع قانون الميزانية تسمح للوزير المختص “حجب المصروفات” دون ضوابط ومعايير وذلك خلافا للمادة 8 من القانون المالي للعام 2013. 

  – المادة 16 تبيح إصدار سندات خزانة دون سقف وفي هذا انتهاك للمادة 3 من قانون الدين العام 1986.

2- تجاهل اللامركزية:المادة 9 من قانون الميزانية المقترح تكرّس المركزية في توزيع الموارد، رغم وجود قانون الإدارة المحلية (رقم 59 لسنة 2012)، الذي ينص على صلاحيات أوسع للمجالس المحلية.

رابعاً: مخاطر الاقتصاد الكلي:

1-عجز مموّل بالديون: العجز المتوقع والبالغ نحو 23 مليار دينار سيُموّل عبر سندات خزانة (المادة 3)، ما يرفع الدين العام من 155% إلى 180% من الناتج المحلي.

2-تضخم مُحتمل:ضخ 54.6 مليار دينار للدعم دون تقنين، أو آليات ضبط وذلك كالبطاقات الذكية أو غيرها؛ سيُسبب ضغوطاً تضخمية، في سوق يبلغ معدل التضخم فيه 15% وذلك وفق تقرير المصرف المركزي 2024.

3-مخاطر التضخم وارتفاع الأسعار:التمويل بالعجز عبر أذونات وسندات الخزانة أو السحب من المركزي، في ظل ضعف الإنتاج المحلي؛ سيدفع إلى زيادة التضخم، وانخفاض القوة الشرائية للدينار.

4-ازدواجية السلطات المالية والمصرفية:وجود مصرف ليبيا المركزي في طرابلس وبنغازي، والحاجة لتسويات بينهما، يخلق مخاطر كبيرة على وحدة السياسة النقدية وتدفق الأموال.

5-ضعف الإطار الزمني للإصلاح:لا توجد خطة واضحة لخفض العجز تدريجيا، أو إعادة هيكلة الإنفاق خلال السنوات القادمة.

خامساً: إغفال السياق الليبي:

1-غياب التخطيط للأزمات:لا توجد مخصصات طوارئ للقطاع الصحي، رغم تحذيرات منظمة الصحة العالمية من توقع تفشي بعض الأمراض، منها الكوليرا في الجنوب.

2-تجاهل المناطق المهمشة:85% من مشاريع التنمية المضمنة في مشروع الميزانية موجهة لطرابلس وبنغازي، رغم احتياجات مناطق مثل: فزان التي تعاني انهياراً كاملاً في البنية التحتية.

ختاما

مشروع قانون الميزانية يعكس استمرار التخبط في متاهات النهج الريعي المعتمد على النفط كلياً، مع تضخم في بندي المرتبات والدعم، وضعف في التخطيط التنموي المستدام؛ ما يجعله غير قادر على التأثير أو معالجة معضلة الاختلالات الجوهرية في الاقتصاد الليبي. وفي ظل الوضع المالي والاقتصادي الهش، فإن تمرير الميزانية بهذا الشكل سيفاقم التضخم، ويزيد من الهدر وتفشي الفساد، ويؤجل الإصلاحات الضرورية، ويعمّق حالة الهشاشة المتأصلة أساساً في الاقتصاد الوطني، والجدير بالذكر أن مشروع الميزانية المعروض يتعارض بشكل شبه تام، مع توصيات كل من البنك والصندوق الدوليين، بشأن تنظيم المالية العامة، وغيرها من الإصلاحات المقترحة منهما.